احتفى ببيرم وابن خلدون.. ماذا قدمت القاهرة في عام الثقافة المصرية التونسية؟

القاهرة – منذ إعلان 2022/2021 "عام الثقافة التونسية المصرية" وفعاليات عديدة تتوالى، آخرها كان قبل أيام باختيار دولة تونس ضيفة شرف الدورة الـ38 لمهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي في مصر، وسط نشاط واسع يحتفي برموز تاريخية وثقافية متبادلة بين القاهرة وتونس.

ويطرح السؤال نفسه: ماذا قدمت القاهرة في هذا العام؟ ثم سؤال ثانٍ: هل هناك إمكانية لتطوير مثل هذه الأعوام الثقافية إلى مدى أبعد من مجرد الفعاليات الموسمية، خاصة بين دولتين بارزتين ثقافيا كمصر وتونس؟

الإجابة الرسمية كانت بالتعهد بالتطوير واستمرار التنسيق الثقافي بين البلدين، لكن أكاديميا وأديبا تحدثا للجزيرة نت عن شروط واجبة تقتضي تفعيل الحراك الثقافي بين البلدين، في مقدمتها إعلاء الحريات الثقافية والأصالة الأكاديمية الرصينة، إلى جانب وقف أي تدخل سياسي في هذا الحراك الثقافي بهدف إعادة صياغة البلدين بسياسات ما بعد الربيع العربي والتي لا علاقة لها بالثقافة.

تعهد رسمي

على المستوى الرسمي، كشفت وزيرة الثقافة المصرية السابقة إيناس عبد الدايم في تصريحات رسمية عن أن العام الثقافي المصري التونسي لن يكون "مجرد عام فقط ولكن بداية لعودة العلاقات الثقافية والفنية القوية بين البلدين، وبالتالي ستنتج عن ذلك الكثير من المشاريع الثقافية".

وأوضحت الوزيرة في وقت سابق أنها بعد زيارتها الكثير من المواقع الثقافية في تونس -ومنها دار الكتب والوثائق- اكتشفت وجود تآخٍ بين الدولتين في كثير من المضمون الثقافي، مؤكدة عمق الروابط الثقافية والاجتماعية والتاريخية بين البلدين، خاصة في مجال الفن والثقافة.

فرصة مرهونة

بدروه، يرى الأكاديمي والباحث في تحليل الخطاب واللسانيات ياسر فتحي في حديث خاص للجزيرة نت أن وجود توجه عام لدعم العام الثقافي المصري التونسي يستلزم إيجاد سياسات ملائمة له تقوم على بيئات تتمتع بالحريات الثقافية ودعم الإبداع والأصالة الأكاديمية الرصينة تدعمها إجراءات تنفيذية فعالة لا تقوم على "الشللية" ولا خدمة توجه وقتي خطابي غير مدعوم بسياسات مناسبة.

ويضيف فتحي أن فرصة تطوير الأعوام الثقافية القادمة بين مصر وتونس مرهونة بتحقيق عاملي الحرية الثقافية والأصالة العلمية على الأقل بين المسؤولين والمؤثرين في المجال الثقافي من أجل إثراء الإجراءات وعدم جعلها إجراءات موسمية تركز على نطاق ضيق واتجاه واحد، مما يجعلها مجرد "استيفاء أوراق".

ويرى أن حضور ابن خلدون وبيرم التونسي في العام الثقافي تأكيد جديد على مكانتهما الثقافية الكبيرة في المشهد الثقافي بين البلدين، باعتبارهما أيقونتين ملهمتين ثقافيا، نحن في حاجة إلى الرجوع إلى تراثهم اليوم أكثر من أي وقت آخر وخلق بيئات أكثر حرية ثقافيا تستوعب خروج مبدعين على غرارهما.

الدراسات المقارنة

وفي اتجاه المستقبل يرى أستاذ النقد والدراسات الثقافية والمشرف على المركز العلمي للترجمة في هيئة الكتاب الدكتور حاتم الجوهري أن العام الثقافي المصري التونسي فرصة لقيام مجال بحثي وعلمي جديد متصل بالثقافة هو "الدراسات العربية الثقافية المقارنة".

وأضاف الجوهري في تصريحات سابقة على هامش مؤتمر "المشترك الثقافي بين مصر وتونس.. الواقع والآمال" أن مسار "الدراسات الثقافية" العربية الحالية يتبع أثر مدرسة الدراسات الثقافية الأوروبية التي عمدت لتفجير التناقضات العربية، وبدت كما لو أنها دراسات استعمارية.

تراث مشترك

تاريخيا، للروابط الثقافية بين مصر وتونس عمق مشترك في الماضي والحاضر -حسب مراقبين- يتصدره تاريخيا حضور العلامة الكبير عبد الرحمن بن خلدون (1332 تونس-1406 القاهرة) التونسي المولد والذي أمضى جزءا كبيرا من حياته في مصر، وتولى منصب قاضي القضاة المالكية بالقاهرة، ووضع خلاله مقدمته الشهيرة "مقدمة ابن خلدون".

كما يبرز في المشهد الشاعر المصري الكبير بيرم التونسي (1893-1961) ذو الأصول التونسية، والذي يعد من أشهر شعراء العامية المصرية وقائد تطوير الأغنية المصرية والعربية التي تغنت بها سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

وظهر هذا التآخي الثقافي في مشيخة الأزهر، حيث تولى العلامة الشيخ محمد الخضر (1876-1958 م) التونسي المولد منصب شيخ الأزهر خلال الفترة من 1952 إلى 1954، وكان من الرعيل المؤسس لمجمع اللغة العربية "مجمع الخالدين".

وتتناغم المشاعر المصرية التونسية المشتركة في تراث السير الشعبية، وتشير الكتابات التاريخية إلى هجرة قبائل "بني هلال" و"بني سليم" إلى تونس، وهو ما تولد عنه أثر أدبي ملهم من أقدم السير الشعبية يعرف في تونس بـ"الجازية الهلالية"، وفي مصر بـ"السيرة الهلالية".

وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات في مصر (حكومية)، كانت مصر تمثل المعبر الرئيسي لانتقال حجاج بيت الله الحرام من تونس وبلاد المغرب العربي، وقد ترتب على ذلك تفاعل إنساني وتبادل ثقافي بين هؤلاء الحجاج والشعب المصري.

فنيا، احتضنت القاهرة كذلك العديد من الفنانين والفنانات من تونس، مثل هند صبري ولطيفة ودرة وظافر العابدين، وتشهد المهرجانات الفنية حضورا متبادلا بين نجوم البلدين.

ولا يزال شعار "الإجابة تونس" حاضرا في الطرح الثقافي بين البلدين وفق مراقبين، خاصة في صفوف الداعمين لثورة الياسمين وثورة 25 يناير/كانون الثاني بمصر اللتين أفرزتا أيقونتين قريبتين من حيث الظروف والثقافة هما الشابان الراحلان خالد سعيد ومحمد بوعزيزي.

فعاليات متعددة

هذه الروابط الثقافية استدعت إطلاق عام ثقافي تونسي لاستعادة العلاقات الثقافية من جديد، بحسب ما جاء في إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس التونسي قيس سعيّد اختيار عام 2021-2022 عاما للثقافة المصرية التونسية في أبريل/نيسان من العام الماضي.

ودشن الجانب المصري أولى فعاليات العام الثقافي بحضور سعيّد نفسه في أمسية فنية مصرية تونسية كفعالية استقبال وتدشين في دار الأوبرا المصرية، والتي أحياها المطرب التونسي لطفي بوشناق والمطربة المصرية ريهام عبد الحكيم، والتي وصفها الرئيس التونسي "بأنها فعالية رمزية لانصهار الثقافتين المصرية والتونسية معا وعمق العلاقات الثقافية بين مصر وتونس".

وتنوعت الفعاليات بعدها في مصر، ومن بينها إطلاق وزارة الثقافة المصرية في 7 سبتمبر/أيلول 2021 مسابقة بحثية عن "ابن خلدون" ليشارك فيها باحثو البلدين حول الواقع العربي في كتابات ابن خلدون والفكر الاستشرافي في فلسفته وتأثيره في تأسيس علم الاجتماع وامتداد فكره إلى الغرب.

وشاركت مصر في فعاليات الدورة الـ36 لمعرض تونس الدولي للكتاب التي انطلقت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، فيما كانت ضيفة الشرف في مهرجان أيام قرطاج المسرحي في العام ذاته.

وفي مارس/آذار 2022 عقد المجلس الأعلى للثقافة بمصر احتفالية تكريم للشاعر الكبير الراحل بيرم التونسي عبر الإنترنت لظروف جائحة كورونا، وذلك بمشاركة رموز ثقافية تونسية مصرية، منهم الشاعر أحمد سويلم (مصر)، والجليدي العويني (تونس)، وفق بيانات رسمية.

وفي أبريل/نيسان الماضي شارك المجتمع المدني عبر حزب التجمع اليساري في العام الثقافي المصري التونسي بمؤتمر حمل عنوان "المشترك الثقافي بين مصر وتونس.. الواقع والآمال".

ودعا المؤتمر في توصياته إلى إنشاء كراسٍ علمية وتخصصات أكاديمية لمدرسة "الدراسات العربية الثقافية المقارنة"، وتبادل المنجز المعرفي بين الدول العربية، مما يمهد الطريق لإجراء المقارنات والخروج بالمشتركات.

وفي مايو/أيار الماضي شارك وفد مصري في عدد من الفعاليات الفنية والثقافية في تونس بحضور رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي.

وفي إطار الفعاليات أعلن مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط قبل أيام اختيار تونس "ضيفة شرف" الدورة الـ38 للمهرجان، والتي ستعقد في الفترة من 5 إلى 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وتضم أجندة العام الثقافي -وفق بيانات رسمية- اقتراحات بتنفيذ معارض مشتركة في الحرف التقليدية والتراثية والمشغولات اليدوية وتبادل الخبرات في مجال المكتبات والرقمنة وترميم اللوحات والوثائق التاريخية والسينما.

وفي الإطار نفسه، جرت مباحثات رسمية حول تفعيل التعاون بين المجلس الأعلى للتراث المصري والمعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية في تونس، والاتفاق على تنفيذ توأمة بين دار الكتب الوطنية التونسية ومكتبة الإسكندرية.

المصدر : الجزيرة + الصحافة التونسية + الصحافة المصرية