تعود للقرن الـ14.. مخطوطات الدير اليوناني تحكي قصة جديدة عن الحكم العثماني

داخل مكتبة دير بانتوكراتور المحصن، الذي يعود إلى العصور الوسطى في المجتمع المسيحي الأرثوذكسي الرهباني في جبل آثوس باليونان، ينقب الباحثون عن كنز مجهول تقريبا في آلاف المخطوطات العثمانية التي قد تكون الأقدم من نوعها في العالم.

وتعد مكتبات المجتمع المتمتع بالحكم الذاتي، والتي أنشئت منذ أكثر من ألف عام في شبه جزيرة آثوس شمال اليونان، مستودعا للأعمال النادرة التي تعود إلى قرون، بعدة لغات بما في ذلك اليونانية والروسية والرومانية.

المخطوطات العثمانية الأقدم

وقد دُرست العديد منها على نطاق واسع، ولكن ليس الوثائق التركية العثمانية، التي هي نتاج بيروقراطية حكمت شمال اليونان منذ أواخر القرن الـ14 -قبل وقت طويل من سقوط العاصمة البيزنطية القسطنطينية في يد العثمانيين في العام 1435- حتى أوائل القرن الـ20 عندما أصبحت المنطقة يونانية مرة أخرى.

ويقول الباحث في التاريخ البيزنطي جانيس نيهوف باناجيوتيديس، إنه من المستحيل فهم اقتصاد ومجتمع جبل آثوس تحت الحكم العثماني دون الرجوع إلى هذه الوثائق، التي نظمت تعاملات الرهبان مع السلطات المدنية (غير الكنسية).

وتابع باناجيوتيديس، الأستاذ في جامعة برلين الحرة، بأن أقدم الأعمال العثمانية الموجودة في المكتبات الرهبانية البالغ عددها 25 ألفا تعود إلى عام 1374 أو 1371م. وهذه أقدم من أي عمل مماثل معروف في العالم.

Father Theophilos, a Pantokrator monk, holds a manuscript at the library of Pantokrator Monastery in the Mount Athos, northern Greece, on Thursday, Oct. 13, 2022. Deep inside a medieval fortified monastery in the Mount Athos monastic community, researchers are for the first time tapping a virtually unknown treasure: thousands of Ottoman-era manuscripts that include the oldest of their kind in the world. (AP Photo/Thanassis Stavrakis)
آلاف المخطوطات العثمانية في جبل آثوس تضم بعض أقدم المخطوطات من نوعها في العالم (أسوشيتد برس)

وأضاف أنه في إسطنبول -كما أعاد العثمانيون تسمية القسطنطينية عندما جعلوها عاصمتهم- تعود أقدم المحفوظات إلى أواخر القرن الـ15.

وقال إن "الوثائق الأولى التي تلقي الضوء (على الفترة الأولى من التاريخ العثماني) محفوظة هنا، على جبل آثوس"، وتخزن الوثائق الأخرى الأندر في أدراج خشبية كبيرة، وتشمل فرمانات -أو مراسيم- السلاطين المزخرفة والمزينة، مثل صكوك الملكية وقرارات المحاكم والبلاط".

وقال أناستاسيوس نيكوبولوس، اللاهوتي والأكاديمي المتعاون مع جامعة برلين الحرة، والذي كان يعمل مع باناجيوتيديس على المشروع خلال الأشهر القليلة الماضية، إن "الغالبية العظمى من الوثائق قانونية".

وأثنى الأكاديمي والباحث اليوناني مارينوس ساريانيس، منسق قسم التاريخ العثماني بمعهد دراسات البحر المتوسط اليوناني، على الاهتمام الجديد بتلك المخطوطات في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي تويتر.

لكنه استدرك قائلا إن ثمة انطباعا خاطئا بأن هذه الوثائق ليست معروفة ولم تتم دراستها رغم أن أستاذه البروفيسور جون سي ألكساندر وآخرين من طلاب وباحثي الدراسات العثمانية درسوا مخطوطات دير جبل آثوس منذ عقود ونشروا نتائج مذهلة حول هذه المخطوطات، وقام هو شخصيا بتصوير تلك المخطوطات منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

The tower with the library stands on the left, as visitors arrive at the Pantokrator Monastery in the Mount Athos, northern Greece, on Thursday, Oct. 13, 2022. Deep inside a medieval fortified monastery in the Mount Athos monastic community, researchers are for the first time tapping a virtually unknown treasure: thousands of Ottoman-era manuscripts that include the oldest of their kind in the world. (AP Photo/Thanassis Stavrakis)
دير بانتوكراتور يقع في موقع محصن ويعود للعصور الوسطى ضمن مجتمع جبل آثوس الرهباني (أسوشيتد برس)

قصة تتحدى الأفكار السائدة

وتحكي المخطوطات قصة تتعارض مع الادعاء التقليدي السائد في اليونان "للنهب العثماني" في المناطق التي فتحت حديثا، من خلال مصادرة الممتلكات العقارية الثرية لأديرة جبل آثوس.

وبالأحرى، احتضن الحكام الجدد (العثمانيون) المجتمع المحلي تحت جناحهم، وحافظوا على استقلاليته وحمايته من التدخل الخارجي.

وقال نيكوبولوس إن "فرمانات السلاطين التي رأيناها في البرج.. وقرارات بلاط الدولة العثمانية تظهر أن ديمقراطية الرهبان الصغيرة كانت قادرة على كسب احترام جميع القوى الفاتحة. وهذا لأن جبل آثوس كان ينظر إليه على أنه مهد السلام والثقافة.. حيث تتعايش الشعوب والحضارات بسلام".

وأضاف أن أحد الإجراءات الأولى التي قام بها مراد الثاني، الحاكم العثماني الذي فتح سلانيك -أقرب مدينة إلى جبل آثوس- كان وضع وثيقة قانونية في عام 1430 لحماية المجتمع.

وقال "هذا يقول الكثير، السلطان العثماني نفسه كفل الحفاظ على النظام الإداري لجبل آثوس وحمايته".

وأضاف باناجيوتيديس أنه حتى قبل ذلك، أصدر أحد السلاطين أمرا رسميا يفرض عقوبات صارمة على المتسللين بعد أن انخرطت مجموعة من الجنود المقتحمين في سرقة بسيطة من أحد الأديرة.

وقال "من الغريب أن السلاطين احتفظوا بجبل آثوس، آخر بقايا بيزنطة، شبه مستقل ولم يلمسوه"، وأضاف "لم يحتفظوا حتى بالقوات هنا. وربما كان لديهم ممثل محلي بقي في (المركز الإداري للمجتمع) واحتسى الشاي هناك".

خصوصية جبل آثوس

وتابع باناجيوتيديس أن كشفا آخر غير متوقع، هو أنه على مدار القرنين الأولين تقريبا من الحكم العثماني، لم يُبذل أي جهد لفرض الشريعة الإسلامية على جبل آثوس أو الأجزاء القريبة من شمال اليونان، وأضاف "كان جبل آثوس بمثابة استمرار لبيزنطة".

ومنح المجتمع لأول مرة الحكم الذاتي من خلال مرسوم من قبل الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني، في 883 م.

Male visitors talk as the sun rises from the sea at the Pantokrator Monastery in the Mount Athos, northern Greece, on Friday, Oct. 14, 2022. The monastic community was first granted self-governance through a decree by Byzantine Emperor Basil II, in 883 AD. Throughout its history, women have been forbidden from entering, a ban that still stands. This rule is called "avaton" and the researchers believe that it concerns every form of disturbance that could affect Mt. Athos. (AP Photo/Thanassis Stavrakis)
النساء يمنعن من دخول دير بانتوكراتور في جبل آثوس حتى الآن وفق قاعدة "أفاتون" (أسوشيتد برس)

وطوال تاريخها، مُنعت النساء من الدخول لهذه المنطقة، ولا يزال ذلك الحظر قائمًا. وهذه القاعدة تسمى "أفاتون"، ويعتقد الباحثون أنها تتعلق بكل شكل من أشكال التدخل الإداري أو المدني (غير الديني) الخارجي الذي يمكن أن يؤثر على جبل آثوس.

وقال باناجيوتيديس لوكالة أسوشيتد برس إن الدراسة تلقي الضوء أيضا على أمثلة على طريقة تعايش الناس مع بعضهم بعضا، والمبادئ المشتركة بين البشرية جمعاء، وبذور حقوق الإنسان واحترامها، والديمقراطية ومبادئ التعايش الاجتماعي.

ومن المتوقع أن يستمر المشروع البحثي لعدة أشهر أو حتى سنوات. وقالت باناجيوتيديس "ما يمكن أن يظهر على المدى الطويل سأكون قادرا على قوله عندما نكون قد قمنا بفهرسة جميع الوثائق ورقمنتها". وفي الوقت الحالي لا أحد يعرف ما هو مخفي هنا. ربما، حتى وثائق أقدم".

المصدر : الجزيرة + أسوشيتد برس