"أخ أكبر" عربي جديد.. رواية "نيلة زرقا" وحرب مفتعلة في عالم شمولي

يشكل عنوان الرواية "نيلة زرقا" أهمية كبرى على مستوى القراءة، فهو العلامة الأولى التي يلتقطها القارئ وينطلق منها لفهم المعاني والمدلولات التي يحيل إليها النص. 

"الهواء القاسي الذي تنام عليه المدينة صار يبيت مع الوقت ألحانا أشد مكرا من ألحان الناس التي احتفظوا بها في أعماقهم (..) والحذر أصبح سيد الموقف في كل شيء لدرجة أن نقل قطع الأثاث من بيت إلى بيت صار بحاجة إلى موافقة أمنية، وقد يضطر المرء إلى الانتظار وقتا طويلا قبل الحصول عليها".

هكذا يصف حواس الرضابي (الشخصية الرئيسية في رواية "نيلة زرقا") عالم مدينته المستلبة والغارقة في مستنقع من الاستبداد والقهر الاجتماعي؛ حيث تتفاعل شخوص العمل تحت مظلة سلطة سياسية شمولية لا شاغل لها سوى إيهامهم بالزيف وتشكيل مصائرهم بما يتناسب ومصالحها.

وتقع الرواية في 184 صفحة من القطع المتوسط، يسلط من خلالها يعقوب الضوء على عالم متخيل يشبه إلى حد بعيد عالمنا المعاصر بتفاصيله المعقدة وقضاياه الملحة؛ لا سيما التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي فرضتها عليه جائحة كورونا.

وتأتي "نيلة زرقا"، للمخرج والروائي الفلسطيني السوري فجر يعقوب بعد روايته "ساعات الكسل، يوميات اللجوء" التي نال عليها جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها السابعة عام 2021.

حرب مفتعلة

تتألف رواية نيلة زرقا من 18 وحدة سردية، يتصدر كلًا منها مقطع نصي تقريري من زمننا الحاضر لمفكر عربي أو غربي يشير به إلى التحولات التي شهدها وسيشهدها العالم إبان جائحة كورونا وعقب انقضائها، أو ملاحظات خاصة بالروائي بشأن تلك التحولات.

فجر يعقوب كاتب وسينمائي فلسطيني من مخيم اليرموك بسوريا، ويقيم في ألمانيا (مواقع التواصل)

في حين ينفتح السرد في الزمن الماضي على شخصية الرائد حواس الرضابي وهو جالس في مقصورته في مصنع الكرتون الحكومي الذي يديره "أشرف الخازن"؛ حيث تم فرزه ليعمل حارسا ليليا بعد أن وضعته حكومة "الأدميرال" تحت الإقامة الجبرية، عقابا له على كتابته عملا روائيا هزأ فيه من منجزات الأدميرال صاحب أعلى رتبة عسكرية في البلاد.

وفي مصنع الكرتون، يسعى أشرف الخازن لتحويل المكان إلى نموذج مصغر عن دولة الأدميرال الشمولية؛ وذلك عبر فبركة الملاحم الوطنية ومراقبة العمال بكاميرات ذكية مركبة في مواقع وزوايا إستراتيجية بالمصنع، ومن خلال التطبيع مع الحرب المتخيلة التي خلقها هو نفسه ليبرر بها إجراءاته القمعية.

مشاهد تذكرنا إلى حد كبير بما آلت إليه الحياة في بعض دول العالم عقب انتشار فيروس كورونا؛ إذ استغلت بعض الحكومات الجائحة لجمع بيانات مواطنيها عبر التطبيقات الإلكترونية بحجة محاربة الفيروس، إلى جانب اعتماد أنظمة ذكية للتعرف الآلي على الوجوه عبر كاميرات المراقبة الحرارية، أو استخدام بيانات المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي لقياس التباعد الاجتماعي وتحديد مواقعهم.

أخ أكبر جديد

وهكذا يبدع يعقوب في ترميز عالمنا المعاصر واختزاله بدوال مكثفة كالمصنع الذي لا يعدو أن يكون عالمنا عينه تحت وطأة الجائحة وما تلاها من إجراءات شمولية اتخذتها الحكومات في شتى أنحاء العالم، ويقول فجر يعقوب -للجزيرة نت- "إن توليتارية (شمولية) تعريف هذا الفيروس سوف تؤسس لمرحلة ’ما بعد كورونا‘، إنها انعطافة هائلة في التاريخ البشري، وقد يسهم تعقد وسائل الاتصال فيها في تغيير الطبيعة البشرية نفسها".

وبالرغم من عدم وجود ارتباط ظاهري بين النصوص التقريرية التي ضمنها يعقوب مطلع وحداته السردية وما بين قصة الرضابي في الماضي وأحداثها، فإن الارتباط الضمني والدلالي كان قائما، فيرى يعقوب أن "حقبة كورونا -بما لها وما عليها- هي تطور طبيعي لما أحدثته الحضارة الحديثة من شروخ وآلام في النفس البشرية؛ تصدعات لا نهاية لها سنعيش على وقعها طويلا، وكأنها مرآة لمؤامرة كونية من صنع جهات خفية، لكن قراءة متعمقة في مآلاتها تكشف أنها شيء كان لا بد من استدعائه ووقوعه".

ويضيف يعقوب "إنها لحظة فارقة في التاريخ البشري، كان يطلق عليها المخرج الإيطالي فيدريكو فيلليني ’عملية تأديب أبدية‘ لا يمكن للكون أن يستغني عنها في مختلف مراحل تطوره".

نظرة أخرى في علم الأوبئة تكشف عن ذلك، فالفارق الوحيد بين هذه العملية ومثيلاتها هو الوجه القبيح لوسائل التواصل الاجتماعي كما تجلى في معالجته للجائحة، وهي وسائط لم يعد ممكنا -على ما يبدو- كبح جماحها، "وقد أسهمت في تعبيد الطريق أمام شمولية صارخة ’للأخ الأكبر‘ كنا فيما مضى نتحسسها وجاهيا في أعمال أدبية رصدناها في القرن الماضي، واليوم نحن نقف عراة في حضرتها".

رواية "ساعات الكسل، يوميات اللجوء" لفجر يعقوب فازت بجائزة كتارا في دورتها السابعة 2021 (مواقع التواصل)

النيلة الزرقاء .. زهرة للحب والحرب

يشكل عنوان الرواية "نيلة زرقا" أهمية كبرى على مستوى القراءة، فهو العلامة الأولى التي يلتقطها القارئ وينطلق منها لفهم المعاني والمدلولات التي يحيل إليها النص.

والنيلة الزرقاء نبتة جبلية تستحلب منها مساحيق التجميل والرطوبة، وفي الرواية هي النبتة التي تستحم بها مومسات ضباط الأدميرال أعلى الجبل المطل على المصنع، وتبقى كذلك إلى أن تنشب الحرب المختلقة، فتصبح النيلة الزرقاء طلاء تطلى به النوافذ؛ لحجب ضوء الأمكنة عن طيران العدو.

فيتحول بذلك الدال "النيلة الزرقاء" من مدلول للجمال والحب إلى مدلول للرقابة القمعية المفتعلة، وعن ذلك التحول يقول يعقوب "تكون النيلة الزرقاء بحرا من الرجاء والأمل في بعض وجوهها، وفي البعض الآخر مثلثا للرعب الإنساني؛ فهي لا تعود مجرد مادة مستحلبة من زهرة جبلية جميلة يلهث خلفها كثيرون، وذلك لأن كلا يلهث خلفها بحسب أجندته، سواء للتجارة أو الحرب أو حتى للحب وإقامة طقوس الموتى".

وكما الحال مع النيلة الزرقاء، تتحول شخصية حواس الرضابي؛ فمن أديب مبدع وحالم إلى حارس ليلي يتجرع مرارة انكساراته ويقتات على ما تبقى له من ذكريات الحب والفحولة، بعد أن أقصته حكومة الأدميرال من الوسط الأدبي واحتجزته في مدينته المخذولة.

وبالرغم من أن الرضابي كان على امتداد السرد شخصية مهزومة ومهزوزة تقترف المعاصي بحق عائلتها، فإنها اكتنزت فضائل عدة وروحا متمردة، مما جعلها شخصية متناقضة، وعن هذا التناقض يحكي يعقوب "الرضابي شخصية كاريزمية فاعلة في التاريخ الذي تكتبه، ولهذا فقد كان يعي أن التلوث في المدينة الأمنية المكهربة بالحديد والنار سيطال الجميع؛ لكنه لم يرغب بمواجهة هذا الظلم وهو يدرك مسبقا أن الفساد قد نال منه وأنهكه هو نفسه".

الأدميرال على عرشه

وبالعودة إلى أحداث الرواية، وفي مشهد اعتباطي نرى أشرف الخازن وهو يحث عمال المصنع على طلاء كل نوافذه بالنيلة الزرقاء على أنغام الأناشيد الوطنية الحماسية، أما حواس الرضابي فلم تنطل عليه حيلة الخازن ومن خلفه الأدميرال وكان على علم بزيف الحرب التي تم اختلاقها، مما دفع الخازن للتفكير جديا بقتل الرضابي.

ولهذا الغرض اتجه الخازن إلى مقصورة الرضابي ليجده ملقى على الأرض والزبد يخرج من فمه، ليؤكد الطبيب المسعف بعد ذلك أن موت الرضابي كان نتيجة لجلطة دماغية.

موت يشي بانتصار السلطة الشمولية على بطل حكايتنا، في حين يرى يعقوب بأنه "ليس انتصارا للشمولية بالمعنى الحرفي، بل هو متوالية هندسية من الأفكار التي نتناطح معها كبشر. يمكننا القول أن جورج أورويل كان في روايته "1984" يتحدث عن الاتحاد السوفياتي، لكن هذا الاتحاد انهار منذ 3 عقود ولا تزال الرواية حية تعبر عنا كبشر في كل حقبة مفترسة نعيش تحت ظلالها".

مات الرضابي في نهاية المطاف، وتم التذكير به وبمآثره في مصنع الكرتون الحكومي على عجل، واستمرت بعدها حياة المعمل كما كانت عليه، في حين ظل الأدميرال على عرشه ولم يرحل إلى منفى قصي كما تمنى وتوقع الرضابي في أولى صفحات العمل.

المصدر : الجزيرة