الآثار والاحتلال.. السلطة الفلسطينية تتسلم قطعة آشورية تم تهريبها إلى أميركا

تسلم وزارة السياحة والآثار الفلسطينية قطعة أثرية نادرة تم تهريبها إلى الولايات المتحدة. (وزارة السياحة والآثار الفلسطينية)
وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تتسلم قطعة أثرية نادرة تم تهريبها إلى الولايات المتحدة (وزارة السياحة والآثار الفلسطينية)

تسلمت السلطة الفلسطينية، أمس الخميس، من الولايات المتحدة قطعة أثرية نادرة يعود تاريخها إلى نحو 3 آلاف عام، وذلك في سابقة هي الأولى من نوعها للتعاون بين الجانبين في مجال استعادة الآثار المُهربة.

تقول وزيرة السياحة والآثار الفلسطينية رولا معايعة إن القطعة عبارة عن "أداة لمستحضرات التجميل تُستخدم لوضع البخور عليها، تعود للحضارة الأشورية 700-800 قبل الميلاد".

وأضافت "بناء على المعلومات من الجانب الأميركي فإن التحقيقات التي أُجريت أظهرت أن القطعة سُرقت من خربة الكوم في الخليل" مؤكدة أنه من حق الشعب الفلسطيني أن "يسترد التراث المنقول الذي نُهب من فلسطين".

ولم تذكر وزارة السياحة والآثار الفلسطينية مزيدا من التفاصيل حول تاريخ سرقة القطعة الأثرية أو طريقة خروجها من موقعها الأصلي.

وقالت معايعة "فلسطين تجد صعوبة في الوصول إلى المواقع الأثرية وحمايتها بحكم الاحتلال الإسرائيلي وعدم سيطرتها على المعابر والحدود، خاصة الموجودة في مناطق (ج) والتي تشكل نسبة 60% من المواقع والمعالم الأثرية".

ومناطق (ج) أراض فلسطينية تم الاتفاق -خلال اتفاق أوسلو للسلام عام 1993- أن تبقى مؤقتا تحت السيطرة الإسرائيلية لحين التوصل إلى اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين وتل أبيب.

وعلى الجانب الأميركي، وصف رئيس مكتب الشؤون الفلسطينية جورج نول -في بيان- وقائع تسليم القطعة الأثرية التي جرت بمقر وزارة السياحة والآثار في مدينة بيت لحم بأنها "لحظة تاريخية".

وأضاف "القطعة الأثرية الفلسطينية التي قام جهاز الأمن الداخلي التابع للداخلية الأميركية باستعادتها هي واحدة من بين مجموعة من القطع الثقافية العديدة الأخرى المنهوبة من دول أخرى بالشرق الأوسط واليونان وإيطاليا" وتمت إعادتها في احتفالات مماثلة.

وكانت فلسطين قد حصلت على العضوية الكاملة بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2011.

وشارك -في استلام القطعة الأثرية- معايعة ومسؤولون من الوزارة ومن شرطة السياحة والآثار الفلسطينية. أما الوفد الأميركي فضم كلا من نول، الملحق بوزارة الأمن الداخلي دونالد مانيا، مساعد المدعي العام لمقاطعة نيويورك العقيد ماثيو بوغدانوس.

وأكدت معايعة أن "هذه القطعة الأثرية التي جرى تسليمها اليوم مهمة وتكتسب قيمتها العلمية والأثرية الحقيقية في موقعها الأصلي".

من جانبه، قال المدعي العام في مقاطعة نيويورك ألفين براغ "من المستحيل تقدير قيمة الأهمية الثقافية والتاريخية للآثار المنهوبة، وأشكر فريقنا من المحامين والمحققين ذوي الكفاءة الذين يواصلون عملهم المذهل لإعادة هذه القطع إلى مكانها الصحيح".

أما وكيل الوزارة الفلسطيني صالح طوافشة، فقد صرح بأن السلطة الوطنية تعاني من تهريب آلاف القطع الأثرية من الأراضي الفلسطينية بسبب عدم سيطرة الجانب الفلسطيني على المعابر.

الآثار الفلسطينية والاحتلال

ولا تبعد الآثار الفلسطينية عن المعاناة في ظل الاحتلال، حيث تدور تساؤلات حول كيفية جمع إسرائيل مع احتلال الأرض تبديد إرث أهلها الحضاري وتغيير معالم أرضهم وبنيانها وآثارها؟ ولماذا لم تحم القرارات الدولية ولا التسجيل في اليونسكو التراث الفلسطيني؟ وما السر في أن يتقمص المستعمِـر ثقافة المستعمَـر؟ وإلى أين وصلت الجهود الفلسطينية الرسمية والشعبية في الحفاظ على التراث الفلسطيني وتوثيقه؟

وقد بثت حلقة (2019/5/6) من برنامج الجزيرة "للقصة بقية" -في مقدمتها- تقريرا عرضت فيه مظاهر سرقة إسرائيل للتراث الفلسطيني، بما فيه من معالم أثرية (متاحف ومكتبات ودور عبادة) وأكلات شعبية (الشكشوكة والكنافة والفلافل والمقلوبة) وأزياء تراثية (الثوب والكوفية الفلسطينيان والزنار المطرز).

وقدم التقرير بعض الإحصائيات المنشورة بشأن هذه القضية التي اهتمت بها الحركة الصهيونية منذ تأسيسها "جمعية أبحاث أرض إسرائيل" عام 1913 للبحث عن الآثار في فلسطين. وتفيد المعلومات بأن إسرائيل سيطرت على المتحف الوطني بُعيد احتلالها للقدس 1967، ودمرت أو غيرت هوية معظم المتاحف والمكتبات الفلسطينية القديمة. كما تم تهريب نحو مليون قطعة أثرية منذ 1967، بينما تتباهى تل أبيب بعرض قطع أثرية فلسطينية في متاحفها.

استلاب ممنهج

وتعليقا على هذا الموضوع، يقول المؤرخ والباحث وصاحب موسوعة "أطلس فلسطين" سلمان أبو ستة إنه لا توجد في التاريخ أي قوة استعمارية عملت ما فعلته الحركة الصهيونية من استلاب وطمس للتراث والتاريخ الفلسطيني، وذلك لأن هذه الحركة تعيش خارج التاريخ والجغرافيا فتسعى للتعويض عن ذلك بسرقة الأرض ثم العقول واستلاب التاريخ والهوية الفلسطينييْن.

وأضاف أن الإسرائيليين يقولون إن فلسطين "أرض بلا شعب" ليبرروا بذلك احتلالهم لها، لكن الواقع يقول إنهم جاؤوا ليطردوا أهلها من أرضهم ليسكنوها هم، وفي سبيل ذلك اختلقوا فكرة الشعب اليهودي وفكرة أرض إسرائيل اللتين لا وجود لهما. ولذلك فإن إسرائيل تشرعن وجودها بادعاء الأطعمة والأزياء والأماكن الفلسطينية، مشيرا إلى أن هناك 6 آلاف موقع بالضفة تنقب فيها إسرائيل دون وجه قانوني لأنها أماكن محتلة حسب القانون الدولي.

وأكد أبو ستة أن اليونسكو رفضت طلبات تقدمت بها إسرائيل لتسجيل أماكن فلسطينية بوصفها تراثا يهوديا، مثل قضية "تل القاضي" التي حاولت تسجيلها باسمها وفشلت حين نجح الفلسطينيون في الدفاع عن حقهم فيها، ولكن تل أبيب نجحت في قضية تسجيل "كهوف بيت جبرين". وأرجع سبب ذلك إلى أن الطرف العربي أحيانا لا يقدم دلائل كافية تقنع اليونسكو.

وشدد على أنه يقع على الفلسطينيين والعرب جميعا جهد كبير لتحقيق مزيد من التوثيق للتراث الفلسطيني لتلافي طمسه ومواجهة استلابه حضاريا، وأنه يجب أن يغرس في أذهان الأجيال الشابة التعريف بقضية فلسطين تاريخا وجغرافيا وتراثا شعبيا وأثريا، ومواجهة مساعي إزالة تدريس قضية فلسطين من المناهج العربية، خاصة أن نصف الشعب الفلسطيني وُلدوا بعد اتفاق أوسلو 1993 ولم يتعلموا تاريخهم وجغرافيتهم في المدارس بما يكفي.

المصدر : الجزيرة + وكالات