موازيين فرنسا المختلة ما بين قضية الحجاب ومحرقة غزة

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُتهم من قبل نقاده بإزدواجية المعايير تجاه القضية الفلسطينية (الفرنسية)

تسلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون  جائزة اللورد جاكوبوفيتش السنوية من مؤتمر الحاخامات الأوروبيين (CER) والتي تُمنح لرؤساء دول وحكومات أوروبية يحاربون معاداة السامية ويدافعون عن حرية ممارسة الديانة اليهودية. وافق حفل تسليم الجائزة مساء 7 ديسمبر/كانون الأول، إضاءة شمعة عيد الأنوار اليهودي (الحانوكا) في قاعة الاستقبال بقصر الإليزيه تخليدا لذكرى الإسرائيليين الذين قُتلوا خلال عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم. ومن سخريات التناقضات الفرنسية أن الاحتفال بالحانوكا في القصر الرئاسي سبق بيومين ذكرى اليوم الوطني للعلمانية الذي وافق 9 ديسمبر/كانون الأول، فيما تعالت أصوات فرنسية معارضة تندد بتناقض ماكرون، فرد عليها بأن تقديمه لفتة دينية أو المشاركة في احتفال لا يعني عدم احترام العلمانية.

وكان ماكرون قد آثار جدلا مشابها في البلاد بحضوره قداسا أقامه البابا فرانشيسكو في 23 سبتمبر/أيلول الماضي في مرسيليا، حيث اتهمه النائب عن "حزب فرنسا الأبية" باستيان لاشو  بأنه يسخر من العلمانية ويدوس على مبادئها، ويسخر من الفصل بين الدين والدولة، ومن حياد الدولة تجاه الأديان رغم أن حكومته باسم هذه المبادئ نفسها، منعت ارتداء العباءة في المدارس.

فرنسا وبذريعة العلمانية والدفاع عنها، منعت الحجاب في مدارسها منذ 2004، ولم تكتف بذلك بل عادت وحظرت لبس العباءة على الطالبات في سبتمبر/أيلول الماضي قبيل العام الدراسي الجديد، ومنعت الممارسات الدينية في الجامعات في ربيع 2021. وفي يونيو/حزيران الماضي، نشر كريستيان إستروزي عمدة مدينة نيس بيانا في منصات التواصل الاجتماعي، قال فيه إنه تلقى معلومات من مفتش أكاديمية المدينة بوجود أفعال خطيرة تمثلت في قيام عدد من التلاميذ المسلمين بالصلاة في فناء مدارس ابتدائية في المدينة خلال فترة راحتهم، فيما وصف وزير التعليم الفرنسي باب ندياي الصلاة في المدارس بـالأمر الخطير الذي لا يطاق، لأنه هجوم على العلمانية التي تحكم فرنسا، بحسب زعمه.

ماكرون الذي تسلم جائزة اللورد جاكوبوفيتش لدفاعه عن حرية ممارسة الديانة اليهودية، هو من دفع بمشروع "مبادئ تعزيز احترام قيم الجمهورية"، والذي أقره البرلمان الفرنسي في 23 يوليو/تموز 2021 وجرى التعريف به في بداية الأمر باسم "مكافحة الإسلام الانفصالي"، وهو قانون يستهدف المسلمين بشكل خاص ويضيق عليهم، ويكاد يفرض قيودا على كافة مناحي حياتهم، وينصّ على فرض رقابة على المساجد والجمعيات المسؤولة عن إدارتها، ومراقبة تمويل المنظمات المدنية التابعة للمسلمين، كما يضع قيودا على حرية تقديم الأسر التعليم لأطفالها في المنازل.

ازدواجية المعايير في تعامل فرنسا مع قضايا الإسلام والمسلمين فاقعة وفجة، ولا يحتاج إثباتها إلى كثير جهد أو عميق بحث. ففي فرنسا -التي تجرّم معاداة السامية- يدعم رئيسها ماكرون وبعنجهية التطاول والاستهزاء على الرسول صلى الله عليه وسلم بذريعة حرية التعبير، ثم يقدم بعدها شكوى على مالك لوحة إعلانات فرنسي -يدعى ميشال فلوري- لأنه صور ماكرون في أغسطس/آب 2021 على أنه هتلر ، احتجاجاً على قيود فيروس كورونا في البلاد. فلوري سخر من ماكرون قائلا إنه دافع عن الرسوم المسيئة للرسول باعتبارها حرية تعبير، لكنه قاضاه بسبب صوره الساخرة.

منذ بدء عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول، انحاز الموقف الرسمي الفرنسي إلى جانب إسرائيل بشكل متطرف، متبنيا الدعاية الأميركية التي تزعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. وأعلن الرئيس الفرنسي استنكاره بشدة الهجمات على إسرائيل ووصفها بالإرهابية، وعبّر ماكرون عن تضامنه الكامل مع الضحايا وعائلاتهم والمقربين منهم، مغردا بالفرنسية والإنجليزية والعبرية على منصة إكس. وحين زار إسرائيل بعد أسبوعين من طوفان الأقصى ليتضامن معها، اقترح تشكيل تحالف دولي ضد حماس، على غرار التحالف ضد "داعش" (تنظيم الدولة الإسلامية) في العراق وسوريا.

تقف فرنسا داعمة وبحزم للأقليات في منطقة الشرق الأوسط، فلقد دعت إلى اجتماع في مجلس الأمن في 27 مارس/آذار 2015 لبحث وضع الأقليات في الشرق الأوسط، وبعدها عُقد بباريس في سبتمبر/أيلول من العام نفسه مؤتمر حول الأقليات المضطهدة في الشرق الأوسط من قبل جماعات متطرفة من بينها تنظيم داعش، حضره نحو ستين دولة ومنظمات عديدة لدعم الأقليات وحمايتها.

فرنسا التي تدعم الأقليات في الشرق وتدعو لحمايتهم ولحقهم في التمثيل السياسي ويعلن رئيسها ماكرون "العلماني" مؤخرا عن مضاعفة المبالغ المالية المرصودة لمساعدة المدارس المسيحية في الشرق الأوسط، تضيّق على مسلميها وتضطدهم بشكل كبير ومبالغ فيه وتتدخل في حياتهم الخاصة وتتحكم في شؤونهم الدينية. الأقلية المسلمة في فرنسا والتي تشكل نحو 10% من السكان مهمشة، فلا تكاد تجد للمسلمين الفرنسيين من تمثيل في البرلمان، وحتى ما قبل تشريع "مبادئ تعزيز احترام قيم الجمهورية" وغيره من القوانين التي تستهدفهم.

كان الفرنسيون من أصول عربية وإسلامية يشعرون ومن عقود بالتهميش والقمع. ففي خريف 2005 اندلعت أحداث شغب عنيفة وصدامات بين الشرطة وشباب من أصول مهاجرة، فجرتها سياسات غير معلنة من التمييز والعنصرية والتي زاد أوارها وصف وزير الداخلية وقتها نيكولا ساركوزي لهم بالرعاع والحثالة.

الشعور بالاضطهاد والمعاملة الدونية للفرنسيين من أصول مهاجرة تُشكل وبشكل مستمر احتقانا كامنا في النفوس ينتظر شرارة لينفجر، وهو ما جرى في الصيف الماضي حين قتلت الشرطة الفرنسية فتى من أصول جزائرية بذريعة رفضه التوقف لهم حين طُلب منه ذلك، الأمر الذي أشعل فتيل أعمال عنف وتخريب وصدامات عنيفة بين الشرطة وجموع غاضبة من الشباب من أصول مهاجرة، والذين يشعرون أنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثالثة.

تاريخ فرنسا الاستعماري شديد الدموية والبطش، خصوصا في الجزائر وما فعلته من قتل وتنكيل واغتصاب وحرق لمدن وقرى، حتى بلغ عدد شهداء الجزائر على يديها نحو 6 ملايين بحسب بعض التقديرات. هذا التاريخ الدموي لم يمنع من فرنسا من تصفية خلافاتها السياسية مع تركيا أوردغان من نحو عقد ونيف من خلال إقرار قانون  يجرّم من ينكر "إبادة الأرمن"، رغم أن تركيا تكرر مطالبتها بتحقيق دولي في مسألة الأرمن وتقول إن لديها وثائق تفند مزاعم الإبادة.

لا بل أكثر من ذلك، فإن دور فرنسا في رواندا في التاريخ الحديث كان إجراميا ودمويا بائسا، ففي شهادة له أمام لجنة شكلتها رواندا عام 2006 حول عمليات الإبادة التي تعرض لها 800 ألف شخص عام 1994، قال جاك بيهوزاغارا الذي شغل منصب سفير رواندا في باريس إن فرنسا أرسلت جنودا وأسلحة ودربت القتلة وأقامت الحواجز لتسهيل مهمتهم بإبادة التوتسي، ثم سعت لحمايتهم فيما بعد عندما كانت تقود البعثة التي أرسلتها الأمم المتحدة وأطلق عليها عملية توركواز.

الرئيس الفرنسي ماكرون الذي يعاني وبلاده من أزمات سياسية وأخلاقية وتشريعية وقانونية، وضمن سياق طويل من تجاوزاته وإساءاته المتواصلة بحق الإسلام والمسلمين، زعم في خطاب له في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2020، أن الإسلام يعيش اليوم في أزمة في كل مكان بالعالم الإسلامي. وكنموذج من الأزمات التي تعصف في فرنسا ومثال عليها، كشفت اللجنة المستقلة حول زنا المحارم والعنف الجنسي الممارس على الأطفال في البلاد، والتي أنشئت في 2021، عن أرقام كبيرة وصادمة، مشيرة إلى تعرّض نحو 160 ألف طفل لاعتداء زنا محارم سنويا، وأن هناك نحو 5.5 ملايين ضحية بالبلاد، وأن أغلبية الضحايا من الإناث (9 من أصل عشرة)، وواحدة من أصل 4 ضحايا تعرّضت للاعتداء الجنسي وعمرها كان دون 5 سنوات. فمن الذي يعيش الأزمة، فرنسا أم الإسلام؟ وهل محاربة القيم الإسلامية من عفة وحجاب وقيم أسرية يضيف لأزمات فرنسا الأخلاقية بعدا جديدا، إضافة إلى عنصريتها واختلال موازينها، مع تاريخها الاستعمار المتوحش والدموي؟

المصدر : الجزيرة