مترجم ومفسر معاني القرآن بالفرنسية.. وفاة العلامة المغربي محمد بنشقرون

محمد بنشقرون
العلامة محمد بنشقرون ولد بمراكش بالمغرب وله مؤلفات في الفكر واللغة والأدب وترجم القرآن وتفسيره للفرنسية في 10 مجلدات (مواقع التواصل الاجتماعي)

الرباط – بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والفكري، توفي العلامة المغربي محمد بن أحمد بنشقرون، مخلفا إرثا علميا متنوعا في الفكر والثقافة والترجمة والأدب والتاريخ، وتعد ترجمته لمعاني القرآن الكريم وتفسيره إلى اللغة الفرنسية أبرز إنتاجاته.

ويعد الراحل، الذي فارق الحياة الخميس الماضي في عقده التاسع، قامة علمية وفكرية حظيت بالاحترام والتقدير، كما تقلد عددا من المناصب المهمة منذ استقلال المغرب منتصف الخمسينيات.

وقد نعاه رئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، ووصفه في تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي بأنه "من العلماء والأدباء الرواد الذين شاركوا في بناء النهضة الأدبية والفكرية في المغرب المعاصر".

بينما نعاه حزب الاستقلال الذي انتمى إليه الراحل في تعزية رسمية قال فيها إن "العلامة بنشقرون توفي بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والفكري المتميز".

وعزّى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في وفاته، وقال في بيان "فقدت الأمة الإسلامية عالما من علمائها المخلصين الأفاضل نسأل الله العلي القدير أن يغفر له ويرحمه رحمة واسعة ويعفو عنه، ويجزيه خير الجزاء".

حياة علمية ومهنية ثرية

ينحدر الراحل محمد بنشقرون -الذي ولد في مراكش عام 1932- من عائلة تهتم بالعلم وتشجع عليه، إذ دفعته أسرته في سن مبكرة لتلقي التعليم التقليدي إلى جانب العصري، فحفظ القرآن الكريم صغيرا وعددا من الكتب الفقهية مثل ألفية بن مالك والأجرومية وتحفة بن عاصم.

وتتلمذ في بداية تكوينه العلمي على يد والده الذي كان أستاذا للغة العربية والفرنسية، ثم على أساتذة مدرسة "ابن يوسف" بمراكش أمثال العلامة المختار السوسي والفقيه محمد عماد الدين والعلامة ابن الفضيل.

وإلى جانب التعليم الأصيل أو التقليدي، تلقى بنشقرون دراسة عصرية بالمدارس الابتدائية والثانوية بمراكش التي كانت تحت إدارة الفرنسيين في فترة الحماية، ثم استكمل تعليمه العالي بين الرباط وباريس.

وفي السنة التي حصل فيه المغرب على استقلاله 1956، نال الراحل دبلوم الدراسات العليا المغربية الفرنسية بالرباط، ثم الإجازة (البكالوريوس) في الآداب وعلم النفس بالرباط سنة 1961 ودبلوم الدراسات العليا والتبريز من جامعة باريس سنة 1968، ودكتوراه السلك الثالث ودكتوراه الدولة في الآداب بالجامعة الفرنسية 1974.

بدأ الراحل مساره المهني معلما للمرحلة الابتدائية والثانوية، ثم أستاذا للتعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط في شعبة اللغة العربية وآدابها والحضارة.

وشغل مناصب ومسؤوليات متعددة، إذ عيّن مديرا للمجلة الثقافية الصادرة عن وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية (1963-1970)، ورئيسا للجمعية المغربية للتربية والتعليم سنة 1983، ثم وزيرا مؤقتا للتربية الوطنية في الثمانينيات، وتقلد مهاما في اليونسكو ووكالة الغوث.

وفي سنة 2013 حصل على جائزة محمد السادس التنويهية التكريمية للفكر والدراسات الإسلامية مكافأة له على الجهود التي قدمها في خدمة البحث العلمي والفكر الإسلامي، وهي الجائزة التي سلمها له العاهل المغربي.

وحصل في نفس السنة على جائزة الأكاديمية الفرنسية للإشعاع الأدبي واللغوي الفرنسي.

وقالت رئيسة الأكاديمية في رسالة التنويه، إن أعمال بنشقرون ساهمت "في تعميق التبادل بين المغرب وفرنسا وبين المغرب العربي وأوروبا وبين الشرق والغرب".

LA VIE INTELLECTUELLE
كتاب "الحياة الفكرية المغربية في عصر الدولة المرينية والوطاسية" للمفكر الراحل بنشقرون (الجزيرة)

مكتبة غنية

خلّف الراحل محمد بنشقرون مكتبة غنية تضم حوالي 30 مؤلفا باللغات العربية والفرنسية والإسبانية.

ويعد كتاب "القرآن الكريم: تفسيره وترجمة معانيه إلى اللغة الفرنسية" أبرز إنتاجاته، إذ استغرق منه 10 سنوات من العمل والجهد، وهو أول ترجمة دقيقة لمعاني القرآن إلى الفرنسية بحسب الباحثين، وصدر هذا العمل في 10 أجزاء، والطبعة الجديدة صدرت في 3 مجلدات بفرنسا.

وتميز محمد بنشقرون بثقافته الإسلامية الواسعة والعميقة، بحسب ما ذكر للجزيرة نت الباحث في الفكر الإسلامي بلال التليدي.

وقال التليدي "بقدر ما كان الراحل يستطيع الكتابة في حقول إسلامية متنوعة، إلا أنه اختار التفرغ لترجمة معاني القرآن الكريم وتفسيره باللغة الفرنسية".

وأضاف أن الراحل لم يكن من الصنف الذي يتناول الأمور بشكل ناعم وسطحي، بل كان ينكب في البحث، غير مهتم بالوقت الذي يستغرقه.

ولفت المتحدث إلى أن بنشقرون ألف في عدد من القضايا، غير أن اهتمامه الأكبر كان بالفنون المرتبطة بعلوم القرآن والتي لها علاقة بالتفسير.

وزاد قائلا "لقد قدم خدمة كبيرة في مجال الدراسات القرآنية، كونه نقل إلى الغرب باللغة الفرنسية وأحيانا الإسبانية جزءا من الفنون المرتبطة بعلوم القرآن، سواء تعلق الأمر بمقدمات التفسير أو بالتفسير أو التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ومحاولة ترتيب هذه الموضوعات بحسب السور، وبحسب المكي والمدني".

وإلى جانب ترجمة وتفسير القرآن الكريم، صدر للراحل مؤلفات أخرى في نفس الحقل العلمي "القرآن الكريم حسب موضوعاته المختلفة" في 4 أجزاء باللغة الفرنسية، و"معجم مباني ومعاني القرآن الكريم"، و"مدخل إلى الدراسات القرآنية والحديثية" في جزأين، ثم "معجم قرآني باللغة العربية والفرنسية والإسبانية".

ومع اهتمامه بعلوم القرآن وترجمته وتفسيره، كان للراحل إنتاجات في مجال التاريخ المغربي والحضارة.

ومن بين مؤلفاته "مظاهر الثقافة المغربية" و"الحياة الفكرية المغربية في عصر الدولة المرينية والوطاسية"، و"الاتجاهات الأدبية في العهد المريني: دراسة وصفية ونقدية عبر تحقيق مخطوط لمؤلفه ابن الدراج السبتي"، و"فن الطبخ في الأندلس والمغرب: تحقيق مخطوط لابن رزين السبتي التوجيب".

المصدر : الجزيرة