حملة استهدفت رمز الحقوق المدنية.. هل اعتبر مكتب التحقيقات الفدرالي مارتن لوثر كينغ تهديدا شيوعيا؟

في أكتوبر/تشرين الأول 1963، أذن روبرت كينيدي بالتنصت على المكالمات الهاتفية في منزل كينغ الذي يقع في أتلانتا ومكاتب مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، على أساس أن مكتب التحقيقات الفدرالي كان يواصل التحقيق في الاشتباه في علاقاته الشيوعية.

مارتن لوثر كينغ مناضل وخطيب ورجل دين أميركي من أصل أفريقي، اشتهر بنضاله السلمي في سبيل حصول السود الأميركيين على حقوقهم السياسية والمدنية (غيتي)

لم يكن المناضل الحقوقي الأميركي مارتن لوثر كينغ يعلم أن سفره إلى مدينة "ممفيس" لدعم إضراب جامعي القمامة هناك سيكون الأخير، إذ أُطلق عليه النار في الرابع من أبريل/نيسان 1968، لكن قبل ذلك بسنوات كان عرضة للتنصت من قبل وكالات حكومية.

في أوائل عام 1962، وافق المدعي العام روبرت كينيدي على طلب من مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيه إدغار هوفر للتنصت على منزل ومكتب محام في مدينة نيويورك يُدعى ستانلي ديفيد ليفيسون. ووفقا لمخبري مكتب التحقيقات الفدرالي، كان ليفيسون عضوا مؤثرا في الحزب الشيوعي الأميركي في أواخر 1956، وكانوا يعتقدون أنه يمارس نشاطا بطريقة مختلفة بصفته مستشارا كبيرا لأبرز الشخصيات في البلاد؛ زعيمِ الحقوق المدنية الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن.

قالت الكاتبة سارا برويت -في تقريرها الذي نشره موقع "هستوري" (HISTORY) الأميركي- إنه مع تزايد شهرة كينغ ومكانته على مدى الأعوام العديدة التالية، كثف مكتب التحقيقات الفدرالي مراقبته له في إطار برنامجه المحلي لمكافحة التجسس "مشروع كوينتيلبرو"، بحجة أن الأمر يتعلق بالأمن القومي. وقد أخفق الفحص الدقيق لمكتب كينغ في الكشف عن أية ميولات شيوعية، إلا أنه كشف عن أدلة على علاقات مزعومة لكينغ خارج نطاق الزواج. وقد حاول هوفر وعملاؤه الاستفادة من هذه المعلومات ليس فقط لتشويه سمعة كينغ وإضعافه كقائد لحركة الحقوق المدنية فحسب، وإنما لابتزازه أيضا حتى ينتحر.

حملة هوفر ضد الشيوعية وحركة الحقوق المدنية

ذكرت الكاتبة أن هوفر بنى حياته المهنية -التي دامت 5 عقود تقريبا في مكتب التحقيقات الفدرالي- على محاربة التهديد المتصور للشيوعية. ولقد ساعدت جهوده الحثيثة لاستئصال المتعاطفين المشتبه بهم خلال فترة الخوف الأولى من المد الأحمر على تعزيز صعوده السريع لقيادة مكتب التحقيقات الفدرالي في عام 1924، ولم يكن حينها قد تجاوز 29 عاما.

ومع بداية الحرب الباردة، أعاد هوفر تكريس جهوده للتحقيق مع الشيوعيين وغيرهم ممن اعتبرهم أعداء محتملين للولايات المتحدة -حيث رأى بعضهم في النقابات العمالية في هوليود والطبقة الإبداعية من بين أماكن أخرى. وبحلول وقت وفاته في عام 1972 كان هوفر قد جمع ملفات سرية لمجموعة مثيرة للاهتمام من الشخصيات العامة، من تشارلي تشابلن إلى محمد علي إلى إليانور روزفلت.

ونظرا لأن الحزب الشيوعي الأميركي دعم منذ ثلاثينيات القرن الماضي منح الأميركيين السود حقوقا مدنية أكبر، ولم يكن هوفر وحده الذي رأى في حركة الحقوق المدنية الناشئة في الخمسينيات عرضة للتأثير الشيوعي. وقد لاحظ مكتب التحقيقات الفدرالي كينغ لأول مرة في عام 1955، عندما لعب دورا رائدا في حملة مقاطعة حافلات مونتغمري.

من جانبه، ناضل كينغ بنشاط ضد الشيوعية منذ أوائل الخمسينيات فصاعدا، بحجة أنها تتعارض بشكل أساسي مع المسيحية. ومع ذلك، أُجبر طوال حياته المهنية على الدفاع عن نفسه ضد مزاعم انتسابه إلى الشيوعية.

مراقبة مكتب التحقيقات الفدرالي

أوضحت الكاتبة أن كينغ وليفيسون التقيا في عام 1956 من خلال بايارد رستن، وهو زعيم حقوقي آخر. وأصبح ليفينسون في نهاية المطاف أحد أقرب مستشاري كينغ، حيث ساعد الحركة في جمع التبرعات وكان كاتب خطب خفي، وأشرف على تحرير وتأمين صفقة نشر لكتاب كينغ الأول "خطوات نحو الحرية".

ووفق ما ذكره ديفيد غارو -كاتب سيرة كينغ- في كتابه الصادر عام 1981 "مكتب التحقيقات الفدرالي ومارتن لوثر كينغ الابن"؛ قدم المخبرون القيمون لمكتب التحقيقات الفدرالي تقارير موثوقة حول دور ليفيسون كممول رئيسي للحزب الشيوعي الأميركي من منتصف الأربعينيات إلى عام 1956. وعلى الرغم من أن ليفيسون اختفى من شؤون الحزب في الوقت الذي التقى فيه بكينغ؛ فإن هوفر ظل مقتنعا بأنه لا يزال متورطا. وكانت حججه كافية لإقناع روبرت كينيدي بالسماح بالتنصت على منزل ومكتب ليفيسون في غضون أسابيع من معرفة علاقته بكينغ.

لاحقا، حذر أعضاء إدارة كينيدي -بمن فيهم الرئيس جون إف كينيدي- كينغ شخصيا لإبعاد نفسه عن ليفيسون وشيوعي آخر مشتبه به وهو جاك أوديل الذي عمل في مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية التابع لكينغ. وبعد أن طرد كينغ أوديل في عام 1963 -ولكن استمر في العمل مع ليفيسون من خلال وسيط وهو كلارنس جونز- أذن روبرت كينيدي بالتنصت على منزل جونز ومكاتبه أيضا.

وازدادت الرقابة المسلطة على كينغ مذ ذاع صيته في عام 1963، ففي أغسطس/آب 1963، ألقى كينغ خطابه الشهير "لدي حلم" من على درجات نصب لنكولن التذكاري خلال "مسيرة واشنطن". بسبب شهرته المتزايدة، وفرض مكتب التحقيقات الفدرالي المزيد من الرقابة على كينغ.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1963، أذن روبرت كينيدي بالتنصت على المكالمات الهاتفية في منزل كينغ الذي يقع في أتلانتا ومكاتب مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، على أساس أن مكتب التحقيقات الفدرالي كان يواصل التحقيق في الاشتباه في علاقاته الشيوعية، لكن في غضون أشهر وسّع المكتب نطاق مراقبته لكينغ، ووضع أجهزة التنصت في غرف الفندق التي كان ينزل بها لجمع الأدلة على علاقات كينغ خارج إطار الزواج من أجل تشويه سمعته وإضعاف موقفه كقائد لحركة الحقوق المدنية.

التوترات بين هوفر وكينغ و"رسالة الانتحار"

حتى عندما كان كينغ يحقق انتصارات تاريخية في عام 1964 -بما في ذلك تمرير قانون الحقوق المدنية وجائزة نوبل للسلام- جعلته انتقاداته العلنية لمكتب التحقيقات الفدرالي وإخفاقه في التعامل مع انتهاكات الحقوق المدنية في الجنوب في صراع مباشر علني مع هوفر.

وبمؤتمر صحفي في نوفمبر/تشرين الثاني 1964، وصف هوفر كينغ بأنه "أسوأ كاذب في البلاد"، مما دفع كينغ للدفاع عن نفسه أمام الرأي العام وسعى لعقد اجتماع في مكتب مدير الـ"إف بي آي" (FBI) للحد من التوترات. وبعد أن التقى الرجلان لأكثر من ساعة -بمكتب هوفر في أوائل ديسمبر/كانون الأول- أخبر كينغ المراسلين بأنهما استمتعا بإجراء "مناقشة ودية للغاية"، وأكد مساعده أندرو يونغ -الذي كان حاضرا في الاجتماع في وقت لاحق- أنه "لم يكن هناك أي موقف عدائي".

بعد أيام قليلة من المؤتمر الصحفي لهوفر، صاغ سوليفان رسالة مجهولة المصدر إلى زعيم حركة الحقوق المدنية تشير إلى معرفته بوثيقة تثبت تورطه في علاقات غير مشروعة، وكتب المؤرخ بيفرلي غيج أن كينغ ورفاقه المقربين رؤوا أن الرسالة كانت تقترح أنه يجب أن يقتل نفسه.

وحُددت له مهلة مدتها 34 يوما "قبل أن تتم تعرية نفسه القذرة المخادعة أمام الأمة" وجاء في آخر الرسالة تهديد يقول إنه "لم يتبق له سوى شيء واحد".

وتم الافتراض أن مصدر الرسالة والشريط كان مكتب التحقيقات الفدرالي. وفي عام 1975، كشف محققو مجلس الشيوخ عن العثور على مسودة للرسالة في ملفات سوليفان، على الرغم من أنه أنكر علمه بها مدعيا أنها كانت من تأليف هوفر.

 الحملة المناهضة لكينغ

على الرغم من أن مكتب التحقيقات الفدرالي توقف عن التنصت على منزل كينغ في أبريل/نيسان 1965 ومكتبه في العام التالي؛ فإنه لم يتوقف عن التحقيق معه إلى غاية يوم اغتياله في ممفيس في الرابع من أبريل/نيسان 1968.

وظهرت محاولة مكتب التحقيقات الفدرالي لاستخدام حياة كينغ الشخصية ضده -بما في ذلك "رسالة الانتحار" سيئة السمعة- لأول مرة في عام 1976 بعد 4 سنوات من وفاة هوفر، إضافة إلى ظهور تقرير لجنة مجلس الشيوخ المختارة لدراسة العمليات الحكومية فيما يتعلق بالأنشطة الاستخباراتية، المعروفة باسم "لجنة تشيرش".

وذكرت "لجنة تشيرش" في قسم مخصص لتحقيقات كينغ أن "مكتب التحقيقات الفدرالي صرح بأنه لم يكن لديه أي دليل على أن الدكتور كينغ نفسه كان شيوعيا أو تربطه علاقات مع الحزب الشيوعي، وبدلا من محاولة تشويه سمعة الشيوعيين المزعومين الذين اعتقدوا أنهم كانوا يحاولون التأثير على الدكتور كينغ، اعتمد المكتب تكتيكا لمحاولة تشويه سمعة كينغ".

وفي عام 1977، رفع مساعد كينغ السابق "برنارد لي" دعوى قضائية ضد مكتب التحقيقات الفدرالي بشأن الأضرار التي تسببت فيها مراقبته لكينغ. لكن في المقابل، رفض قاضٍ فدرالي طلب "برنارد لي" إتلاف أشرطة المراقبة والنصوص، وبدلا من ذلك أمر مكتب التحقيقات الفدرالي بتسليمها إلى الأرشيف الوطني، حيث تظل مختومة إلى غاية عام 2027.

المصدر : الصحافة الأميركية + مواقع إلكترونية