أشاد بدور قطر الثقافي وانتقد العنصرية.. جاك لانغ: معهد العالم العربي بباريس ملتقى لاحتضان الثقافة الإسلامية

رئيس معهد العالم العربي في باريس جاك لانغ (غيتي)

تحول معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية -الذي رأى النور في عهد الرئيس الراحل فرانسوا ميتران- إلى معلم ثقافي يستقبل الفنانين والمفكرين من كل أنحاء العالم العربي والأوروبي لعرض أفكارهم وإبداعاتهم. ويعد المعهد الذي صممه الفرنسي جون نوفيل تحفة معمارية فريدة تقع على ضفاف نهر السين، فضلا عن كونه أهم مؤسسة للثقافة العربية الإسلامية في هذا البلد وأوروبا.

وقال رئيس المعهد جاك لانغ إنه حرص منذ توليه المنصب على الاعتناء باللغة العربية، منوها بأنه قام في هذا الإطار باستحداث شهادة للعربية يتم تدريسها بالمعهد، وهي معترف بها محليا وأوروبيا ودوليا، ملاحظا أن ما يبعث على التفاؤل هذا الاهتمام والإقبال الكبير السنوات الأخيرة على تعلم العربية ودراستها والتعمق فيها بالجامعات والمعاهد العليا الفرنسية، مشيرا إلى أن الشهادة التي أحدثها المعهد ستشجع هذا الإقبال أكثر على لغة الضاد.

كما ثمن لانغ الذي تسلم حقيبة الثقافة والتعليم بحكومة ميتران -في حواره مع وكالة الأنباء القطرية- الدور المحوري والكبير الذي لعبته دولة قطر من خلال الاتفاقية التي أمضاها المعهد معها، في التشجيع على تعلم العربية في المعهد وفرنسا. وشدد على الاندماج الكبير للفرنسيين من أصول عربية إسلامية بمختلف الأجيال، في المجتمع الفرنسي وفي مؤسساته، لافتا إلى أنهم يساهمون بشكل جوهري في بناء ونهضة البلاد وتقدمها.

وقال "إن هذا لا ينفي وجود أقلية عنصرية في المجتمع الفرنسي مثل كل المجتمعات، تحاول تشويه صورة المهاجرين والعرب والمسلمين، تحت تأثير خطاب الكراهية الذي يبثه حزب اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان" مؤكدا أن هذا الخطاب العنصري خطير جدا على المجتمع ولا بد من مقاومته ومحاربته، منوها في الوقت نفسه بأن أغلبية الفرنسيين متصالحون مع قيم التسامح والتضامن وقبول الآخر، وهم يشجعون اندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي.

معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية (الجزيرة)

وأوضح أن معهد العالم العربي ملتقى لاحتضان الثقافة العربية الإسلامية في فرنسا وأوروبا، ويمثل جسرا حضاريا ثقافيا يشجع على الحوار والتعاون والتواصل والاكتشاف والتضامن بين الغرب والشرق، مشيدا بمساهمة العرب والمسلمين الفعالة في تطور العلوم والفلسفة والترجمة والأدب والثقافة الإنسانية فترة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، منوها بأن المعهد يخصص لقاءات شهرية ودورية لتكريم الفلاسفة والكتاب والمفكرين العرب والمسلمين، والتعريف بكتبهم وإنتاجاتهم الفكرية المستنيرة، مؤكدا الدور الإيجابي والمهم الذي يمكن أن يقوم به الأدب والترجمة والإبداع والثقافة اليوم، رغم كل ما يحيط بها من تناقضات، ومساهمتها الفعالة بالحوار بين الثقافات والشعوب والحضارات والشرق والغرب والشمال والجنوب.

وعين لانغ عام 2013 على رأس معهد العالم العربي من قبل الرئيس السابق فرانسوا هولاند، خلفا لكل من رونو موسولييه (رئيس المجلس الأعلى للمعهد) وبرونو لوفالوا (رئيس مجلس الإدارة). وشهد المعهد في عهده نقلة نوعية وحركية كبيرة، وخرج من أزمته المالية التي كانت تعرقله.

وكان معهد العالم العربي منذ 2009 يحظى برئاستين، قبل أن يتم تعديل نظام إدارته عام 2013 من قبل السلطات الفرنسية والجانب العربي، ليعود لنظام الرئاسة الواحدة.

دور قطر

وقال لانغ إن قطر لعبت دورا محوريا في تعليم العربية في فرنسا. وأضاف -في حديثه للوكالة القطرية- أن المعهد يسعى كل مناسبة إلى تعميق وتطوير علاقات التعاون مع دولة قطر من خلال عروض ومعارض تبرز الموروث الثقافي الغني للدوحة وتحتفي بالمبدعين القطريين في كل المجالات، موضحا بهذا السياق أن آخر تعاون بين المعهد وقطر كان منذ سنة تقريبا وتمثل في توقيع اتفاقية للتشجيع على تدريس العربية ونشرها في فرنسا، وفق البرنامج والشهادة التي أحدثها معهد العالم العربي في تعلم العربية.

وأشاد بدور قطر ومساهمتها المحورية في دعم الثقافة والتشجيع على تعلم العربية في المعهد وفرنسا، من خلال سفارة الدوحة في باريس، مشيرا إلى أن قطر كانت حاضرة بقوة في مهرجان الفيلم الخليجي، وفي عدة معارض تشكيلية وفنية، منوها بأن المجموعة الخاصة للفن التشكيلي في متحف معهد العالم العربي تضم نخبة متميزة من أعمال الفنان القطري يوسف أحمد.

كما أشار لانغ إلى أن المعهد نظم -بالتعاون مع مؤسسة الدوحة للأفلام، أواخر عام 2021- ليلة خاصة بعرض مجموعة من الأفلام القصيرة القطرية، وسط حضور أغلب مخرجيها.

الرياضة القطرية كانت حاضرة بشكل متميز في المعرض الضخم الذي أقامه معهد العالم العربي عن الرياضة وكرة القدم في العالم العربي، من خلال المعرض الخاص بتصميمات الملاعب القطرية التي احتضنت نهائيات كأس العالم 2022

إلى ذلك، بين لانغ أن الرياضة القطرية كانت حاضرة بشكل متميز في المعرض الضخم الذي أقامه المعهد عن الرياضة وكرة القدم في العالم العربي، من خلال المعرض الخاص بتصميمات الملاعب القطرية التي احتضنت نهائيات كأس العالم 2022، لافتا إلى أن المعهد نظم -بالتعاون مع الهيئات الدبلوماسية القطرية في فرنسا- عام قطر في المعهد وفي فرنسا، لإبراز التاريخ والموروث والثقافة القطرية، حيث إن هذه الشراكة والفعاليات شهدت نجاحا وإقبالا كبيرا من الجمهور المتعطش لاكتشاف الجوانب الخفية لثقافة هذه الدولة الخليجية العربية المميزة، معربا عن ترحيب المعهد الدائم باتفاقيات التعاون وباقتراحات القطريين لإبراز موروثهم وثقافتهم ضمن أنشطة معهد العالم العربي بباريس.

وثمن لانغ دور قطر الكبير ومساهمتها الفعالة في إنشاء متحف الفن الإسلامي المعاصر في معهد العالم العربي، من خلال الدور البارز الذي قامت به رئيسة مجلس أمناء متاحف قطر الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني في دعم المتحف بكل الوسائل، متحدثا بانبهار عما سماه "ثورة عمرانية" في البنى التحتية التي تشهدها قطر، حيث أثنى على النجاح الباهر الذي حققته الدوحة في تنظيم نهائيات كأس العالم 2022، منوها بأن هذا النجاح كان على كل المستويات الرياضية والهندسية والإعلامية والثقافية.

فلسطين والعالم

وحول سياسة المعهد المستقبلية وأهم الأنشطة والعروض التي سيحتضنها هذا المعلم الثقافي، قال لانغ "توجد الكثير من المشاريع والأنشطة والأحداث الكبرى من ضمنها المعرض والحدث الكبير الذي سينظمه المعهد بداية من مايو/أيار القادم، تحت عنوان "ما تقدمه فلسطين إلى العالم" والذي سيحتفي بفلسطين وثقافتها وتاريخها وقضيتها" مؤكدا أن هذا العنوان الرمزي يحمل رسالة خاصة من الهيئة المنظمة لإعلاء الثقافة والموروث والإبداع الفلسطيني بكل تلويناته وخصائصه، وسيمزج بين الجانبين التاريخي والفني المعاصر.

ولفت لانغ إلى أن المعهد سيلقي الضوء كذلك على غزة وما تعانيه من حصار وتهميش، وسيحرص على حضور وجوه فنية وثقافية من هذا القطاع الفلسطيني المحاصر، كاشفا بأنه ستكون له زيارة قريبة إلى غزة والضفة الغربية من أجل وضع اللمسات الأخيرة لهذا الحدث الكبير وإعطاء القضية الفلسطينية المكانة التي تستحق.

معهد العالم العربي في باريس يكاد يكون المؤسسة الوحيدة في العالم التي تخصص مثل هذا الدعم والاهتمام والاحتفاء الخاص بالقضية الفلسطينية وبالثقافة والإبداع الفلسطيني

وأوضح لانغ أن هذا الحدث الكبير سيكون تحت إشراف المثقف والوجه الفلسطيني المعروف إلياس صنبر، مبينا أن معهد العالم العربي في باريس يكاد يكون المؤسسة الوحيدة في العالم التي تخصص مثل هذا الدعم والاهتمام والاحتفاء الخاص بالقضية الفلسطينية وبالثقافة والإبداع الفلسطيني، محذرا ومنبها في الوقت نفسه إلى الوضع الخطير والدقيق الذي تعيشه القضية الفلسطينية في الوقت الراهن، مشيرا إلى أنها مهمشة ومنسية ومبعدة في العالم اليوم.

وأكد أن المعهد يحرص على إيلاء القضية الفلسطينية الأهمية التي تستحق، حتى يسمع صوت الشعب الفلسطيني والأصوات الإبداعية الحرة إلى العالم كافة.

ولفت إلى أن معهد العالم العربي يحتضن متحف الفن المعاصر للإبداع الفلسطيني في المنفى، وهو يضم أعمالا فنية فلسطينية مهمة ورائعة تعرف الزائر الفرنسي والأوروبي بعمق الثقافة والإبداع الفلسطينيين في المنفى والشتات.

كما أشار لانغ إلى أن المعهد يتجه، مع الدخول المدرسي الخريف المقبل، إلى تنظيم حدث لافت آخر تحت عنوان "عطر الشرق" يحتفي بالفن التشكيلي العربي المعاصر من كافة المدارس والتوجهات، وستكون كل الدول العربية ممثلة بثقافتها وموروثها وعاداتها.

العربية كنز فرنسا

ويعد لانغ من بين المثقفين الفرنسيين المدافعين عن العربية وضرورة حضورها في الوسط المدرسي والثقافي، وفي هذا الإطار أصدر عام 2020 كتاب "اللغة العربية كنز فرنسا" يلقي من خلاله الضوء على عمق لغة الضاد وتاريخها ومكانتها المتميزة ماضيا وحاضرا.

فرنسا مرتبطة تاريخيا بالعالم العربي، سواء بالمعنى الإيجابي الثقافي الحضاري أو بالمعنى السلبي السيئ الكولونيالي (الاستعماري).. والعربية إحدى الصلات الثقافية المهمة بين باريس والعرب

ورغم قيمة هذا الكتاب، وقيمة الأصوات المدافعة عن لغة الضاد، ما زالت العربية لم تأخذ حظها، ومازال هذا الكنز مخفيا ومهمشا ومنسيا في فرنسا، برأي البعض.

غلاف كتاب “اللغة العربية كنز فرنسا” لرئيس معهد العالم العربي بباريس جاك لانغ
كتاب "اللغة العربية.. كنز فرنسا" للمؤلف جاك لانغ (مواقع التواصل)

وفي هذا الإطار، أوضح الأكاديمي وأستاذ القانون السابق أن فرنسا مرتبطة تاريخيا بالعالم العربي، سواء بالمعنى الإيجابي الثقافي الحضاري أو بالمعنى السلبي السيئ الكولونيالي (الاستعماري) لافتا إلى أن العربية هي إحدى الصلات الثقافية المهمة بين باريس والعرب، مشددا في الوقت نفسه على أنه حينما كان وزيرا شجع تدريس العربية بالمدارس الفرنسية، رغم كل العراقيل التي اعترضته.

وأوضح أنه لاحظ خلال توليه مهامه الوزارية أن المشكلة في فرنسا لا تكمن فقط في العربية وإنما في بقية اللغات الأجنبية، مثل الألمانية والإيطالية والإسبانية التي بقيت مهمشة أيضا، مشيرا إلى أن العربية اليوم تدرس في الكثير من المعاهد والمدارس الفرنسية، ولكن تبقى هناك مشكلة الاستمرارية التي تعاني منها وهو ما ينفر بعض التلاميذ والطلبة من تعلمها رغم تعلقهم بها، لافتا إلى أن الدولة الفرنسية أمضت اتفاقيات تعاون السنوات الأخيرة مع الدول المغاربية لاستقدام أساتذة للغة العربية أكفاء، في إطار التشجيع على تكثيف الاستمرارية في تعلم هذه اللغة الجميلة.

واختتم رئيس معهد العالم العربي بباريس حديثه قائلا إنه يشعر بالقلق من صعود اليمين المتطرف في فرنسا وأوروبا، داعيا إلى ضرورة محاربة "العقلية العنصرية" التي تنتهجها أقلية في المجتمع وعدم إعطائها فرصة لكي تؤثر على بقية أفراد المجتمع، مشددا في الوقت نفسه على أن حضور المهاجرين والأجانب والثقافات المختلفة بالمجتمعات الأوروبية هو حظ وثراء وقيمة مضافة لهذه المجتمعات وليس العكس.

وأضاف "في النهاية.. موجة اليمين المتطرف ستختفي قريبا من فرنسا وأوروبا، لأن الشعوب الأوروبية متسامحة بطبعها ومتقبلة للآخر بسهولة".

موجة اليمين المتطرف ستختفي قريبا من فرنسا وأوروبا لأن الشعوب الأوروبية متسامحة بطبعها ومتقبلة للآخر بسهولة

جدير بالذكر أن معهد العالم العربي بباريس، الذي تأسس سنة 1980 مؤسسة فرنسية تعنى بالشأن الثقافي، وتستقبل ضمن أنشطتها المتواصلة -على طول العام- الكتاب والمفكرين والفنانين من كل أنحاء العالم العربي والأوروبي لعرض أفكارهم وإبداعاتهم.

ويسعى هذا المعلم الثقافي -الذي تبلغ ميزانيته 30 مليون يورو ويعمل فيه 150 موظفا- إلى تطوير دراسة العالم العربي في فرنسا وتعميق فهم حضارته وثقافته وتشجيع التبادل الثقافي وتنشيط التواصل والتعاون بين فرنسا والعالم العربي، ويعين رئيسه بناء على اقتراح من الرئيس الفرنسي، وبالتشاور مع ممثلي الدول العربية في هذا البلد.

المصدر : وكالة الأنباء القطرية (قنا)