لماذا يلجأ بعض الشعراء العراقيين إلى الصعلكة؟

ظاهرة الشعراء الصعاليك ليست مقتصرة فقط على الواقع العراقي والعربي، بل وجودها حتمي في المجتمعات الأخرى التي تشهد تضادا حادا بين الطبقات والفئات الاجتماعية.

blogs الصعاليك العرب
الافتخار بالتصعلك يتضمن غاية إنسانية وإن تضمن سلوك التصعلك أحيانا تصرفا عدائيا (مواقع التواصل)

كربلاء- شهد التاريخ الأدبي والاجتماعي العراقي والعربي عبر العصور الكثير ممن يطلق عليهم الشعراء الصعاليك الذين تمرّدوا على القبائل مثلما تمرّدوا على الشعر والمجتمع. ويشتهر الواقع العراقي بالعديد من الصعاليك، سواء من كان منهم صعلوك شعر أو تمرّد سياسي أو أسباب اجتماعية عديدة ومختلفة.

وظهرت نماذج من هؤلاء الشعراء بشكلٍ جلي في أواسط الخمسينيات وقبلها من القرن الماضي، وشكّلت علامة فارقة في الشعرية العراقية، ومنهم: حسين مردان، ومهدي علي الراضي، وعبد القادر الجنابي، وكزار حنتوش، وجان دمو، وغيرهم، كما يقول الباحث والناقد العراقي الدكتور علي حسين يوسف.

للاستخدام الداخلي د. يوسف- حركة التصعلك استوت لتكون ظاهرة اجتماعية من قبل الإسلام حتى الآن ( الجزيرة نت )
يوسف يرى أن حركة التصعلك نضجت لتكون ظاهرة اجتماعية من قبل الإسلام حتى الآن (الجزيرة)

مفهوم الصعلكة

ويتحدث الباحث عن مفهوم الصعلكة، وأنه كان في بدايته "يدلّ على الفقر والتمرّد على الأوضاع الاجتماعية"، لكنه -بحسب رأيه- "لم يبق بهذا التحديد الضيّق، بل اتّسع حتى شمل قطّاع الطرق والمنبوذين والمشرّدين والمخلوعين من قبائلهم".

ولفت إلى أن "حركة التصعلك نضجت لتكون ظاهرة اجتماعية في المجتمع العربي من قبل الإسلام حتى الآن"، ويرى أن التمرّد الذي يجمع سلوكياتهم كان دليله عمليات السلب وقطع الطرق واغتنام الأموال، وهذا كان عاملا مشتركا بينهم. ولما كان هذا الهدف هدفا ساميا بحدّ ذاته، لذلك نجد كل الصعاليك -الشريف والخليع منهم- يتباهون بقيم الكرم والشجاعة والتحمل من أجل الآخرين، حتى باتوا هم أنفسهم يفتخرون على غيرهم بتحمل الجوع والتشرّد والفروسية".

ويعتقد يوسف أن الغاية من الافتخار بالتصعلك "تتضمن غاية إنسانية، وإن تضمن سلوك التصعلك أحيانا تصرفا عدائيا فالغاية الأساس تتمثّل في محاولة الصعلوك تحقيق العدالة الاقتصادية في مجتمع كان الفقر فيه يخيم على شرائح واسعة من العرب"، والسبب كما يرى هي "البيئة العربية التي كانت قاسية وبخيلة، قد لا تجود بأدنى الأشياء وأبسطها مما يسد حاجات الفرد ومتطلبات البقاء".

نماذج شعرية

وكتب الشاعر جان دمو في هذا الشأن:-

عاش بقلب مفعم بالألغام
طوال حياته
في صيف كلّه أسرار وطلاسم
اكتشف
أن تحت مياه الجرح
كنارا.

لا تخبروه بأن في الصحراء سحرا
فقد عرف ذلك
بعد طفولته.
قولوا له إن السراب والموت
واحدٌ وإن الحياة ليست ولن يكون لها
أكثر من وجهين: وجهين أصفرين بائسين
ولكن، قولوا له، أيضا، إن المستقبل
لا أصداء فيه إلا في الغياب
كان يحب… كان يحبُّ أن يُحبَّ.

أما الشاعر كزار حنتوش فكتب:

فجراً يخرقها السوق
من أسفلها كالخازوق
ظهراً تطرق حامية
فوق سنادين سليمان المرزوق
عصراً تشوى كالطابوق
في أحزان التجار الورعين
فتهب على أحياء سراة القوم
رائحة اللحم المحروق

ويقسم الشعراء الصعاليك إلى 3 فئات، فئة يطلق عليها الشذاذ وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائل التي ينتمون إليها، من أمثال حاجز الأزدي وقيس الحدادية والبراض بن قيس الكناني. وفئة يطلق عليهم أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم آباؤهم ولم يلحقوهم بأنسابهم، من أمثال السليك بن السلكة وتأبط شرا والشنفرى، والفئة الثالثة هي صعاليك الفروسية لقيامهم بأعمال بطولية من مثل عروة بن الورد، وهو أشهر الصعاليك الشعراء الذين حوّلوا الصعلكة من كونها تشردا إلى بطولة من أجل التضامن مع الفقراء، حتى أنه ومن معه كانت أشعاره تصرخ بالأغنياء من أجل إعانة الفقراء.

د. علي المرهج-بناء القصيدة عنده يكتمل في عمودها الشعري العربي، ليُنتج لنا محاكاة من نوع آخر
مرهج: الشعراء الصعاليك يعدّون من أفضل الذين كتبوا الشعر وفيه نزعة غرائبية وجمالية (الجزيرة)

الغرائبية في الشعر

ويبدو السؤال منطقيا: لماذا يلجأ الشعراء إلى التمرّد وأن يطلق عليهم صعاليك، ويكون شكلهم مخالفا للمجتمع الذي يعيشون فيه، وما الأسس الاجتماعية والفلسفية لذلك؟

يجيب أستاذ الفلسفة الدكتور علي مرهج بالقول إن الفكرة أساسا "ارتبطت بالشعراء، على الرغم من أنها في الأصل مرتبطة بطريقة حياة يمارس فيها البعض نوعا من الفوضى وتعريض حياة الآخرين لذات الفوضى التي اختاروها".

وما يلفت النظر -بحسب مرهج- أن الشعراء الصعاليك "يعدّون من أفضل الذين كتبوا الشعر، وفيه نزعة غرائبية وجمالية قد تعكسها حياتهم في خرق المألوف في القول الشعري، وكأن القصيدة تكتب نفسها عندهم".

ويحلل الدكتور مرهج الأمر بأن" النزوع للصعلكة له علاقة بالشخصية ذاتها، فقد يختار البعض خرق نسق الحياة، ومن ثم خرق النسق الثقافي السائد، لذلك أظن أن الصعلكة تمكنه في وعيه أو لا وعي الشعور بقيمة الحرية"، ويضيف سببا: "قد تكون نزعة احتجاجية حينما تقترن بقوة الجمل الشعرية والاعتراض على القيم المهيمنة لخلق قيم جديدة".

ورغم أنه يستدرك بالعودة إلى جذور الصعلكة حين كانت فروسية وكرما، فإن" الصعلوك الحالي متمرّد في القصيدة وليست له القدرة على المواجهة، فيكون لهم أسلوبهم الخاص في كتابة القصيدة، ولكنهم بعيدون عن الفروسية في الحياة والكرم لأنهم يعتاشون على غيرهم".

وفي منتصف القرن الماضي حتى الآن، انتشرت ظاهرة الشعراء الصعاليك الذين يفترشون الأرض بطرق مختلفة، ويتّخذون من الحدائق والحانات والمقاهي سبيلا لوجودهم المتمرّد المعلن، سواء كان تمرّدا سياسيا أم اجتماعيا، وهي صعلكة أقرب إلى الاحتجاج بطريقة التسوّل.

عبد علي حسن، كاتب عراقي المصدر: الصحافة العراقية https://lh3.googleusercontent.com/-bSjvsddd6I0/X8jhzNSoYjI/AAAAAAAAJrw/l8A29DHZ5p8t-qdeGtloNr5LaQInQpfwgCLcBGAsYHQ/s1600/1607000511997374-0.png
حسن: ظهور الصعلكة يمتد إلى عصر ما قبل الإسلام حيث سيادة القبيلة (الصحافة العراقية)

تاريخ ظهورها

ولهذا يرى الناقد والشاعر عبد علي حسن أن ظهور الصعلكة "يمتد إلى عصر ما قبل الإسلام، حيث سيادة القبيلة وخروج مجموعة من الأفراد على أعرافها التي تذيب الذات الفردية"، لذا فهو يعيد ارتباطها "بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السائدة، والاختلاف وتتابع العصور".

ورغم أنها اتخذت أشكالا متعدّدة، فإنها لم تذهب بعيدا. ويعتقد حسن أن الأسباب هي "شعور الذات الفردية بالاغتراب والانفصال عن الواقع، والفقر والنسب والموقع الاجتماعي الهامشي"، ويرى أن الشعراء الصعاليك في الزمن الحالي هم "فقراء بالأساس، فهم يتخذون الصعلكة موقفا رافضا للواقع والسلطة، وهو سبيل للاحتجاج المبطن والتخلص من السلطة".

والصعلكة من جهة أخرى -كما يقول حسن- "تكشف عن حجم التناقض الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفع بالأفراد إلى الاحتجاج والاعتراض عبر أشكال ليس أقلّها شيوعا هو الاستجداء، والعيش ببساطة متناهية تتنافى والأعراف الاجتماعية السائدة".

وهو يشير إلى قصائدهم كونها "تمثّل الواقع المضاد الذي يرغبون في تغييره، فيتماثلون مع الثوري والمجنون"، ويرى أن لكل واحد منهم وسيلته في التعبير، ما عدا المجنون الذي ينسحب إلى واقعه الداخلي دون رجعة".

ويرى الناقد العراقي أن هذه الظاهرة ليست مختصرة فقط على الواقع العربي، بل "وجودها حتمي في المجتمعات الأخرى التي تشهد تضادا حادا بين الطبقات والفئات الاجتماعية"، وهو ما يرمي إليه من أن "الظاهرة مستمرة" ما دام هنالك انقسام طبقي واجتماعي يدفع الشعراء إلى التمرّد والاعتراض والاحتجاج عبر النصّ والسلوك".

المصدر : الجزيرة