لماذا يُعد السمع أبا الملكات اللسانية؟

اللغة العربية
السمع كان ملكة في ألسنة العرب يأخذها الآخر عن الأول (شترستوك)

"إن أركان اللسان العربي 4، هي اللغة والنحو والبيان والأدب. ومعرفتها وتعلمها واجب على أهل العربية والشريعة" هذا ما ذكره ابن خلدون في كتابه المقدمة في الفصل الـ45 الموسوم بعنوان "في علوم اللسان العربي"، ثم ذهب إلى قوله إن "السمع أبو الملكات اللسانية".

وعلل ذلك بما كان في ماضي العرب من الأخذ والتلقي عن بعضهم بالسماع والرواية، فالقدرة على الحفظ السريع من المتحدث والنقل عنه لا بد له من سمع يسبقه لتقوم عليه الرواية، فالسمع كان ملكة في ألسنة العرب، يأخذها الآخر عن الأول، واللاحق عن السابق.

ومن حرص علماء العربية على دوام الصحة في النقل والاستشهاد عن العرب الأقحاح أنهم أوقفوا الأخذ بالسماع واعتماد الرواية الشفهية للشعر عند تاريخ 150هـجريا، ويعد الشاعر إبراهيم بن هرمة آخر من يُستشهد بأشعارهم.

ما الفرق بين السمع والاستماع؟

السمع هو حاسة إدراك الأصوات بالأذن من دون عمد، كأن نقول سمع الصوت، وسمع الخبر بمعنى تلقاه وعلم به، وسمع الله لمن حمده وسمع الله دعاء فلان، أي استجاب له. أما الاستماع فهو يشمل إدراك الأصوات ووعيها عمدا وبغير عمد، أما العمد فيكون بقصد تمييزها وبهدف معرفتها وفهم ما تؤديه وترمي إليه من معان.

ما سر إفراد السمع وتقديمه على الأبصار في القرآن الكريم؟

قدم القرآن الكريم حاسة السمع على غيرها من الحواس في آياته ما عدا واحدة منها، لأنها في سياق الحديث عن الآخرة وندم المجرمين على ما فرطوا به في الحياة الدنيا إذ قال تعالى في سورة السجدة/2: ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا فٱرجعنا نعمل صلحا إنا موقنون﴾، وتقديم البصر في هذا السياق أكثر منطقية لأن الكافرين يوم القيامة سيبصرون بأعينهم ما كذبوا به، ثم سيسمعون وسيعون ويندمون ويسألون الله الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا على أنفسهم.

أما فيما سوى ذلك من آيات قرآنية فقد تقدم السمع على البصر وغيره من الحواس كقوله تعالى في سورة النحل/78: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ۙ لعلكم تشكرون﴾، وإن كانت (الواو) لا تقتضي الترتيب مع الجمع، لكن التقديم يؤكد أهمية المقدم وأسبقيته على غيره، فقد أثبتت الدراسات العلمية أن الوليد يسمع قبل أن يبصر، فحاسة السمع تأتي مع الوليد مكتملة في حين يكتمل البصر بعد الولادة بأشهر، فالسمع كما يقول الشعراوي في تفسيره هو أول أداة إدراكية تؤدي مهمتها عندما يولد الإنسان مباشرة.

والسمع والأبصار والأفئدة منافذ المعلومات ووسائل الإدراك وأدوات اكتساب العلم الذي يوصل بصاحبه إلى شكر خالقه على ما أنعم وقدر، وقد سمت العرب قديما الدماغ بأم السمع. ومما يلفت النظر عند النظر في الآيات التي ورد فيها ذكر السمع والأبصار أن السمع يأتي مفردا في حين يأتي ذكر الأبصار جمعا، وفي تفسير ذلك يقول الشعرواي: "كلمة (السمع) لم تأت في القرآن إلا مفردة لأن السمع واحد لا يتكرر، أما الأبصار فإنها متعددة وللإنسان قدرة على سد منافذ البصر، لكن ليس له قدرة على سد منافذ السمع". وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير في تفسيره لتقديم السمع على البصر أن السمع كان وسيلة تلقي الوحي من السماء، ووسيلة تبليغ الدعوة، ناهيك من أنه يلتقط الوارد عليه من الجهات الست في حين يقيد البصر بجهة النظر، والسمع والبصر معا هما وسيلتا الإدراك والعقل.

وقد ربط القرآن الكريم بين السمع والعقل في قوله تعالى في سورة الملك/10: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ ، فالسمع هو السبيل الأول للعقل ومناط التفكير والهداية، إذ قال ابن عباس في تفسيره قول الكافرين: "لو كنا نسمع الهدى أو نعقله، أو لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر، أو نعقل عقل من يميز وينظر".

وإلى هذا المعنى يشير الإمام البقاعي صراحة في تفسيره "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، إذ يقول: "ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار التكليف قالوا: نسمع، أي سماعا ينفع بالقبول للحق والرد للباطل، أو نعقل، أي بما أدته إلينا حاسة السمع وغيرها عقلا ينجي".

هل السماع ملكة أو اعتياد؟

ونقصد بالملكة هنا المهارة التي تتطور بالتكرار والتعاهد مثل النبتة التي تنبت في الأرض، لها أصلها وجذرها ولكنها لا تتقوى إلا بالتعاهد والرعاية المستمرة، وهذا ما يقصده ابن خلدون بها إذ يقول: "والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال، لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة".

ولو أننا أمعنا النظر في تعريف ابن خلدون للملكة، لوجدنا أنه يركز في توضيح ماهيتها على عملية التكرار في تحقيقها، لذا فقد عرفها بأنها صفة راسخة يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم أي لا يمكن أن تتحقق الملكة لدى الفرد إلا عن طريق التعلم والتكرار، فالملكة عنده مهارة ثابتة تكتسب عن طريق التعلم، كصناعة الخياطة والنجارة والحدادة.

يعد السماع بوابة الطفل الأولى نحو عالمه، لذلك -ربما- رأى ابن خلدون أنه أبو الملكات، في حين سماه ابن فارس (اعتيادا) لأنه عفوي لا قصد فيه. ولم يكتف ابن خلدون بجعل السمع أبا الملكات، بل رأى أن "اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة". ثم أكد أن السماع مناط تعلم اللغة العربية وعمدتها، إذ قال: "فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك. ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة… هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال. وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم".

وعن فساد ملكة السماع يقول: "ثم فسدت هذه الملكة بمخالطتهم الأعاجم وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب".

وهذا يقودنا إلى أن السماع من المهارات المهملة في التعليم عموما وتعليم اللغات على وجه الخصوص، فيغدو التركيز على مهارات النطق أو مهارات التفكير وتعقد لذلك الدورات المتخصصة، وما أحوج الأجيال التي تريد اكتساب العلم واللغات إلى أن تثني الركب في برامج متخصصة لتعليم مهارة السماع والتدريب عليها كونها بوابة كل علم ومفتاح الوصول إلى النطق السليم واللغة السائغة في العقل السلسة على اللسان.

كيف حل القياس محل السماع؟

كان العرب يحتكمون إلى السماع عند الحكم على صحة الألفاظ واللغات والعبارات وجودتها، وكان السمع هو سبيلهم لكشف اللحن اللغوي، فالأذن العربية لا تطيق النشاز في اللغة كما تستنفر أذن الموسيقي الراسخ حين تسمع نشازا في أية مقطوعة موسيقية.

بقي الأمر كذلك إلى أن أثرت مخالطة العجم للعرب بعد الإسلام في تلك الملكة السمعية تأثيرا سلبيا، فالغلط واللحن وما ألقي على السمع من مخالفات ومغالطات لغوية ارتكبها الناطقون بالعربية من غير العرب والمستعربون من العجم أفسد الملكة السمعية، إذ كان المتعلم أو المستعرب ينطق بألفاظ وتراكيب تغاير أصل ما سمع عن العرب، فاختلطت ببعضها اختلاطا جعل الأصل عصي المعرفة على من لا باع له في اللغة ولا خلطة له بأهلها ولا معرفة له بمصادرها.

ومن هذا المنطلق خشي علماء العربية والقراء من فساد تلك الملكة وما سيتبع ذلك من تأثير سلبي في قراءة القرآن الكريم واللحن فيه، فاتفقوا على استنباط قواعد وقوانين لغوية تعصم الألسن من الزلل وتحمي اللغة من دخول الخلل إلى أواصرها وتراكيبها، وبذلك صارت قواعد اللغة أساسا لحمايتها وسياجا أمينا لحفظها والإبقاء عليها مصونة من اللحن والخطأ، وهكذا حل القياس محل السماع، على أن السمع كان المهد الذي حمل أصل العربية عبر العصور، فبقي له مكانته الخاصة المميزة التي لم تخضع للتقييد بالقواعد اللغوية، إذ يقال في أحايين كثيرة عند السؤال عن سبب عدم خضوع كلمة أو تركيب لقواعد اللغة التي اتفق عليها: "هكذا سمع عن العرب وثبت في الرواية الصحيحة".

بل إن أهل اللغة لا يزالون يقدمون السمع المتناقل بموثوقية بوصفه دليلا نحويا على القواعد المتعارضة عند تعارضهما، وقد أفرد ابن جني في كتابه (الخصائص) بابا خاصا بهذا الأمر وسماه: "باب في تعارض السماع والقياس". ويعد التعارض بين السماع والقياس صورة من صور التعارض بين الأدلة النحوية، ونقصد بذلك أن يؤدي قياس النحويين إلى حكم من الأحكام، وأن يؤدي السماع عن العرب الفصحاء الموثوق بعربيتهم إلى حكم آخر يخالف الحكم الذي أدى إليه القياس، وفي هذا يقول ابن جني: "إذا تعارضا -أي السماع والقياس- نطقت بالمسموع على ما جاء عليه ولم تقسه في غيره".

ولكن ماذا عن الذاكرة السمعية والعلاقة النفسية مع اللغة التي يصنعها السماع، وكيف كان تأثير السماع في لغة سيبويه، عن هذا وأمور أخرى متعلقة بالسماع واللغة نتحدث في الجزء الثاني من المقال بإذن الله تعالى.

المصدر : الجزيرة