"طعم النوم" للروائي الشاب طارق إمام.. عوالم عربية لروايتين عالميتين

أخلص الروائي والقاص المصري طارق إمام (ولد في عام 1977) لأسلوبه الكتابيّ منذ مجموعته القصصية الأولى "طيور جديدة لم يُفسدها الهواء" (دار شرقيات 1995)، وهو أمر ليس من السهل الحفاظ عليه، والاستمرار به، من قبل الكتّاب، ويدل من جهة أخرى على التمرين الذاتي لمعرفة دواخل النفس الكاتبة قبل الدخول في عالم النشر.

وأسلوب طارق إمام يذهب إلى ذلك المزج بين السريالية والواقعية، لتلك الدرجة التي يشعر فيها القارئ بتبدّد الحدود الصارمة بين هاتين المدرستين المختلفتين تماما.

هذا التجريب المتواصل لصاحب رواية "شريعة القطة" دفعه إلى كتابة عمله الأحدث، وهو رواية "طعم النوم" التي صدرت عن الدار المصرية اللبنانية في عدة طبعات. ويكمن هذا التجريب في عدة نواح تطرح أسئلة مثيرة في عالمي الحكاية والتأليف.

قرأ طارق إمام رواية "الجميلات النائمات" للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا (1899 – 1972) -الحائز على جائزة نوبل للأدب في عام 1968- والتي صدرت طبعتها الثانية بالعربية في عام 2006، وتأثر بها وأحبها كما أجيال كثيرة من كتّاب وقراء العربية. وكان الأمر سينتهي عند هذا الحد، عند قراءة أية رواية جديدة وعظيمة، لولا قراءته لرواية "ذاكرة غانياتي الحزينات" للكاتب الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز (1927 – 2014) -الحائز على جائزة نوبل للأدب في عام 1982- والتي صدرت طبعتها الأولى بالعربية في عام 2005.

وكان ماركيز قد تطرّق عدة مرات إلى جماليات رواية كاواباتا، لدرجة أنه تمنّى لو أنه كاتب تلك الرواية. وفيما بعد حقق أمنيته تلك بإصداره روايته "ذاكرة غانياتي الحزينات" عن نفس عوالم روايته المفضلة، رغم أن الأخيرة لم تلق الإطراء ذاته الذي تلقاه عادة أعمال غارسيا ماركيز.

ولكن ما الذي دفع طارق إمام لكتابة نسخة ثالثة عن هذه العوالم، وهل هي مناسبة لعوالم المنطقة العربية؟

حوار نقدي

في روايتي كاواباتا وماركيز يكون الراوي رجلا عجوزا يذهب إلى بيت المتعة لكي يستلقي بجانب عذراوات صغيرات ونائمات. لا يُمارس معهن الجنس، وهن لا يُمارسن الدعارة. هكذا هي فكرة هاتين الروايتين عن أناس عجائز يذهبون لبيت المتعة لكي يُمتّعوا نظرهم فقط.

أحداث هاتين الروايتين جاءت على لسان الرجل العجوز، ففكر إمام أن يكتب روايته على لسان الأنثى العذراء، وعلى لسان والدة الراوية.

غلاف رواية طعم النوم
رواية طعم النوم للكاتب الشاب طارق إمام صدرت عام 2019 (مواقع التواصل الإجتماعي)

وداخل رواية "طعم النوم" تقرأ إحدى الشخصيات مقالاً لناقد وكاتب اسمه "طارق إمام" يتحدث عن روايتي كاواباتا وماركيز، وعن شغفه بقراءة الأحداث على لسان الطرف الآخر، ويتساءل عن سبب غياب هذه الفكرة عن ماركيز، على الأقل، لأنه كتب روايته لاحقا لصدور رواية كاواباتا.

من خلال هذا المقال، الذي يأتي في القسم الثاني من الرواية، يُعلن كاتب المقال رغبته في كتابة نسخة ثالثة عن هذه العوالم، ولكن بلسان الفتيات الصغيرات وليس الرجال العجائز.

الإسكندرية

ولأن روايتي كاواباتا وماركيز تجري أحداثهما في مدينتين بحريتين، اختار طارق إمام مدينة الإسكندرية كمكان لأحداث روايته، وهي أحداث تجري خلال زمنين، من هزيمة عام 1967 إلى عشية فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في عام 2013، وكذلك انتقى اسم صاحبة البيت على أن يكون "الست روزا"، وهو قريب من اسم "روسا" صاحبة البيت في رواية ماركيز. في عام 1967 ستذهب شهرزاد إلى ذلك البيت، وسيصبح اسمها الست روزا أيضا بعد موت مالكة البيت. بينما ابنة شهرزاد ستلتحق بذلك البيت في عام 2013، وسيصبح اسمها روزا أيضا.

سنحصل مع هذين الزمنين على راويتين للأحداث، بالإضافة للراوي العالم بالأحداث، وستنقسم أحداث الرواية إلى قسمين هما "منزل النائمات" على لسان روزا الأخيرة التي لم تكن تستطيع النوم في سرير واحد مرتين، فنامت في كل بيوت الإسكندرية إلى حين دخولها ذلك البيت. و"مدينة العجائز" على لسان الأم شهرزاد التي تذهب لزيارة عجائز المدينة وتحكي لهم حكايات قبل حقن كل واحد منهم بإبرة مميتة.

الواقعية السحرية تبدأ من حالة روزا الأخيرة التي لا تستطيع النوم في سرير واحد مرتين، فكانت تذهب كل مرة إلى بيت لتنام فيه. "فور أن يُفتح الباب كنتُ أعبر، متجاهلة ذهول صاحب الشقة (..) أفتّش الغرف حتى أعثر على سرير خال، وحتى لو لم يتوفر واحد، كنتُ أتكوّم بهدوء إلى جوار نائم. في تلك اللحظة لا يعود بوسع أحد أن يوقظني". وفي الصباح كانت تنهض وتغادر ذلك البيت دون أن تلقي تحية الصباح على سكانه. "الإسكندريّة كلها عرفت حكايتي الغريبة مع النوم، حتى أن بعض مَن فتحوا لي دعوني فورا للدخول وكأنّهم كانوا في انتظاري"!

أما الراوية الأخرى الأم شهرزاد، وهي تعمل ممرضة، فكانت تفعل عكس ما تفعله ابنتها روزا. "فالعجائز يتعرّون لها لكي تُنيمهم بحقنة، بينما سأتعرّى أنا للرجال مُنوَّمة بحقنة. هي تحكي لهم، بينما جئتُ أنا هنا لكي أنصت لهم. نتفق أنا وأمي في شيء واحد؛ أن كلينا تُنهي عملها في الصباح، هي لكي تنام وقد أجهدها الحكي أكثر مما أجهدها العمل، وأنا لكي أستيقظ".

ثلاث روايات

محور العمل هو كتابة هذه الرواية عن عوالم بيت روزا وفتياتها العذراوات، وكذلك عن الكاتب العجوز الذي دخل البيت ليكتب روايته عن ذلك المكان، فوقع في حب البنت روزا. ولكن لن يكون الرجل فقط هو الذي يكتب رواية عن هذا المكان وشخوصه، بل هناك أكثر من مؤلف. "رجل يكتب رواية عن فتاة أثناء نومها، الفتاة تكتب رواية عن الرجل أثناء نومه، وامرأة تكتب رواية عن الرجل والفتاة أثناء نومهما. ثلاث روايات، على واحدة منها أن تنجو وتميت الآخرين". وهكذا تجري الأمور بين صوتين ثم ثلاثة ضمن الحكاية الإطار وضمن الحكايات المتوالدة عنها، كأننا أمام نسخة جديدة من روح "ألف ليلة وليلة".

الفانتازيا تظهر في كثير من مفاصل العمل، كقصة صاحب المعمل، الذي تعمل فيه روزا الصغيرة، وابتلاعه كل مرة لفتاة تجلس على كرسي معيّن، وكذلك مقتله أكثر من مرة وعودته للحياة أكثر من مرة. وهذا ما ينطبق على القوّاد الذي كان يعمل في ذلك البيت عند الست روزا الكبيرة.

كذلك الفانتازيا الممتعة تظهر مع شخصية "الرملي" الذي يبيع كتبا غريبة وعجيبة للقرّاء، ومنها الكتاب الذي تنمحي سطوره بمجرد قراءة تلك السطور، والكتاب الآخر الذي لا تظهر كلماته إلا لقارئ معين، بينما يستغلق على قراء آخرين.. وهكذا مع الكثير من قصص الكتب العجائبية التي يوردها طارق إمام بجمالية عالية.

رواية نخبوية أم شعبية؟

ربما يضيع القارئ إذا لم يحرص على الانتباه الشديد خلال قراءة هذا العمل الجديد من الروائي المصري الذي نال جائزة "ساويرس" مرتين، واحدة عن أفضل رواية في عام 2008، وواحدة عن أفضل مجموعة قصصية في عام 2010. والذي نال أيضا الجائزة المركزية الأولى لوزارة الثقافة المصرية عامي 2004 و2006 عن أفضل مجموعة قصصية.

هذا الضياع ربما يحدث بسبب الشخصيات النسائية التي تحمل الاسم نفسه، وبسبب العجائز الذين يحملون المصير ذاته في مدينة تحوّل حتى أطفالها إلى عجائز.

هذه الواقعية السحرية وهذه الفانتازيا التي يستعملها بكثرة طارق إمام، مع معارضة روايتين عالميتين قد تجعلنا نفكر بأن رواية "طعم النوم" هي رواية نخبوية وليست شعبية. ولكن طارق إمام وجد خلاف ذلك، وقد برر ذلك بقوله للجزيرة نت: "فاجأتني هذه الرواية مثلاً بمقروئية عالية ممن ندعوهم بالقراء العاديين، عبّر عنها عدد هائل من (الريفيوهات) في (جروبات) القراءة".

ويضيف إمام "كذلك طُبعت الرواية أكثر من مرة وأُدرجت ضمن قوائم الأعلى مبيعا. شخصيا لم أتوقع ذلك، حتى ناشرتي نقلت لي نفس التخوف قبل النشر، لكني أعتقد أن هناك جيلا كاملا جديدا من القراء يميلون من حيث التكوين للأدب فوق الواقعي، بل ويجيدون التعامل مع شفراته وربما يرون في كتابتي اتصالاً ما بالنصوص الخيالية المكوّنة لوجدانهم، لكن ضمن إطار الأدب الملتفت لأدبيته". وربما يبدد ذلك كذلك أن هذه الرواية طبعت في 3 طبعات، وتجهز دار النشر طبعتها الرابعة.

رواية "طعم النوم" تحتوي على الكثير من الأسئلة التي يطرحها الرواة في قسمي الرواية، وتستفزّ القارئ للمشاركة في الإجابة عن الكثير منها. وتطرح سؤالاً آخر عن مناسبتها للعوالم العربية. وكذلك هي رواية عن التجريب وتأليف الفكرة والشخصيات من أجل تحقيق حلم روائي آخر لا يُمكن العدول عنه.

المصدر : الجزيرة