رواية "الموتى يلقون النكات".. العشوائيات ولوحة الكمون الثوري السوري

لعل أول ما قد يتبادر إلى ذهن القارئ وهو يخطو باتجاه العتبة الأولى لرواية "الموتى يلقون النكات" هو السؤال الذي يفرضه التناقض الظاهري لتلك العبارة؛ إذ كيف للموتى أن يلقوا النكات؟

ولكن ما أن يلج القارئ في الصفحات الأولى لعمل الروائي السوري حسين الزعبي حتى يتعثر في الإجابة على لسان إحدى شخصيات الرواية، محدثا صديقته الفرنسية صوفي: "أنت من شعب يجيد الضحك على الرغم من كثرة تذمره، أما نحن فربما نجيد إلقاء النكات، لكن وجوهنا ما عادت قادرة على الضحك، نصطنع الضحك وكأننا موتى يستمعون لنكات من موتى".

ومع تقدمنا في أحداث الرواية -الممتدة على 237 صفحة من القطع المتوسط- تغدو هذه العبارة الافتتاحية بمثابة استباق لكل ما هو آت من أحداث في "الموتى يلقون النكات"، التي عمد الروائي من خلالها لاستخدام تعدد السرديات والأصوات التي تروي مجريات الأحداث خلال ربع القرن الأخير من تاريخ سوريا الحديث، مرورا بالسنوات الأولى للثورة، ووصولا إلى لوحة الفجيعة القاتمة التي خلفتها الحرب السورية خلال 10 أعوام.

تداخل الروايات

ينفتح السرد في الحاضر على شخصية فارس -اللاجئ السوري في فرنسا- الذي يحاول مغالبة سطوة هي "مزيج من أوجاع الغربة والوحدة والمرض"، بمساعدة صديقته صوفي الفتاة الفرنسية الرؤوم.

لم يكن قد مضى وقت طويل على وصول فارس إلى فرنسا عندما اكتشف إصابته بالسرطان، وهو ما جعله إنسانا متشائما يرغب في الوصول إلى "خط النهاية" في سبيل الخلاص من آلامه، لولا أن صوفي بقيت إلى جانبه وأقنعته بالكتابة لها عن بلده الذي تتحرق لمعرفة ما جرى له ولأهله بعد أن تصدرت أحداث ثورته وحربه المحطات الإخبارية وكافة وسائل الإعلام.

كان ذلك دافع فارس لتدوين مجموعة من الرسائل لصوفي، التي سرعان ما تحولت إلى مشروع رواية عكف فارس على كتابتها، لنصبح أمام رواية في رواية.

شام مصطفى_سوريا_دمشق_ الروائي حسين الزعبي
الروائي حسين الزعبي مؤلف رواية "الموتى يلقون النكات" (مواقع التواصل)

وبحيلة سردية بارعة نجد أنفسنا أمام رواية ثالثة، عندما يقرر فارس نقل الأحداث من خلال حوار بين نايا -طبيبة نفسية سورية- وصديقتها هند، اللتين تقيمان في القاهرة منذ اندلاع الثورة.

وبهذا المخرج الفني (الشكلي) تمكن الزعبي من توسيع حيز السرد الزماني ليغطي 3 مراحل مفصلية من التاريخ السوري الحديث، وهي: ما قبل اندلاع الثورة، فالثورة، ثم الحرب. وليغطي أيضا 3 بقاع جغرافية ذات خصوصية في الثورة والحرب السوريتين: سوريا، ودول الجوار العربية (مصر)، ودول اللجوء الأوروبية (فرنسا).

وهو ما سمح للمتن بأن يتسع لحكايات السوريين التي اختلفت باختلاف وجهات نظرهم ومواقفهم من الثورة، وقراراتهم ووجهاتهم التي ساروا إليها بعد اندلاع الحرب.

العشوائيات.. لوحة الكمون الثوري

"شارع واحد كان يفصل بين بساتين الرازي ومنطقة مزة فيلات شرقية؛ شارع واحد في دمشق كان يفصل بين عالمين مختلفين، عالم الثراء والنفوذ والسلطة (…) وعالم الفقر والحدود الدنيا من الحياة".

بهذه الكلمات يرسم الروائي الحدود الفاصلة بين عالمي شخوصه في دمشق؛ ففي حي التضامن العشوائي كان الصحفيان الشابان أصلان وجلال يعيشان في مسكن "لا يكاد يصلح للاستخدام البشري"، يمران كل يوم من أزقة ضيقة استعملت جدرانها دفاتر ذكريات للعابرين، وفي مساءاتهم يستمعون إلى شجار "شباب الكبتاغون" في ذلك الزقاق الفقير.

ورغم نقص الخدمات وغيابها في بعض الأحياء، فإن تلك العشوائيات احتضنت السوريين الوافدين من قرى المحافظات والنازحين الفلسطينيين، فكانت "أطراف دمشق أحن من قلبها على عابري الطريق وأبنائها".

ومع أصلان -ابن تلك العشوائيات- نلج إلى قلب العاصمة دمشق؛ حيث حصل الشاب العشريني على وظيفة في مجلة اقتصادية شهرية، ومن يومياته نتعرف إلى "الأوليغارشية" (الأقلية الحاكمة) السورية التي هي خليط من المسؤولين والضباط والتجار وأبنائهم، التي لم يكن لها شغل ولا شاغل سوى الفساد والإفساد وتمكين نفسها وأقاربها في المناصب العليا على حساب الكفاءات.

فها هي سميحة -زوجة ضابط وابنة آخر- تترأس تحرير مكتب مجلة خليجية في دمشق من دون أن تكون لها دراية بالصحافة أو التحرير، ومع تقدم السرد نعلم أن "سميحة ليست الوحيدة من بنات الضباط أو زوجاتهم أو شقيقاتهم التي امتهنت الصحافة؛ فالتلفزيون يعج بأمثالها، والجمهور لم يحفظ أسماء المذيعات إلا لشهرة عائلاتهن".

أما نزار مدير مجلة أصلان، فلم يكن سوى متملق يسعى ليل نهار لابتزاز تجار المدينة المحايدين لدفع تبرعات للمجلة ومساهمات مالية بدعوى أن "القائد" يسعى للتطوير الاقتصادي والتحديث.

نخبة فاسدة ومتسلطة وواقع مستفز نجحت الرواية في تسليط الضوء عليه، ومع مواكبة السرد لاندلاع ثورة مارس/آذار نرى أن أهل العشوائيات كانوا أول المنتفضين في وجه هذا الواقع.

وعن ذلك يقول حسين الزعبي للجزيرة نت "كانت العشوائيات لوحة صامتة للكمون الثوري، تحمل واحدة من أهم المفارقات؛ إذ إن العشوائيات التي كانت تعاني من تدني مستوى المعيشة، كانت في الوقت نفسه خزانا بشريا للتحصيل العلمي، كان فيها أضعاف ما كانت تجود به المدن الكبرى في هذا المجال، وبالتالي فإن كل طرف من طرفي هذه المفارقة شكل مولدا من مولدات الانفجار".

ويضيف "العشوائيات كانت مرآة تعكس تقصير الدولة وسياساتها؛ أحياء كاملة بنيت وسكنت من دون خدمات حقيقية وحتى من دون صرف صحي، في المقابل الشعب كان يصر على الحياة من دون أن تقدم له الدولة أسباب هذه الحياة ووسائلها. فالعشوائيات التي كانت متأخرة في كل شيء حافظت على المستوى التعليمي. وأخيرا في هذا الجانب يمكن لأي متابع أن يستذكر الكثير من الأسماء البارزة في الأوساط الثقافية والفنية السورية التي نشأت في هذه الأحياء أو أمضت فيها مرحلة لا بأس بها من عمرها".

وبالعودة إلى أحداث الرواية، نجد أصلان اضطر إلى ترك ريف دمشق والهجرة باتجاه مصر "التي احتضنت السوريين وثورتهم بعد انتصار ثورة يناير" لمتابعة العمل الصحفي بحرية.

الأدب لأنسنة التاريخ

في باريس ما يزال فارس يواجه مرض السرطان الذي بدأ ينهب روحه شيئا فشيئا، وإلى جانب السرطان كان لا بد له من مواجهة العنصرية التي مارسها بعض الفرنسيين بعد أحداث شغب اتهم بها السوريون.

ولكنه أصر على إكمال الرواية التي بدأها، وبذلك ينقلنا إلى مصر حيث نايا التي خلعت زوجها يامن بسبب موقفه الضبابي من الثورة وكثرة أسفاره، وعبر فيسبوك أحبت أصلان الذي شاركها الشعور نفسه ليمتزج حبهما بالثورة ويتكلل بالزواج.

وفي دمشق، كان نادر -طبيب ومعتقل سابق- تطوع مع فصائل الثورة في مشفى ميداني، وهو ما جعله على خلاف مع أبي نايا صديق عمره؛ فالأخير وإن كان مع الثورة فإنه قبل مساومة النظام لإعادة النشاط التجاري لإحدى المناطق المستعادة.

أما مالك، الذي انضم إلى صفوف الثوار بعد 5 أعوام من الاعتقال في السجون السورية إثر مشاركته مع فصائل المقاومة العراقية للغزو الأميركي، فقد أصيب إصابة بالغة في الرأس اضطر إثرها للسفر إلى تركيا.

يستعيد فارس هذه الحكايات ليقصها على صوفي، ويروي لها عن بداية الثورة في درعا (جنوبي البلاد)، وكيف تم اعتقال الأطفال، وعن الشهيد الطفل حمزة الخطيب، وغيرها من فصول الثورة السورية، وصولا إلى الهزائم التي مني بها الثوار، وما أعقبها من انكسارات طالت معظم شخوص العمل.

لتبدو الرواية -في جانب منها- تأكيدا على سردية الثورة وتوثيقا لأبرز أحداثها، وإعادة إنتاج وقائعها وتحريها في أبعادها الوجدانية والشعورية التي ما انفكت تنعكس على حيوات الشخوص وأفكارهم وآرائهم.

وبتعبير الروائي حسين الزعبي "الأدب والرواية يعيدان أنسنة الوقائع والفجائع التي ترد جافة في كتب التاريخ والسياسة، وهذا التأثير الأدبي هو ما يولد الحالة الشعورية عند المتلقي، سواء أكان سوريا أم غير سوري، وهذا التأثير ينتظر منه أن يترجم على أرض الواقع لإيجاد حل ومخرج من هذا الأتون الذي يعاني منه الشعب السوري".

تراجيديا المصائر

يعيدنا الفصل الأخير من الرواية إلى العتبة الأولى مجددا، كما لو أنها متاهة سردية بباب واحد، فتتحول عبارة "الموتى يلقون النكات" من مجاز البدايات الساخرة إلى حقيقة النهايات المأساوية.

ففي دمشق، يضطر نادر الطبيب برفقة العديد من الثوار إلى تسليم إحدى المناطق بعد أن أطبق النظام حصاره عليها وهدد بتدميرها عن بكرة أبيها، وفي طريقه لملاقاة أمه وابنته اللتين نزحتا إلى لبنان يتصل نادر بأبي نايا صديق عمره، و"يعيد رواية الذكريات التي تجمعهما ويتبعها بضحكة طويلة، كأنه يسمع نكتة خفيفة الظل لأول مرة".

وبينما يضحك الصديقان تسقط قذيفة على السيارة تقتل كل من فيها، ومع تأكد خبر وفاة الدكتور نادر سقط أبو نايا في حالة من الحزن والذهول يعبر عنها بالقول "وإن بكيت دهرا فلن يكفيني البكاء".

أما نايا التي تركت أصلان مضطرة بعد شهر من زواجهما وعادت إلى دمشق لتعتني بأبيها بعد أن انتابته وعكة صحية، فقد اعتقلها الأمن وأودعها أحد المعتقلات مع كثير من النساء الأخريات بتهمة الكتابة على فيسبوك.

وفي تركيا، كان مالك بدأ يتماثل للشفاء بعد أن أجريت له عملية، غير أنه أصبح "نصف مجنون" وبدأ يشرب الكحول، ومع وصوله إلى برلين أصبح مدمنا على الهروين؛ فتحول من شاب ثوري مستعد ليضحي بروحه من أجل أبناء جلدته، إلى مدمن ينفر منه الجميع حتى أقرب الناس إليه.

وفي مصر، تأكد أصلان من خبر اعتقال زوجته نايا، وأخذ الاكتئاب ينهش نفسيته والكوابيس تؤرق نومه وتفزعه، ليقرر أخيرا أن يذهب إلى حافة النيل "ليخوض معركته الأخيرة".

وفي الحديث عن دلالة الموت الذي عم المشهد الروائي مع انغلاق دائرة السرد، يرى حسين الزعبي -في حديثه للجزيرة نت- أن الرواية قد نحت منحى واقعيا، فأراد أن تكون شخوصه عبارة عن نماذج متخيلة تشكل لوحة الفجيعة السورية بكل تفاصيلها الصغيرة والكبيرة، من تهجير واعتقال واغتراب إلى كافة ضروب الموت التي تخاطفت أرواح السوريين خلال سنوات الحرب، ولأن "الوقائع لا يمكن أن تبنى على الأمل والأمنيات".

ويضيف "ليس بالضرورة أن يكون مفهوم الموت هو ذاك الدال على الفيزيولوجي، فإذا أردنا أن نقول إن الذين يعيشون في خيام اللجوء هم أحياء تماما، فنحن بشكل أو بآخر نبتعد عن جوهر معنى الحياة، فالفاقد لجزء من عائلته وبيته ووطنه والجزء الأكبر من ذاكرته هو في الحقيقة فاقد لهويته وربما لإنسانيته، وقد يكون أشبه بالموتى".

وختاما، فإن رواية "الموتى يلقون النكات" محاولة سردية جادة لتسليط الضوء على المشهد السوري كاملا بتحولاته وتشظياته الاجتماعية والسياسية على مدار 3 عقود هي الأكثر تأثيرا في تاريخ البلاد.

المصدر : الجزيرة