"مكنة صيني".. دراجة نارية تختصر حياة الإنسان المصري البسيط

قد تكون الدراجة النارية (الموتوسیكل) وسیلة للترفیه في حیاة بعض الناس، لكنها تعد محور حكایات عشرات الآلاف من بسطاء المصریین، فلم تعد فقط وسيلة نقل رخيصة وسريعة، بل تحولت للتعبير عن رفض الواقع ومقاومة عادات وتقاليد المجتمع.
يروي فيلم "مكنة صيني" -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية- قصص شخصيات مصرية من أصحاب هذه الدراجات حيث نرى من خلالهم عوالم مختلفة تجتمع حول هذه "المكنة".
الجزار.. ألعاب ملك الرفع في بولاق
البداية ستكون مع الجزار ويسمى أيضا "ملك الرفع في بولاق" أي أنه يستطيع أن يسير بالدراجة النارية على إطار واحد لمسافات طويلة، واكتسب هذا اللقب لأنه عمل لفترة مع والده في بيع اللحوم، لكنه اتبع شغفه وباتت حياته تختصر بـ"رفع المُكن"، أي أداء الحركات البهلوانية والأكروباتية بالدراجة النارية، ومن حبه للدراجات تعلم تصليحها بنفسه، وفتح ورشة لتصليحها والتعديل عليها.
ويقول "الجزار" إن أكثر ما يهتم به في حياته هو "الرفع بالمكن"، فعندما ينهي عمله في الورشة يذهب مباشرة لهوايته، ورغم أنه تعرض لحادث عام 2007، فإن شغفه لم يتوقف، لأنه يريد أن يقوم بعمل مختلف عن الجميع.

كما لفت إلى المجاملات الاجتماعية في موضوع العروض في الدراجات النارية، إذ كل شخص يحاول أن يجامل صديقه أو قريبه في حفل زفافه، ويقوم ببعض الحركات البهلوانية على الدراجات لإضفاء شيء من الحماس والفرحة في العرس، ويقول الجزار إنه من الممكن أن يحضر 5 أو 6 حفلات زفاف في ليلة واحدة ويتنقل بينها ويقدم عروضه فيها.
يقول الجزار: الأطفال يقلدوني ويركبون درجاتهم الهوائية على إطار واحد، وأنا أقدم لهم النصح بأن لا يتوقفوا عن هذا، ولكن عليهم أن يحذروا، هذه الحركات خطيرة في رأي الكثير من الناس، ولكنها بالنسبة لي عادية، وفي حال سقطت أو تعرضت لحادث، فهذا نصيب.

الأباصيري.. متجر يهتدي إليه أصحاب المهن اليدوية
من الجزار إلى الأباصيري الذي يملك متجرا لبيع قطع غيار الدراجات، وهو المورد الرئيسي لهذه القطع لأصحابه وأبناء منطقته الذين يملكون الدراجات النارية، فهذا الرجل يحفظ الدراجات عن ظهر قلب، ويعرف كل قطعة فيها وطريقة إصلاحها وتغييرها، ومن أين تأتي بقطع الغيار وبأفضل سعر، وهذه المهنة اكتسبها بالخبرة حيث عمل في الورش والمعارض لأكثر من 15 عاما أي من وقت دخول الدراجات الصينية إلى مصر.
ويقول الأباصيري: منطقة بولاق هي المكان الرئيسي لقطع غيار الدراجات، فالدراجة في منطقتنا هي جزء أساسي من الحياة ومصدر رزق الكثيرين، ومن بينهم عمال التوصيل إلى المنازل، متاجر بيع الدراجات انتشرت بشكل واسع في منطقتنا، لأنها وسيلة نقل رخيصة وسريعة، وخاصة لأصحاب المهن اليدوية الذين يجب أن يحضروا بسرعة لتلبية طلبات الزبائن.

أم إيهاب.. اقتحام المرأة عالم الدراجات
باتت الدراجات ظاهرة منتشرة في مصر، ولا تقتصر على الشباب والرجال، إذ دخلت هذا المجال السيدات، ومن بينهن أم إيهاب التي تساعد زوجها في محله الذي يبيع ويؤجر ويصلح فيه الدراجات النارية، ففي غياب زوجها تقوم أم إيهاب بتأجير الدراجات النارية والهوائية، وتعرف أيضا تصليح أشياء قليلة فيها، فزوجها كان يعمل سابقا في الدراجات الهوائية، ولكن بعد دخول الدارجات النارية إلى مصر واكبوا العصر، لأن أرباحها أكثر.
تقول أم إيهاب: زوجي يعمل في هذه المهنة منذ 45 عاما، وقد بدأ العمل في الدراجات الهوائية ثم انتقلنا إلى الدراجات النارية، وأنا أتأكد في البداية أن الذي يريد استئجار الدراجة يعرف قيادتها، ثم آخذ منه رهنا حتى أضمن أنه سيعيدها سليمة، وأضمن حقي لأن الدراجة غالية.
وتتابع: هناك فتيات تقدن الدراجات النارية، ويأتين دائما لاستئجارها في الأعياد والمناسبات، كما أن ابنتي وحفيدتي تتقنان قيادة الدراجات النارية.

ثورة يناير.. إسعاف شعبي على ظهور الدراجات
أما محمد لمبو فلديه قصة مختلفة تماما، ففي أحداث ميدان محمد محمود إبان الثورة المصرية في 2011، كان صغيرا ولا يشارك، ودفعه تزايد أعداد الإصابات هو وصديقه لاستخدام "الموتوسيكل" لنقل المصابين إلى المستشفى وكان من بين الناس الذين عُرفوا بعد ذلك بما يسمى "الإسعاف الشعبي".
ويقول لمبو -وهو الوحيد بين أصدقائه الذي يعمل سائق شاحنات-: إبان الثورة المصرية وخلال مصادمات المتظاهرين ورجال الأمن كنت أضع 7 مصابين على الدراجة، وأنقلهم إلى المستشفى، بدأت القصة عندما كنت واقفا أنا وصديقي إسلام قرب خيمة الأطباء، وطلب مني أحدهم نقل المصاب إلى المستشفى، لأن حالته خطيرة.
تطور الموضوع حتى أصبحت الدراجات الناقل الأساسي للجرحى الذين يسقطون في ميدان التحرير. ويعود إسلام بالذاكرة إلى 2011، ويقول: كان هناك نحو 25 نقطة إسعافات أولية، وطلب مني أن استخدم الدراجة لنقل الجرحى على أن يؤمن متظاهرون طريق الدراجة حتى لا أصطدم بأحد، فالدراجات النارية كانت وقتها تمثل الحياة بالنسبة لنا، وسبب اعتماد الثوار على الدراجة أن المصابين الذين ينقلون بسيارات الإسعاف لا يصلون إلى المستشفيات، ولا أحد يعلم مصيرهم أو ماذا حل بهم.
ويتابع إسلام قائلا: في إحدى المرات ضربت قوى الأمن قنابل الغاز لتفريق المتظاهرين، فجاءت إحداها في صدر أحدهم بطريقة مباشرة وأدت إلى كسور فوضعته على الدراجة ونقلته إلى داخل الميدان، وبعد دقائق سلم الروح لبارئها.
ويقول لمبو: لو عاد بي الزمان مرة أخرى، فسوف أكرر ما فعلته، لأني كنت أشعر بأنه في سبيل الله.

علاج الاكتئاب.. إرث أقدم ورشة دراجات في مصر
لا تقف تأثيرات الدراجات النارية في المجتمع المصري عند الاستعراض والرزق والنقل وإسعاف المصابين، بل لمعالجة الاكتئاب أيضا، وهذا ما حصل مع علي زين العابدين حفيد صاحب أقدم ورشة دراجات ووارث المهنة من جده، ولكن هذه الورشة متخصصة بتصليح الدراجات النارية غالية الثمن وليست الشعبية، وفي أوقات فراغه يشارك علي في رحلات ينظمها عاشقو الدراجات النارية.
يقول عليّ: الدراجات النارية علاج من الاكتئاب، وهذا حصل معي شخصيا بعدما توفى والدي، ودخلت في حالة نفسية، ولم يساعدني في الخروج من هذا الموضوع سوى الدراجة، فبعد يومين أو ثلاثة من وفاته، ركبت الدراجة النارية وزرته بها في قبره، ومن بعدها بدأت أعود لحياتي الطبيعية تدريجيا.
ويروي علي أنهم يعملون في هذه المهنة منذ أكثر من مئة عام، فجده علم والده، ووالده علمه هو، وهو سيعلم أطفاله هذه المهنة، ويقول: نحن لا نتعامل مع الدراجات الصينية والهندية، لأننا منذ أن افتتحنا هذه الورشة ونحن نتعامل مع الدراجات القديمة والمتينة والعلامات العالمية، ولا أستطيع أن أنزل للمنتجات الصينية والهندية، فأنا أحاول أن أنشر ثقافة الدراجات النارية في مواجهة من يريد الإضرار بسمعتها وتحويلها لوسيلة سرقة وتعدي على الناس.
ولأن الدراجة النارية ليست وسيلة نقل فقط للبعض، بل يعتبرها صديقته التي يريد أن يراها دائما بأبهى حلة، فلا بد أن يزينها بأحدث وأجمل الإضافات (الإكسسوارات)، وهنا يأتي دور "قباقا" الذي يوصف بأنه فنان تزيين الدراجات، فقد أتقن المهنة في القاهرة، وعاد إلى محافظة الفيوم ليفتح فيها محل زينة يبيع فيه إضاءة وملصقات ومكبرات للصوت وكل ما يحتاجه صاحب الدراجة ليدلل آلته.

دراجات الصعيد.. سند المزارع والأجرة وعكاز ذوي الاحتياجات الخاصة
وكما في محافظات مصرية أخرى، فإن الدراجة النارية في الفيوم هي وسيلة النقل الفضلى للناس، كما تستخدم كوسيلة أجرة يتنقل بها الزبون من قرية إلى أخرى، ومن بين الذين يستخدمونها في تنقلاتهم رجل اسمه العم أحمد، وهو مزراع من محافظة الفيوم، والدراجة النارية بالنسبة له أفضل من الحمار، فقد وجد أنها أفضل له في نقل السماد وما يحتاجه للزراعة بسرعة أكبر وأوفر، ولا يستخدم الحمار إلا للرحلات القصيرة.
أما سيّد فهو يعتمد على الدراجة في الحصول على قوت يومه، فالرجل يعمل موظفا في شركة سيراميك صباحا، وبعد الظهر يعمل في موقف للدراجات، ويعمل كسائق أجرة، وفي الإجازات الأسبوعية يشارك في أفراح ويزف العريس والعروس، ويحصل مقابل ذلك على أجر يعينه على إعالة عائلته المكونة من زوجته وولدين.
والتعمق بعالم الدراجات في مصر أكثر يوصلنا إلى أن أصحاب الاحتياجات الخاصة الذين لديهم دراجاتهم الخاصة أيضا، فحمدي جاد أحد هؤلاء، وهو موظف في مدرسة ابتدائية بمحافظة الفيوم، ويعد الدراجة عكازه الذي يساعده في الذهاب لعمله وقضاء مصالحه وحاجياته. والطلاب في المدرسة يحبون العم حمدي والركوب خلفه على الدراجة النارية، وكل أصحاب الهمم لديهم ميكانيكي يرتب لهم دراجاتهم حسب احتياجاتهم الخاصة.

عمال التوصيل.. أرزاق بنكهة الخطر في عصر كورونا
وبما أن الحياة تتطور، كان على أصحاب الدراجات مواكبة هذا التطور، فالذين كانوا يعملون في توصيل الطلبات لدى المطاعم، باتوا الآن موظفين في التطبيقات التي توصل كل شيء إلى أبواب المنازل.
هذه التطبيقات كانت باب رزق لآلاف الشباب بمصر، وكانت سببا إضافيا لانتشار الدراجة في البلاد، ولكنهم يشكون من سوء معاملة بعض الزبائن وعدم تقدير عملهم، فبعض الزبائن يريدون أن تصل طلباتهم إلى داخل غرف نومهم، إضافة إلى أن هناك كثيرا من الزبائن يدفعون ثمن طلبهم فقط، دون الإكرامية التي ينتظرها عامل التوصيل.
وأهم الصعوبات التي يصادفها عمال توصيل الطلبات هي الحوادث التي تترك على السائقين آثارا جسدية ونفسية. يقول إسلام -وهو أحد العاملين في مجال توصيل الطلبات- إنه تعرض لحادثة على الدراجة النارية احتاجت لثلاث عمليات والبقاء في المنزل دون عمل لفترة طويلة، لكنه اضطر للعودة لهذا المجال، لأنه لم يجد أي عمل آخر، وكان يمني النفس بترك هذه المهنة بسبب إصابته، ولكنه تأكد أنها مصدر الرزق الوحيد المتاح.
وبعدما ضرب فيروس كورنا مصر والعالم وشل الدول ودفعها لفرض إغلاقات عامة، كان عمال توصيل الطلبات إلى المنازل من الفئة المستثناة التي استمرت في تقديم خدماتها للناس وإيصال طلباتهم حتى أبواب منازلهم.
وفي هذا السياق، يقول نادر العامل في مجال التوصيل: العمل في هذه الأجواء خطير جدا، والخوف بيننا وبين العميل متبادل، الشغل تراجع بنسبة 75% عن الفترة الماضية، فنحن نعد من الفئة الأخطر في الشارع لأننا نقابل كثيرا من الناس، فبعض الزبائن يعاملوننا بحذر شديد، ويمكن أن يعقموك أنت ثم الحاجات، ويمكن أن تستمر هذه العملية لربع ساعة قبل أن يستلم طلباته.

"في كل يوم نخرج من منازلنا نضع أرواحنا على أكفنا"
يقول عامل التوصيل إسلام: في كل يوم نخرج من منازلنا نضع أرواحنا على أكفنا، ولا نعلم ما إذا كنا سنعود سليمين معافين، نحاول أن نلتزم بالإجراءات والاحترازات الصحية، ولكن لا نعلم إن كان هذا كافيا كي لا نصاب بالفيروس، فأنا أعاني من ضيق في التنفس ولكن لا أستطيع نزع الكمامة، ورغم كل هذه الإجراءات فبعض الزبائن يتعاملون معنا بشكل غير لطيف، وكأن عمال التوصيل هم فيروس كورونا قادم لمنزله، العمل تراجع بشكل مخيف ومعظم السائقين باتوا من غير عمل.
وبعد العودة للمنزل من هذه المهمة الخطيرة تبدأ مهمة أخرى لعمال توصيل الطلبات وهي تأمين منازلهم وعائلاتهم وأولادهم خوفا من أن ينقلوا الفيروس إلى ذويهم.
وينتهي الفيلم بعرس الجزار الذي شهد -بحسب وصفه- ثورة الدراجات، إذ تدفق عشرات الشباب على دراجاتهم النارية لمجاملة الجزار والمشاركة في فرحه، وزفه هو وعروسته كما كان يفعل هو مع كثير من أصدقائه.