قراءة في كتب جون غراي.. لماذا نسوّغ الحروب والمآسي بالأهداف النبيلة؟

الإيمان بالمستقبل المثالي الذي وعدت به الليبرالية الإنسانية ذات يوم يتضاءل شيئا فشيئا، ويترك مكانه لمعتقدات تؤمن بضرورة العودة إلى الماضي للبحث عن حلول لمشكلات البشرية.

"A masked American soldier withstands a sandstorm in Baghdad, Iraq."
جندي أميركي ملثم أمام عاصفة رملية في العاصمة العراقية بغداد (غيتي)

يعتقد الناس أن تجارب الحرب المريرة هي ما يصعّب على الجنود العودة إلى الحياة الطبيعية، لكن السبب يعود غالبا إلى أن الجندي يفقد بعد الحرب إيمانه بالقيم والأهداف التي كان يقاتل من أجلها. وتلخص كتب الفيلسوف الإنجليزي جون غراي وأفكاره ذلك الفرق الهائل بين الأهداف النبيلة والواقع الإنساني الأليم.

ففي تقرير نشره موقع "إيون" (Aeon) الأميركي، يقول الكاتب أندي أوين إن أول مرة قرأ فيها كتابا لجون غراي، البروفسور في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، كانت في مقاطعة هلمند بأفغانستان؛ إذ قرأ كتاب "القداس الأسود: الدين المروّع وموت المدينة الفاضلة" (2007)، الذي تحدث فيه عن الكيفية التي روّج بها رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش ورئيس وزراء المملكة المتحدة توني بلير "لحربهما على الإرهاب على أنها كفاح لتشكيل القرن الأميركي الجديد، قرن الديمقراطية الليبرالية، قرن الحرية الشخصية والأسواق المفتوحة".

أهداف الحرب والواقع الأليم

يقول الكاتب إنه شاهد بعينيه أثناء وجوده في العراق كيف دمّرت الطائفية والحرب البنية التحتية وشردت العراقيين وفكّكت النسيج الضحل للدولة، دون تحقيق تلك الغايات والأهداف.

وحسب رأيه، لم يكن هناك شك في أن نفط العراق غير المستغل، والرد على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 كانا أبرز الأهداف من وراء غزو العراق وأفغانستان، لكن كلتا الحربين كان لهما دوافع أيديولوجية أيضا.

ويذكر الكاتب أنه انضم إلى الجيش البريطاني قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وكان يعتقد أنه يمكن استخدام القوة من أجل تحقيق الخير، وأنه من الواجب فعل ذلك. وبعد الفشل في التصدي لعمليات الإبادة الجماعية في رواندا وسربرنيتسا، تطور مفهوم مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الشعوب، لتتشكل فكرة أنه عندما تكون الدولة "غير قادرة أو غير راغبة" في حماية شعبها، فإن المسؤولية تنتقل إلى المجتمع الدولي، ويصبح التدخل العسكري مسموحا به على أنه الملاذ الأخير.

ويضيف الكاتب أنه رغم عدم وجود قرار من الأمم المتحدة يتيح التدخل في العراق، فإن كثيرا من الجنود الذين خاضوا تلك الحرب كانوا يعتقدون أنهم يفعلون الشيء الصحيح، "لقد أقنعنا أنفسنا بذلك، وبفكرة جعل المنطقة أكثر أمانا بالاستيلاء على أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الرئيس العراقي صدام حسين، كنا هناك لإنقاذ الشعب العراقي من حكومته واستبدالها بالديمقراطية الليبرالية. كان هذا الشعور مقنعا لدرجة أنه جعل كثيرا من الجنود يشعرون بأن العراقيين كانوا جاحدين إلى حد ما عندما بدؤوا بإطلاق النار علينا لأننا كنا نغزو بلادهم".

ويؤكد الكاتب أنه عندما عاد إلى العراق عام 2005، اتضح له أنه لن يُعثر على أي أسلحة دمار شامل، ولاحظ أن المعنويات في حالة من الانهيار إذ اتسعت الفجوة بين أهداف تلك الحرب وما حدث على أرض الواقع، وكان جليًّا أن الوضع الأمني لن يتحسن ما دام الجنود الأجانب موجودين هناك.

ركزت الانتقادات الموجهة لفشل الغزو على الخطأ الكبير الذي ارتُكب بحلّ مؤسسات الدولة العراقية، والافتقار إلى التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب، في حين تجاهل المحللون -وفقا للكاتب- "الأهداف المثالية التي قام عليها المشروع بأكمله".

تفكير طوباوي

ويقول الكاتب أوين إنه استطاع فقط عن طريق كلمات غراي أن يلاحظ أوجه التشابه بين أهداف الأيديولوجيات الستالينية والفاشية والنازية وحتى أطروحات تنظيم القاعدة، وأهداف "حرب بوش على الإرهاب"، حسب تعبيره.

وحسب رأيه، فقد أظهر غراي أن جميع هذه الأفكار هي مجرّد أشكال مختلفة من التفكير الطوباوي (المثالي) الذي يتمحور حول الأهداف النبيلة التي تسوّغ استخدام العنف للتخلص من الجهل وتحقيق المستقبل المنشود.

ويكرر غراي في كتبه أنه رغم المكاسب المادية التي حققتها الحضارة الغربية، فلا يمكن الجزم بأن التطور العلمي والتكنولوجي يعني بالضرورة انتشار الأخلاق أو الثقافة. وحتى إن حدث ذلك في مرحلة معينة فلا يعني أن هذا التقدم والرقي الأخلاقي سيدوم طويلا، ومن يعتقد العكس، فقد أساء فهم الطبيعة الإبداعية والمدمرة للذات البشرية، ولم يدرك الطبيعة الدورية للتاريخ.

ويشير غراي إلى أن عمليات التعذيب التي وقعت في العراق، مثال صارخ يوضح البون الشاسع بين الأهداف التي أعلنتها الديمقراطية الليبرالية الأولى في العالم -الولايات المتحدة- أثناء حربها على الإرهاب، وبين الممارسات الفظيعة على أرض الواقع.

ويرى غراي أن ذلك يعود أساسا إلى التفكير الطوباوي الذي يقوم على نظرية أن الغاية تبرر الوسيلة، ويكون مثل هذا التفكير في الغالب مصحوبا بإحدى السمات التي ميزت الحربين على العراق وأفغانستان، وهي سمة الغطرسة.

وقد كانت أسطورة التفوق البشري موضوعا رئيسا لأفضل كتب غراي مبيعا، كتاب "كلاب من قش: أفكار عن البشر والحيوانات الأخرى (2002)" (straw dogs thoughts on humans and other animals)، الذي يهاجم فيه ما يعتقد أنه الإيمان الوهمي بأن جنسنا متميز عن بقية الأجناس، وهو فريد في الكون من خلال الوعي الذاتي والعقل.

وفي نظر غراي، "الإنسانية الليبرالية" هي إيمان شبه ديني قيد التطور، يقوم على تقديس القوة الذاتية للعقل، والأسواق الحرة، والإمكانات غير المحدودة للتكنولوجيا. ويعرّف التنوير على أنه النقطة التي تم فيها الاستيلاء على عقيدة الخلاص المسيحية للخلاص من قبل المثالية العلمانية التي تطورت لتفرز النزعة الإنسانية الليبرالية الحديثة.

ويرى غراي، في "كلاب من قش"، أن المستقبل سيشهد انتقام الأرض من البشر الذين أسرفوا في نهب مواردها، فالتوازن لا بد من أن يعود إلى النظام البيئي. ولما كان غراي يرى أن "التقدم والتقتيل الجماعي يسيران جنبا إلى جنب (من حيث ما توفره التكنولوجيا الحديثة من تطوير وكفاءة لتكنولوجيا القتل) و"أن حروب المستقبل سوف تدور حول الموارد الطبيعية الناضبة"، فإن رؤيته للألفية الجديدة تستشرف حربا يسقط فيها عشرات الملايين من الضحايا من أجل الحصول على الوقود أو الاحتياطات المعدنية.

وسوف تعمل الخسائر الكبيرة في الأرواح على التخفيف من الندرة التي قادت في الأصل إلى الحرب، وهو سيناريو مرعب، إذ يظهر أن القفزات الهائلة التي حققها البشر في التكنولوجيا سوف تكون الوسيلة التي ننكفئ من خلالها إلى ماضينا الوحشي لكن بنتائج أخطر وأقسى في هذه المرة. ويوجز غراي رأيه هذا بالقول "إذا أقلق البشر توازن الطبيعة فإن الطبيعة ستسحقهم وتزيحهم جانبا".

نصائح غراي

ويضيف الكاتب أنه في ظل فشل حربي العراق وأفغانستان، وأزمة 2008 المالية، ومشكلات المناخ، والآن جائحة كورونا، فإن الإيمان بالمستقبل المثالي الذي وعدت به الليبرالية الإنسانية ذات يوم يتضاءل شيئا فشيئا، ويترك مكانه لمعتقدات تؤمن بضرورة العودة إلى الماضي للبحث عن حلول لمشكلات البشرية.

وينظر غراي في كتابه "كلاب من قش" بكثير من التشاؤم إلى مستقبل البشرية، فيشبّه مصير الإنسان بمصير كلاب القش في الطقوس الصينية القديمة، إذ كانت تعامل بأقصى درجات الاحترام، لكنها تقدم لاحقا قرابين للآلهة.

وبالنسبة لكثيرين، تعد هذه الرؤية قاتمة جدا، وقد وصف أحد النقاد تشبيه غراي للبشر بكلاب القش بأنه "تشاؤم مفرط" وأن الكتاب "بلا رحمة، ونمطه رتيب وسلبي". وقال ناقد آخر إن غراي يبشر بسياسة التقاعس عن العمل. لكن غراي لم يقتنع أبدا بفكرة أن كتابه يروّج لفلسفة التشاؤم واليأس، وهو يرى أن الكتاب يقترح حلولا لمشكلات الإنسانية على المستويين السياسي والفردي.

فعلى المستوى السياسي، وفي مواجهة تاريخنا الحافل بالعنف، ينصح غراي بالتخلي عن الاعتقاد بالأهداف الطوباوية واعتماد شكل من الواقعية السياسية التي تقبل بوجود معضلات أخلاقية وسياسية لا حلول لها.

وعلى المستوى الفردي، يدعو غراي إلى التخلص من فكرة تحقيق الأهداف الشاملة التي لا يمكن الوصول إليها، ويدعو بدلا من ذلك إلى التأمل أكثر في الحياة، وأن نعيشها لحظة بلحظة، وأن نحاول احتضان عيوبنا.

نقد الكتاب

ورأى العرض الذي قدمته "كامبردج بوك ريفيوز" (Book Reviews-Cambridge University Press) أن "كلاب من قش" كتاب مسلّ بشكل من الأشكال رغم قسوته والشعور بالذنب الذي يطغى على قارئه. فهو يتكون من 6 فصول مقسمة بدورها إلى وحدات أصغر لا تترابط في ما بينها بتتابع زمني أو موضوعي، وهذا ما يجعل الكتاب تحدّيا للتبويب الهيكلي، إلا أنه يتمتع بنمط من الشكل المادي الواثق الذي يضفي نوعا غريبا من المتانة على عملية التحليل التي يخضع لها غراي النسيج الاجتماعي.

لكنّ ثمة قسطا من الغموض يظل يكتنف الغرض الذي يريد المؤلف التوصل إليه بكتابه "كلاب من قش". فالكتاب لا يتضمن دعوة إلى عمل شيء ما لأن الرسالة الرئيسة التي يبدو أن غراي يريد إيصالها إلى القارئ تفيد بأننا -من أجل أن نتمكن من رؤية العالم على ما هو عليه- ينبغي لنا أن نتقبل أننا غير قادرين على رؤية الكثير أو عمل الكثير إزاء ما نستطيع رؤيته.

وفي بعض المواضع تصبح لغة غراي مشتتة نوعا ما، وذلك يتطلب من القارئ بعض التوقف لاستيعاب المعنى، لكن غراي بوجه عام يكتب بوضوح وجلاء رغم كل التعقيدات التي تحفل بها طروحاته.

قد لا ينجح غراي في نهاية المطاف في تغيير أفكارنا، لكنه يترك تأثيره في الآراء والمواقف. ولا بد للقارئ من أن ينتهي بعد قراءة الكتاب إلى التأمل في أشياء كثيرة من حولنا ننظر إليها ونأخذها على أنها مسلمات، في حين أنها تنطوي على اختلالات إن لم تكن جرائم لا تحصى.

المصدر : مواقع إلكترونية