المسلمون في كيرالا.. مساجد على سواحل الهند منذ فجر الإسلام

"كانت المرة الأولى التي سمعتُ فيها عن الإسلام في الهند، وعن مدينة كاليكوت تحديدا، هي عندما قرأت كتاب الرحلة لابن بطوطة، الذي أقام بكاليكوت عدة مرات خلال القرن الـ14، وكتب عن الحياة الاجتماعية فيها وعلاقات الاحترام المتبادل، التي تريط المسلمين بالهندوس".
ذلكم كلام المخرج وكاتب السيناريو المغربي مصطفى بوعزازي، وقد قرر السير على خطى ابن بلده الرحالة ابن بطوطة، وزيارة ولاية كيرالا جنوب الهند، التي تسمى مابيلاس، للتعرف على حياة وثقافة المسلمين فيها.
ثم سجل رحلته تلك في فلم شائق، أنتجته قناة الجزيرة الوثائقية، وبثته تحت عنوان "رحلة لبلاد المابيلاس.. الهنود المسلمون في ولاية كيرالا".
خمس سكان كيرالا
وصل الإسلام إلى كيرالا بعد ظهوره في بلاد العرب بوقت وجيز، عن طريق التجار العرب، وكانوا يسافرون إلى شواطئ كيرالا حتى قبل ظهور الإسلام، وانتشر فيها بطريقة سلمية وتدريجية، مختلفة عن ظهوره في شمال الهند.
يتبع مسلمو كيرالا المذهب الشافعي، وفيها حركات ومدارس فكرية كثيرة، فبعضهم ممن يزور الأضرحة والمساجد، وبعضهم وهابيون ينكرون عليهم ذلك، وفيها الجماعة الإسلامية المنظمة تنظيما جيدا، وهي تنشر الوعي بين الناس، وتشارك في العمل الاجتماعي التطوعي، وفيها الرابطة الإسلامية، وهي الحزب السياسي المشارك في الحكومة الحالية.

يمثل المسلمون في كيرالا خُمس السكان، ويعيشون بتوازن، وهي -على عكس شمال الهند- لم تشهد مشاكل حقيقية بين المسلمين والهندوس، كما أن فيها ديانات عدة، الهندوسية والإسلام والمسيحية، وكان فيها اليهود سابقا، ويشكلون جميعا مزيجا متوازنا، طبعته تجاذبات التاريخ والجغرافيا، وجعلت الولاية فضاء فريدا للاحترام المتبادل والتعايش السلمي.
كانت المسيحية قد انتشرت في كيرالا منذ زمن قديم، ويعود ذلك للقرن الأول أو الثاني الميلادي، وفيها أقدم كنيسة في البلاد، وأغلب أبنائها من الكاثوليك السريان، ويمارسون طقوسهم بالسريانية، وفيها أقلية من البروتستانت. ويتحدث المسلمون والمسيحيون لغة "الملايالام"، فتختلف الديانات وتلتقي الثقافات.
أخشاب الوحل المالح
على ضفاف نهر كالاي -الذي يقع جنوب حي المسلمين في كيبورام- ركام من الخشب وورشات نجارة، تشهد على ما كان في المنطقة من نشاط وازدهار، لكن ذلك كان منذ أمد بعيد، عندما كانت كوزيكود (كاليكوت قديما) مركزا دوليا لتجارة الخشب الثمين، ويقال إنها كانت الأولى في آسيا كلها.
تأتي هذه السمعة الطيبة من غابات كيرالا، التي تأتيها بالخشب الثمين، وكذلك بفضل الطريقة الفريدة المستعملة في معالجة الخشب، فقد كان يترك سنوات في المياه الوحلية المالحة بنهر كالاي، وكان أهم زبائن هذا الخشب هم بناة السفن التجارية.

وفي بيكور، وعند منبع نهر شاليار، الذي يصب في بحر العرب، ما زالت آخر ورشات البناء العتيقة للسفن التجارية موجودة، وكان بناؤها وتصديرها إلى الشرق الأوسط قد أثرى الأسر الكبيرة التي تخصصت في البناء ثراء فاحشا، فقد كانت في عدة قرون وسيلة أساسية لنقل سلع التجار العرب، بين الجزيرة العربية وساحل مالابار.
صناعة السفن التجارية
يقول صانع السفن "نارايانان": أعمل منذ 40 سنة في هذا المجال، وأتعامل مع عائلات عربية شهيرة، من قطر والكويت والبحرين ودبي، يرسلون طلباتهم إلينا، وقد بعتهم أكثر من 20 سفينة في السنوات الماضية، وكان يعمل لديّ أكثر من 2000 عامل أيام الازدهار تلك، لكن ذلك لم يعد موجودا اليوم.

في هذه الأيام، يستغرق بناء السفينة 14-16 شهرا، ويحتاج 30 نجارا محترفا، وفيما مضى كان يعمل في الورشة الواحدة 1500 عامل على الأقل، ينتجون سفينة كل شهر، ففي هذه المنطقة حرفيون جيدون ومواد خام متوفرة، الأمر الذي منح بايبور وكوزيكود سمعة طيبة في بناء السفن.
وما زال الطلب على السفن السياحية قائما، أما سفن نقل البضائع فقد ولّى زمنها، فلها معامل حديثة ومواد متطورة ومختلفة، ولم تعد الورشات العتيقة قادرة على المنافسة.
مذاق كيرالا وعبقها
تدعى كيرالا أرض شجرة جوز الهند، وما تزال أسواق كثيرة تعقد في كوزيكود لبيع حبة جوز الهند، وكانت قديما معروفة ببيع جوز الهند والزنجبيل والفلفل والبهارات الأخرى، أما اليوم فالمنافسة مع ولايات أخرى قائمة على أشدّها، فلديها نفس المنتجات، وأيدٍ عاملة كثيرة، أما كيرالا فقد هجرتها الأيدي الماهرة إلى دول الخليج، لتحسين دخلها.

تعمر شجرة جوز الهند أكثر من 100 عام، وتستفيد منها أجيال كثيرة، وتكاد تزرع في كل بيوت كيرالا، ويستخرج منها زيت جوز الهند الذي يدخل في قطاعات شتى؛ منزلية وغذائية وطبية وتجميلية.
وفي زمن ابن بطوطة، كان الفلفل الأسود الذي تنتجه كيرالا أثمن من الذهب، ومع أن سعره تردى اليوم كثيرا، فإنه ما زال يمنح كيرالا مذاقها وعبقها.
عادات الزواج
يفتخر أهل كيرالا على غيرهم من مناطق الهند الأخرى -ولا سيما في الشمال- بوحدتهم الوطنية، وتعاون المسلمين والهندوس والمسيحيين في شؤون حياتهم عامة، ويحتفلون معا في مناسباتهم الدينية، ولهم عطلات رسمية مدفوعة الأجر في الأعياد الدينية لطوائفهم كافة.
في حي "تيكهي بورام" ذي الأغلبية المسلمة، سيقام حفل زفاف الشاب ياسر عرفات، وقد سمّاه أبوه تيمنا بالزعيم الفلسطيني المعروف، وهو محاسب في سلطنة عمان، وسيتيح لنا هذا الحفل التعرف على عادات المسلمين وتقاليدهم، في هذه المناسبات الاجتماعية الهامة.

يقول د. أصغر علي، من معهد الدراسات الإسلامية في مومباي: لا وجود للتقاليد الأميسية إلا بساحل مالابار، لكنها آيلة للانقراض، وتحتفل بها الأعراق المحلية كافة، فعندما يتفق الشريكان على الزواج، يزور الزوج امرأته ويبيت معها في بيتها، ولا يأخذها لمنزله.
لكن هذه العادات بدأت تتلاشى، وحلت مكانها الممارسات الأميسية، فصار الزوجان يعيشان معا، إما مستقلين أو في بيت أحد والديهما.
اقتصاد ينعشه المغتربون
في دروب تيكهي بورام الضيقة، ما زالت المنازل الفخمة الكبيرة شاهدة على غنى العائلات المسلمة، التي سكنتها من تجار كوزيكود، وبعض هذه العائلات ذات أصول عربية؛ من اليمن وعمان والعراق، وتبدو القرية اليوم خالية بسبب هجرة الأجيال الشابة.
وقد ظهرت في المدينة منازل جميلة وحديثة، وهو مظهر من مظاهر الاغتناء المستورد، فما من عائلة كيرالية إلا لها مغترب يعمل في الخارج، واقتصادها قائم على العملات الصعبة التي يحولها أبناؤها المغتربون، ويحلم معظم الشباب بحياة رغيدة مستقرة في وطنهم، بعد رحلة اغتراب تدوم 10-20 عاما في إحدى دول الخليج أو غيرها.

والتحصيل الدراسي شرط مهم للعمل في الخارج، لذا تهتم جمعيات إسلامية بتقديم التعليم والمأكل والسكن والرعاية الصحية لليتامى، بغض النظر عن ديانتهم، ففي جمعية سياسكو للتعليم التقني مثلا 60% من الطلاب غير المسلمين.
تنال الجمعية تمويلا كثيرا من هبات العاملين في الخليج من أبناء كيرالا، ومن أغنياء الولاية، فأصبحت الأولى على مستوى الهند في خدمات التعليم ومكافحة الأمية بمعدل يفوق 91%، والمستوى الوطني لا يتعدى 64%.
استعراض المسلمين والهندوس
تشتهر كيرالا بمعابدها القديمة، التي بنيت منذ مئات السنين، وتظهر فيها فنون استخدام الخشب بأشكاله في البناء والزخرفة، وخير دليل على ذلك مسجد ميسكال، الذي بناه التاجر "ميسكال ناهودا" في القرن الـ14، وقد ذكره ابن بطوطة في كتابه "الرحلة".
وتعد رقصة كولكاتي رقصة إسلامية تقليدية، وهي الأكثر شعبية في كيرالا، وتلامس موضوعات دينية بلغة دارجة، تختلط فيها الكلمات العربية باللغة المحلية، وتتسارع فيها وتيرة الرقص والغناء في تناغم تام.

وفي الأعياد يستعد المسلمون والهندوس للاستعراض في طرقات المدينة، للاحتفال بترميم معالمهم الدينية، وتنطلق كل طائفة من نقطة ما، ثم يلتقيان في نقطة واحدة وسط المدينة، وينتهي الاحتفال الجماعي لتجسيد وحدتهم الوطنية، فهنا تتفق الطوائف جميعها في ثقافة المأكل والملبس واللغة.
وحين تغيب الشمس على شواطئ مالابار مودعة الأطفال والنساء والرجال، تعدهم بيوم جميل آخر، ولكنهم يمكثون على الرمال الذهبية لا يغادرون، ترى ماذا ينتظرون؟ أينتظرون سفينة تحمل لهم الأحباب من بلاد الاغتراب؟ أم صندوقَ بريد يحمل لهم رسائل الشوق من الأهل والأصحاب؟
مهما يكن، فأجواء السكينة تخيم على هذه القرى الوادعة، وتغني لهم أناشيد الحب وترانيم السلام.
