رواية "مزار الدبّ" لميشيل كيلو.. معالجة ظواهر السلطوية والشمولية بالسرد الرمزي

يفكك ميشيل كيلو سرديا شخصية الدكتاتور المتمثلة بالهادي حمدان الأبرص، لتبدو أمام القارئ جلية بحيلها وأدواتها المختلفة، حيث لم يكن الدين بالنسبة لهادي سوى ستار سميك يخفي وراءه جشعه ومطامعه، وعندما تناقضت مبادئ العقيدة مع مصالحه تخلى عنها.

غلاف مزار الدب
رواية "مزار الدبّ" صدرت عن دار الجديد للكاتب المعارض السوري الراحل ميشيل كيلو (الجزيرة)

في 6 أيام، تسلّطت قوة قاهرة على عالم قرية صغيرة، فصنعت حياة جديدة لن تتخلص "مزار الدبّ" منها ومن الظواهر الغريبة التي واكبتها، وحوّلت قرية كانت فيما مضى مزارا للدببة إلى مقر لشياطين لا يعرف نوعها وعددها سوى الله وحده، الذي ما عاد أهالي المزار يدرجون أنفسهم في عداد عباده الصالحين.

في تلك الأيام الستة، ولدَ "مزار الدب" أو المكان المتخيل الذي ابتدعه الكاتب والمعارض السوري الراحل ميشيل كيلو (1940-2021) ليكون حاضنا لأحداث روايته، التي حملت ذات العنوان وصدرت حديثا عن دار الجديد في بيروت بعد مضي عام على وفاته.

وتدور أحداث الرواية (208 صفحات من القطع المتوسط) حول حياة مجموعة من القرويين في مزار متخيل يسمى "مزار الدب"، بعد أن حلت عليه وعلى سكانه لعنة نسيان جعلتهم يفقدون كل إرث ثقافي سابق.

وليس بعيدا عن مدارات فكر الراحل تدور موضوعات الرواية، فيعالج كيلو -عبر 4 فصول- نشأة المجتمع والسلطة وعلاقتهما بالدين والإنسان بشكل عام، وأثر السحر والغواية والشعوذة على البشر، ليخلص إلى مجموعة من الاستنتاجات والآراء التي تتكفل شخوصه بنقلها إلى القارئ في نهاية العمل.

وكانت الرواية لسنوات رهن الضياع، قبل أن تعثر عليها شذا كيلو -ابنة الراحل- "بطريقة ما" في دمشق، بعد أن سئمت ووالدها من البحث عنها خلال سنوات، كما تقول في حديثها للجزيرة نت.

رواية "مزار الدب" صدرت عن دار الجديد للكاتب والمعارض السوري الراحل ميشيل كيلو (الفرنسية)

اختفاء كلثوم وولادة الشمولية

تنفتح رواية مزار الدبّ على حدث اختفاء "كلثوم"، تلك الفتاة التي تروي عجائز المزار قصصا عديدة عن فائق حسنها وحيويتها وجمالها الذي جعل عشرات الرجال يقعون في عشقها.

اختفاء جعل أهل المزار في حيرة من أمرهم، ثم في ذعر من أن تختفي من كانت تزرع الابتسامة وتحمل الأمل للمزار بنشاطها وجمالها، فطفقوا يبحثون عنها في كل مكان "فتسلقوا أعلى المرتفعات ودحرجوا حجارة النار إلى وديان سحيقة لم يتمكنوا من الوصول إليها"، غير أنهم لم يجدوها، و"قرَّبَهُم بحثهم ذاك من الجنون وجعلهم ينسون أولادهم ونساءهم وفتياتهم".

وبعد فقدان أهل المزار الأمل في العثور على كلثوم، انقلب المزار رأسا على عقب، فانتشرت -على مدى أسبوع- جميع أنواع الحيوانات من الأفاعي والثعالب والدببة، ودخلت البيوت والإسطبلات وهاجمت حيوانات أهل المزار، فبكت النسوة واستعاذ الرجال مذعورين ووجلين مما يحدث.

ومع انقضاء الأسبوع الذي وصفه أهل المزار "بالغامض"، ظهر عمود أسود يصل السماء بالأرض وتخرج منه نار مهلكة تطال الأخضر واليابس، لكن الشيخ حمدان الأبرص قد تصدى له وحرف مساره عن المزار ليضرب قرية مجاورة.

وما هي إلا أسابيع حتى يعلن الشيخ حمدان أنه تمكن من إيجاد كلثوم، وأنه سيتزوجها، وفي يوم العرس يحضر أهل المزار ويروون أعاجيب الشيخ، حيث كان "أولاد ملائكة الجان يخدمون في عرسه".

ومع نهاية العرس، يعلن الشيخ أن مزار الدب سيتغير إلى الأبد، وأن كل ما يملكه ووالده سيصبح من نصيب الجميع ويمكنهم مدّ يدهم إليه متى شاؤوا، في حين أن كل ما يملكه أهل المزار صار للشيخ حمدان الذي بدوره سيأخذ منه ما يشاء.

وعلى هذا النحو، أقام الشيخ نظام حياة للمزار تنتهي فيه الخصوصية والملكية ويكون فيه كل شيء أقرب للمشاع، ولا ضمانات سوى مجلس يعيّن حمدان أعضاؤه بنفسه ويوليهم شؤون العباد بما في ذلك تلك الأكثر خصوصية منها، كالزواج والطلاق.

وربما أراد ميشيل كيلو أن يختزل بهذه البداية الفانتازية (الخيالية) للرواية -بشخوصها وأحداثها الرمزية- تاريخ نشأة الأنظمة الشمولية، التي تعتمد على جهل الأمم وتعلقها المبالغ به بالخرافات وما تنطوي عليه من مخافة وذعر من المجهول وعدم قدرة على تفسير خوارق الطبيعية.

صمم الروائي شخوصه والأحداث لتخدم تلك الفكرة، فكان حمدان الأبرص أشبه بالقائد المبجَّل الكلّي المعرفة والقادر في لحظة ما على درء الأخطار وحماية الجماعة كما فعل حين أبعد عامود النار عن المزار، بينما كانت كلثوم بمثابة الجمال الفطري الذي يبعث على الطمأنينة ويشير إلى سلامة المجتمع الحر القادر على تجاوز الجسد ومفاتنه، والطمع بالحصول عليه أو بما يحيل عليه رمزيا من ماديات، لكي يحافظ على الحرية والعيش الكريم في ظل العدالة الاجتماعية.

في حين تحيلنا نهاية الفصل الأول إلى تمكّن حمدان -بما يمثله من رمز للتسلّط والاستحكام بالناس وأرزاقهم- من السيطرة على الفطرة السليمة، وكذلك استعمال الجميلة (كلثوم) إلى جانب القوّة الخفية لسحره لتقويض الحرية في المجتمع وإنشاء نظام دكتاتوري شمولي يمكِّنه من الاستيلاء على الأملاك والتحكم بمصائر البشر في المزار.

السلطوية وأدواتها ومصير الدكتاتور

وعبر 3 فصول لاحقة، يعالج كيلو علاقة الأديان والعقائد بالسلطة، فسرعان ما يتغير اسم الشيخ حمدان الأبرص إلى "الهادي"، ويصبح أهل المزار جميعهم في عهدته أمام أنفسهم وأمام الله، فلا يطيعون أحدا غيره ولا يأتمرون إلا بأمره أو بأمر من عيّنهم الهادي في المجلس لهذا الغرض.

ولما كان نظام الحياة الجديد الذي اقترحه الهادي في عرسه على أهل المزار يقوم على "العدل والمساواة والحب"، فقد أصبح -مع سير الأحداث- يقوم على طاعة الهادي فحسب. وعندما دبّ الخلاف بين شخصين من أهل المزار على أولوية طاعة الهادي أو الإيمان بدعوته كما جاءت في الأصل، ما كان من الهادي إلا أن قرّع المؤمن وصرخ بوجهه مؤكدا أن طاعته أهم من الإيمان، وأن عصيان المؤمن لأوامره أشد ضررا من انصياع الكافر لدعوته.

وحين كانت زراعة التبغ من المحرمات عند أهل المزار وفي أصل دعوة الهادي، واقتضت مصلحته أن تتم زراعة التبغ، حلّل الأمر للمزارعين، بل دفع "صفيّه" -وهو نايف المفزلك- ليأمر المجلس والمزارعين بنفسه بزراعة التبغ التي كانت في بادئ الأمر "زراعة شيطانية".

وكان ما يزيد من قلق أهل المزار أن "هاديهم يأمرهم بتجاهل ونسيان الأسس التي ارتكزت عليها حياة آبائهم وأجدادهم، دون أن يدلهم في الوقت نفسه على أسس يحلونها محلها، فإذا هم كسفينة فقدت دفتها وتمزقت أشرعتها واتجهت بقوة لا تقاوم نحو صخور الشاطئ المدببة حيث هلاكها".

وعلى هذا النحو، يفكك ميشيل كيلو سرديا شخصية الدكتاتور المتمثلة بالهادي حمدان الأبرص، لتبدو أمام القارئ جلية بحيلها وأدواتها المختلفة، حيث لم يكن الدين بالنسبة للهادي سوى ستار سميك يخفي وراءه جشعه ومطامعه، وعندما تناقضت مبادئ العقيدة مع مصالحه تخلى عنها.

ولكن كمصير أي دكتاتور جشع كان مصير الهادي، حيث استيقظ أهل المزار في يوم ولم يتذكروا شيئا عنه أو عن تلك المرحلة، ولم ينصتوا لخطبة صفي الهادي "نايف المفزلك" الذي كان ما يزال وبعض أعضاء المجلس يتذكرون مرحلة حكم الهادي.

وبقي نايف المفزلك وحيداً إلى آخر صفحات الرواية، يواجه مخاوفه وهواجسه الكثيرة حول هاديه الذي لم يعد موجودا إلا في عقله، ليؤكد كيلو بتلك النهاية على أن الدكتاتور لا يعيش إلا في عقل من يقدم له الطاعة العمياء، وأن مصير الشعوب التحرر من طُغاتها مهما طال أمد بقائهم.

وكتب كيلو رواية مزار الدب بين مارس/آذار 1988 وديسمبر/كانون الأول 1990 في العاصمة الفرنسية باريس، ونشرت الرواية مؤخرا بعد أن وجدت شذا كيلو -ابنة الراحل- مخطوطتها.

وتقول شذا عن هذه الحادثة للجزيرة نت "كان فقدان الرواية حسرة كبيرة في قلب والدي، وحاولت كما حاول هو خلال حياته الاتصال بعدد كبير من أصدقائه علّنا نجد المخطوط عند أحدهم، لكن للأسف كان الجواب سلبيا دائما".

وتضيف "كذلك بحثنا عنها كثيرا بين الأوراق وفي الحاسوب وكان ذلك دون جدوى، ولكن بعد وفاة الوالد حصلت عليها بطريقة ما من الشام".

المصدر : الجزيرة