حدث في الذاكرة.. جمانة مصطفى والصعاليك وهوس الشعراء وسلالاتهم

في هذه الزاوية تفتح الجزيرة نت مساحة لكاتبات وكتّاب لكي يتحدثوا عن الحدث أو الحادث الذي غيّر حياتهم، وجعل منهم شعراء أو روائيين أو قصاصا وأيضا مسرحيين ومترجمين أو حتى ناشرين، بخلاف توقعات الأهل أو الأصدقاء.
في الوقت ذاته، تعتبر هذه الزاوية نافذة للقارئ والمتابع لكي يتعرّف على جزء حميميّ وربما سرّي لمبدعين مختلفين في طرق وأساليب التفكير والحياة والكتابة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsضيفتنا اليوم الشاعرة الفلسطينيّة الأردنيّة جمانة مصطفى، التي رحلت عائلتها من فلسطين إلى الكويت حيث وُلدت في عام 1977. ولاحقا عادت العائلة إلى الأردن حيث أنهت تعليمها.
نيلها الإجازة في الحقوق، وعملها في مؤسسات المجتمع المدني مدافعة عن حق التعبير وحق الاعتقاد، لم يمنعاها من العمل في الإعلام المرئي والمكتوب.
خلال ذلك أصدرت جمانة أربع مجموعات شعرية بدأتها بمجموعة "غبطة برّية (2007) عن دار الفارابي، ثم "عشر نساء" (2009) عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أتبعتها بمجوعة "لن أقول ما رأيت" (2012) عن دار الأهلية، ثم "اعتدتُ ألاّ يراني أحد" (2015) عن دار الأهلية. ولها ديوان خامس سيصدر قريبا بعنوان "ليست أجمل مَن في قريش".
أسّست جمانة مصطفى مهرجانين متميّزين في الأردن، كان الأول مهرجان "شعر في مسرح"، الذي استمر من عام 2007 وحتى عام 2011، واعتمد على السينوغرافيا المستوحاة من قصائد للشعراء الضيوف.
أما المهرجان الثاني "خان الفنون" فضم الشعر والموسيقى والغناء والرقص والرسم التشكيلي والترجمات الأدبية، وقد عُقد لدورتين في عامي 2014 و2016، وتوقف بعد ذلك بسبب نقص التمويل، لكن محاولاتها لإحيائه لا تزال قائمة.
إضافة إلى ذلك، شاركت جمانة في العديد من المهرجانات والأنطولوجيات العربية والأوروبية، وتُرجمت قصائد لها إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، علاوة على الإيطالية حيث صدرت لها مجموعة مترجمة إلى هذه اللغة بعنوان "أتعثّر كلما مشيتُ على مهل" (2019).
وهنا شهادتها عن الأسئلة التي طرحتها عليها الجزيرة نت.
إلغاء الخيار الحرّ
يميل معظم كتبة الشعر إلى الاعتقاد أنهم خلقوا شعراء ولم يصبحوا كذلك، والفرق البسيط بين الفكرتين هو إحالة الكتابة إلى الموهبة في حالة أن تُخلق شاعرا. وأقصد بالموهبة تلك الهبة الربانية التي تُمنح للمولود وتجعل منه شاعرا، وبكل ما تحمله الكلمة من معاني التفرّد غير القابل للنقض.
مشكلتي مع فكرة الموهبة أنها تلغي الخيار الحرّ، وأنها تُهمّش مفهوم الاجتهاد، وبالتالي استحقاق النجاح الذي وصل إليه الشاعر، والأهم أنها لا تأخذ في الاعتبار العوامل المكتسبة من البيئة والتربية وظروف النشأة التي دفعت بسين من الناس إلى الشعر وطوّرته بما يكفي ليصبح مشروع حياة.
قد لا أستطيع تذكر لحظة ذهبية شكلت المفترق الذي جعل مني شاعرة، لكنني على ثقة بأنني أصبحت كذلك ولم أخلق.
بدأت الكتابة في سن مبكرة، لعلها مبكرة جدا، ولعلها كانت طريقتي للبحث عن تفرّدي كطفلة صموت لا تلفت الانتباه بأي شكل، قلما يمتدحها أحدهم أو يخبرها أنها جميلة أو ذكية أو "موهوبة".
العثور على الشعر
كان الشعر هو ما عثرتُ عليه في مكتبة والدي الراحل، فتقمّصته بسرعة، وتحديدا كتاب "قول على قول" للراحل حسن الكرمي، الذي وثّق فيه برنامجه الذي يحمل الاسم نفسه على إذاعة "بي بي سي"، والذي استمر لقرابة الأربعين عاما، حيث كان يستقبل رسائل من كل الوطن العربي تسأله عن قصة هذا المثل أو تكملة هذه القصيدة، وكان يجيب بكل أمانة العالم واسترساله، وكانت صيغة السؤال والجواب سهلة، لفهم طفلة صغيرة، بل ممتعة.
حين عملتُ في الصحافة كان حسن الكرمي أول شخصية أقابلها وأحاورها. لقد جلستُ أمامه كمن يجلس أمام "زيّوس"، وحولنا ما لا يقل عن عشرين ألف كتاب، كلّها مراجع في الأدب العربي القديم، وحين انتقلت إلى منزلي حرصت على أن تكون هذه المجموعة العظيمة من أولى مقتنيات المكتبة، وسأكون حريصة على ذكره وذكر فضله علّي في كل لقاء وفي كل مناسبة.
عاديّة مُذهلة
لم أعرف إلا الشعر لسنوات طويلة، ثم تعرفت على بقية أشكال الفنون.
لقد تعرفنا على الفن بالصدفة، معظمنا تعرف على الفن بسبب حدث خارج عن السياق المحميّ والمدروس لنشأتنا المحافظة. لكن ليس الشعر، فالشعر موجود في الموروث وفي التعليم وفي الأغنيات، مما يدفعني للتساؤل أحيانا إن كنّا مجموعة من الموسيقيين والمسرحيين والرسامين والراقصين الذين يكتبون الشعر.
عودة إلى الطفولة، كنتُ مُملّة جدا، عادية جدا، أكاد أقول إن مستوى عاديّتي كان مذهلاً!
في الصف الثالث كتبت قصيدتي الأولى، وأخبرت المعلمة التي فرحت بي ودعتني لقراءتها أمام الفصل، كانت امرأة لطيفة حتى تلك اللحظة.
وقفت والفصل من أمامي والسبورة من ورائي وقرأت بكل ثقة:
"يا مدرستي يا سجني الذي … قضيتُ فيه أتعس الأيام
إما في الممر تسكعا … أو في فصل مثل خم الحمام"
نهرتني المعلمة، قالت لي "هذا مش شعر هذا قلة أدب".
كنت أعتقد صادقة أنها ستضحك وأن الطالبات سيصفقن لي، لكن ما حدث هو العكس، صفعتني المعلمة وضحكت الطالبات عليّ، فرجعت إلى درجي صامتة منكسرة.
صرتُ أحبُّ الدرج الأخير، ففيه إعلان ضمنيّ أنك تفضل الوجود بالحدّ الأدنى في هذا المشهد العبثيّ.

زمالة الببغاوات
نصوصي في كره المدرسة استمرت حتى اليوم، وهي كثيرة ومتنوعة أهمها "زمالة الببغاوات" الذي تحدثتُ فيه عن آلاف الدقائق المهدورة من حياتي في صفوف التعبوية الموميائيّة، السنوات الأتعس وقد كان يفترض بها أن تكون الأجمل.
لطالما كرهتُ المدرسة، ولطالما حاولت الهروب منها، وقد تمكنت فعلاً من الهروب قبل أن يُقبض عليّ وأصبح عبرة للمدرسة كلها.
بعد أن فشلت محاولات إقناع عائلتي بإخراجي من المدرسة، وبعد عشرات المرات التي هربت فيها وأُعدت مخفورة مجرورة وأكلت العصا أمام الطابور الصباحي، وبعد أن أقفلتْ في وجهي سبل الهروب وأنا تحت المراقبة الحثيثة من العريفات، ولفشلي التاريخي في إنشاء صداقات، لم يتبق لديّ سوى مكتبة المدرسة، وكانت على بساطتها المتنفس الوحيد، وهكذا قضيت السنوات المتبقية من محكوميّتي.
بين مكتبة المدرسة ومكتبة والدي تعرفت على الشعراء القدامى، مناكفات الفرزدق وجرير، غرور المتنبي، طيبة الشافعي، زهد رابعة، ومن بعدهم أحمد شوقي وإبراهيم طوقان ونازك الملائكة.
لكن أحدا منهم لم يأسر قلبي، وسأستخدم الكلمة السابقة، أنني لم أجد أيا منهم جديرا بالتقمّص.
كان يوما باردا في شتاء 1990 ذلك الذي وقعت فيه على شعر شذاذ الآفاق والصعاليك للمرة الأولى، أحببتهم وأحببت شعرهم وقصصهم، وقبل أي شيء أحببت وقاحاتهم المؤرخة للانتقاص منهم، ووجدت نفسي كطفلة في الثالثة عشرة أشبه نفسي ومحاولات هروبي من المدرسة بهم وبتركهم قبائلهم والهروب منها إلى الصحراء الكبيرة، حيث لا قوانين تحكم ولا مفاخرات عقيمة. عثرت عليهم في كتاب مهمل في مكتبة المدرسة، لأن النظام التعليمي كاملاَ ومكتبة أبي كاملة أبقت أمرهم سرا، ويا له من عثور عظيم.
سلالات الشعراء
فلنقلها بالشكل التالي: الشعراء سلالات، ليس بالمعنى البيولوجي لكن بالمعنى المزاجي، فإذا لم تجد مزاجك وسلالتك لن تعثر أبدا على هويتك كشاعر. لقد كان من حسن الحظ العظيم أنني عثرت على مزاجي الشعري باكرا، وأنني وجدت آبائي في القصيدة باكرا، حتى وإن كانوا من زمن بعيد غابر.
هذا الهوس بهم شكّلني، بالإضافة إلى أحداث أخرى في حياتي، كرحيل أهلي من فلسطين إلى الكويت، التي ولدت وقضيت سنواتي الأولى فيها، قبل أن ننتقل إلى الأردن، كنت أحفظ ثلاثة أناشيد وطنيّة، وقبل أن أكمل العاشرة كنت قد التقيت بثلاث وطنيّات، كل منهن مفتخرة بنفسها وبإنجازاتها. هذه التجربة أيضا ساهمت في صنع مزاجي المتفلّت من النظريات الكبرى وفي تشكيل مفهومي الخاص عما هو الوطن، وهو مفهوم يخلو من المفاخرة ومن النزعة القومية أو التقديسيّة.
بعد حوالي ربع قرن من محاولات التسلل الفاشلة من المدرسة، نجحت في تسلل آخر، فقد صار مع العمر مهارة احتياطية ألجأ إليها حين تغلق الأبواب، فلأنني اعتدت على أن تقال لا في وجهي خلال نشأتي كثيرا، اعتدت -مضطرة- على الالتفاف حولها كمهارة مصاحبة.
واحدة من أهم تجارب حياتي والتي عشتها بالتسلل كانت زيارة فلسطين الداخل 1948، لا أنكر أبدا أن هذه التجربة غيّرت منظوري لكثير من الثوابت، وأنها وسّعت وعيي بالألم، كان ألم استيعاب الخريطة والسيارة تسير بين المدن أشبه بسكين تسير على اللحم، ومع هذا كانت السعادات المصاحبة للألم تسكّنه فورا.
كانت هذه طينتي الأولى: شعر الصعاليك الرافض للطبقية وللقوانين، كره عميق للمدرسة وقيودها، وشعر طفوليّ لا يريد أحد أن يسمعه.
كل ما جاء لاحقا من تجربة ومعارف كان تكريسا للفكرة الأولى، ولم يحمل سحرها أو قدرتها على الإبهار، فماذا كان يمكن أن أكون غير هذه المرأة المهووسة بالشعر وبالحرية وبمفردات الرفض؟