متحف الحلي بالرباط.. يضم الأقدم في التاريخ ويبحر في عوالم الحلي المغربية

الرباط- سجّل المتحف الوطني للحلي في الرباط -الذي افتتح قبل أكثر من أسبوع- إقبالا كبيرا، إذ تجاوز عدد زواره 40 ألفا، أبحر بهم في عوالم الحلي المغربية وتطورها من العصر الحجري إلى اليوم.

/ تشكيلة من الخلالات وهي مشابك تضعها المرأة لتثبيت الثوب على جسدها
تشكيلة من الخلالات وهي مشابك تضعها المرأة لتثبيت الثوب على جسدها (الجزيرة)

أقسام المتحف الخمسة تقدم للزائر نظرة شمولية عن خصائص الحلي المغربية، إذ يعرض "التطور التاريخي للحلي وعملية التصنيع"، و"تاريخ الزي المغربي"، و"حلي الرجال ومستلزمات الخيل"، و"المجوهرات الأمازيغية"، ثم "الخصائص الإقليمية لمراكز الإنتاج الرئيسية للحلي الحضرية".

أدوات صناعة الحلي تعود الى القرنين 19 و20/
أدوات صناعة الحلي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين (الجزيرة)

وتعدّ المجموعة الشخصية من المجوهرات الأمازيغية للملك محمد السادس أبرز ما يقدمه المتحف، وتضمّ حليا متكاملة من مختلف المناطق المغربية.

ترميم وإعادة هيكلة

أقيم المتحف الوطني للحلي في بناية بقصبة لوداية بالرباط، أنشئت في القرن السابع عشر بعهد السلطان العلوي مولاي إسماعيل، وكانت مسكن ابنه مولاي أحمد الذهبي والي جهة الرباط سلا.

وتقول زينب الديوري نائبة محافظة المتحف الوطني للحلي -للجزيرة نت- إن هذه البناية خضعت لعمليات ترميم وإعادة هيكلة قبل فتحها للزوار هذا الشهر، مشيرة إلى أن إقامة المتحف في قصبة لوداية له رمزية كبيرة، خاصة أن هذه القصبة شكلت أول نواة حضرية لمدينة الرباط.

مجموعة من الحلي الحضرية
مجموعة من الحلي الحضرية (الجزيرة)

وتوضح زينب الديوري أن المتحف الوطني للحلي في حلته الجديدة يعرض الحلي المغربية وفق مقاربتين: الأولى مقاربة تاريخية تحقيبية يتعرف الزائر من خلالها على سيرورة تطور الحلي المغربية من فترة ما قبل التاريخ مرورا بالفترتين الرومانية والوسيطية، وفي نفس الوقت يتعرف على تطور الأدوات المستعملة في صناعة الحلي.

أقدم الحلي في العالم

وتعتبر القطع التي عثر عليها بعد حفريات قامت بها في عدد من المناطق بالمملكة أهم القطع المعروضة، وهي تصادف الزائر بمجرد دخوله المتحف.

حلي تعود لفترة ما قبل التاريخ
حلي تعود لفترة ما قبل التاريخ (الجزيرة)

كما يضم المتحف حليا عثر عليها مؤخرا في مغارة بيزمون بالصويرة، وهي عبارة عن أصداف مثقوبة، وتعدّ أقدم الحلي المعروفة في العالم حتى الآن، إذ يعود تاريخها إلى 150 ألف سنة في سياق العصر الحجري القديم الأوسط.

وتشير زينب الديوري إلى أن هذه الحلي تمثل دليلا على وجود سلوك بشري متطور في فترة ما قبل التاريخ، وله رمزية كبيرة.

أما المقاربة الثانية التي اعتمد عليها المتحف في العرض، فهي مونوغرافية (منهج دراسة الحالة)، إذ يتعرف من خلالها الزوار على الحلي الرجالية والنسائية والقروية والحضرية.

وتوضّح الديوري أن الحديث عن الحلي يشمل المجوهرات والأزياء، مثل القفطان الرجالي والنسائي، وأهم مراكز إنتاجه ومميزات كل مركز وخصائصه.

وحاول المتحف تقديم الخصائص الإقليمية للحلي وتغطية أكبر رقعة جغرافية ممكنة، فأعطى فكرة عن الحلي التي تميز كل منطقة، وأبرز أن هذه الحلي ليست فقط عناصر للتزيين بل لها أبعاد ثقافية واجتماعية أيضا.

أدوات صناعة الحلي تعود الى القرنين 19 و20/
أدوات لصناعة الحلي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين (الجزيرة)

ومن أبرز ما يعرض المتحف الوطني للحلي: المجموعة الخاصة بالملك محمد السادس، وتضم تشكيلة واسعة من المجوهرات تجسد إبداع الصناع التقليديين في الشمال والأطلس الصغير والكبير والريف والجنوب الشرقي، وغيرها من المناطق.

ومن بين القطع البارزة ضمن هذه المجموعة -وفق زينب الديوري- الخلالات، والتي تسمى بالأمازيغية "تزرزيت"، بجميع أشكالها وتقنيات تصنيعها، ثم تشكيلة واسعة من الخميسة أو يد فاطمة، وعدد مهم من القلادات من أهمها قلادة العنبر والمرجان.

حلي حضرية وقروية

وتصنف الحلي بالمغرب إلى حضرية وقروية، ولكل نوع خصائصه التي يستمدها من الوسط المحلي والجهوي الذي تصنع فيه.

وتتميز الحلي الحضرية بالدقة العالية في الإنجاز واعتمادها على الذهب مادة أولية في صناعتها، أما الزخارف فاستوحاها الصاغة من أشكال زخرفية ذات أصول أمازيغية وأندلسية.

/ زوار المتحف/
40 ألف زائر في أكثر من أسبوع لمتحف الحلي المغربي (الجزيرة)

وتزيّن هذه الحلي في الغالب بتشكيلات نباتية وهندسية مرصعة بالأحجار الكريمة من ياقوت وزمرد وجواهر وزجاج، مما يضفي على الحلي الحضرية الرونق الذي يميزها، مثل صدرية العروس أو ما يعرف باللبة. وتعد طنجة وتطوان وشفشاون والناظور وفاس ومكناس والرباط وسلا والدار البيضاء ومراكش والصويرة، من بين المدن المركزية لإنتاج حلي المدينة.

ومن بين الحلي التي تتزين بها المرأة في المدن: التاج وطقم مجوهرات الرأس "كالعياشة" و"خيط الريح". وتمثل الأقراط أشكالا متنوعة، منها ما يعرف باسم "المفاتل" و"بخراص كباش" أو "خراص عمارة" والعقود "المنجدة" أو "اللبة" والعقود الصدرية المرصعة بالأحجار الكريمة و"الخلالة" المصنوعة من الذهب والمنقوشة والمرصعة بالأحجار والجواهر، وأخيرا الأساور الذهبية والفضية المسماة "شمس وقمر"، وكذلك "الخلاخل" المزخرفة "بالفتائل".

/ تشكيلة من الخمسات “يد فاطمة” من القرنين 19 و 20 وهي ضمن المجموعة الملكية
تشكيلة من الخمسات (يد فاطمة) من القرنين التاسع عشر والعشرين (الجزيرة)

ولم تكن للحلي قيمة جمالية فحسب، بل كانت المجوهرات بالنسبة لأهل المدن من المدخرات العائلية، لأنها تعدّ استثمارا آمنا.

أما المجوهرات القروية فقد كانت تصنع حصريا من الفضة، وخاصة في محترفات الأطلس الصغير والأطلس الكبير، مثل إيغرم وتيزنيت وإيدا ونديف.

وتكشف هذه المحترفات عن تقنيات تصنيع مختلفة كالفضة المخرمة أو المطلية أو المعززة بالمينا، وأحيانا المزينة بالأحجار شبه الكريمة أو الخرز. وتعتبر الحلية الصدرية القلادة والخلالة والأساور وحلقات الكاحل من بين القطع الرئيسية التي تشكل الزينة القروية.

 

وإذا كانت النساء يحصلن على حلي متنوعة من حيث الأشكال لزينتهن، فإن الحلي الرجالية بالمغرب تنحصر في الخواتم، ومن الملاحظ أن قطعا أخرى كالسبحة وعلب التبغ وكذلك الأسلحة البيضاء والنارية، اكتسبت بعدا جماليا جعل منها حلية رجالية حقيقية.

أدوات صناعة الحلي تعود الى القرنين 19 و20/
أدوات لصناعة الحلي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين (الجزيرة)

ويتيح المتحف الذي افتتح أبوابه مجانا للزوار فرصة التعرف على الأدوات القديمة التي كان يستعملها الصناع التقليديون في صناعة الحلي، وهي على الرغم من بساطتها مكّنتهم من إظهار إبداعهم ومهاراتهم في صناعة حلي تناقلتها الأجيال إرثا ثقافيا ثمينا.

المصدر : الجزيرة