مبادرات وكتابة وحوار يتجاوز الحظر.. الثقافة تنتعش "افتراضيا" ومن البيت في عُمان

سمية اليعقوبي-مسقط

في الساعة الثامنة مساء كل يوم، يبدأ الكاتب العماني إسماعيل المقبالي رفقة عدد من الأصدقاء المقربين نشاطهم الافتراضي عبر قناة أسموها "أهل الكهف"، مستخدمين منصة زوم التي تتيح المحادثات المرئية عبر الهاتف. 

ومتسمرا على شاشة الحاسوب والهاتف مستخدما منصات مختلفة للبث بينها فيسبوك، يباشر المقبالي مناقشة موضوعات ثقافية متباينة تتصل بالدين والسياسية والثقافة والفكر والأدب، مستعينا بمحادثات فيديو مشتركة مع أدباء ومفكرين وكتّاب من مختلف دول العالم العربي. 

يتحدث المقبالي عن هذه التجربة قائلا "لا شك أن ظروف الحجر الصحي تركت الملايين حول العالم عالقين في دوامة من الانتظار، ولذلك كان ضروريا البحث عن البدائل السريعة والعملية لفتح آفاق ثقافية رحبة وبأقل تكلفة ممكنة".

ويتابع الكاتب العماني للجزيرة نت "إن الهدف هو التشجيع على تبادل الأفكار العامة وخلق حالة ثقافية جديدة قائمة على النقاش الحرّ، وإبراز الطاقات الفكرية المحلية والتواصل مع الكتّاب والمثقفين خارج عُمان".

إزالة الحظر
وتزايد الاهتمام بين المثقفين العمانيين بمنصات البث التي نشطت بعد فرض سياسات الحجر الصحي المنزلي، حيث سمحت هيئة تنظيم الاتصالات العُمانية مؤخرا بإزالة الحظر المفروض على بعض تطبيقات التواصل المرئي عبر الإنترنت بشكل مؤقت خلال أزمة كورونا، وذلك تسهيلا لاستمرارية الأعمال والتواصل بين مؤسسات القطاع الحكومي والقطاع الخاص والتعليمي، وشمل ذلك تطبيقات "سكايب" و"زووم" و"غوغل ميت".

الكاتب العماني إسماعيل المقبالي (يسار) يستخدم منصة زوم لمتابعة حوارات وأنشطة ثقافية (الجزيرة)
الكاتب العماني إسماعيل المقبالي (يسار) يستخدم منصة زوم لمتابعة حوارات وأنشطة ثقافية (الجزيرة)

وحول قرار إزالة الحظر، يقول المقبالي "اليوم تنشغل الدولة بمكافحة تأثيرات الوباء، وبالتالي تراجعت حدة الرقابة المباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. إن ما حدث كان مشجعا على بروز المبادرات الثقافية التي استخدمت منصات متعددة مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وسكايب وغيرها، ولكن حتى مع انتهاء أزمة كورونا فسيكون من الصعب التخلي عن هذه الحالة والعودة للحالة السابقة". 

ضد النسيان
ظلت الكاتبة والروائية العُمانية هدى حمد تمارس عملها اليومي في الصحافة الثقافية كمحررة في مجلة نزوى الثقافية، ولكن مع إجراءات الحجر الصحي المنزلي وجدت طريقا جديدا للتعبير الثقافي.

وببعض الدعم من الأصدقاء، أطلقت قناتها على يوتيوب المتخصصة بقراءات الكتب والأعمال الأدبية، وأسمتها "ضد النسيان". 

وتتحدث هدى عن هذه التجربة، وتقول "أنا شخص ينسى كثيرا، ولكنني اليوم أحاول تقديم الكتب التي هي بحق ضد النسيان".

وتتابع للجزيرة نت "لم يكن اكتشاف هذه المساحة قبل كورونا متاحا، لأن الوقت كان مخطوفا منا، ولا سيما أننا في عُمان نقضي أوقاتا طويلة من الانتظار في الشوارع وزحمة السير، وعلى هذا الأساس يبقى الفرد مهموما بالعائلة والعمل ولا شيء سواهما". 

فرصة للتفرّغ
وتقول هدى إنها كانت تعارض فكرة تفرغ المثقف للكتابة فيما سبق باعتبار أن ذلك قد يقود للتبلد على حد تعبيرها، لكنها اليوم تراها فكرة مشروعة وضرورية، وتتابع "إن أغلب المثقفين قد تنفسوا الصعداء ووجدوا فسحة من الوقت لممارسة العمل من البيت، وبالتالي الالتفات للمشاريع المؤجلة كالقراءة والاطلاع والتأمل ومشاهدة الأفلام والممارسة الثقافية، في ظل هذه العزلة الاستثنائية التي نخوضها جميعا".

وتضيف "تسنى لي الوقت لأن أدرس فكرة إقامة مشروع متخصص بقراءات الكتب ومراجعاتها، وفي ظل وجود الشبكات الاجتماعية -وهي الوسيط الأكثر ملاءمة لهذا الزمن- فإن قناة على اليوتيوب ستحظى بمتابعات ورؤى مختلفة أكثر من أي وسيلة أخرى"، وتتابع "أريد التركيز على كتب نوعية خارج إطار الشهرة والضجة أو تلك الكتب التي أتت في ترشيحات الصحف أو الكتب الأفضل مبيعا".

الكاتبة هدى حمد تعتبر أن زمن الجائحة يفتح فرص جديدة للانتعاش الثقافي رغم تغير طبيعة الحياة (الجزيرة)
الكاتبة هدى حمد تعتبر أن زمن الجائحة يفتح فرص جديدة للانتعاش الثقافي رغم تغير طبيعة الحياة (الجزيرة)

ولكن لماذا غابت مثل هذه المساحات الفردية لسنوات طويلة ووجدت لها مساحة في زمن كورونا؟ تجيب الكاتبة: "اليوم علينا أن نتساءل من يسحب البساط من تحت أقدام المثقف المستقل في عُمان"، وتتابع "شاهدنا جميعا كيف أن مبادرات ثقافية وصالونات ثقافية اختفت خلال السنوات الماضية"، وتساءلت "هل نعاني حقا من انسحاب الفرد بحيث لم يترَك له خيار وأصبح هشا ومنكفئا على ذاته؟".

عاصمة ثقافية
وترى هدى حمد أن التصور الدائم لمسقط كعاصمة ينبغي أن يتجه لصالح المبادرات الثقافية والصالونات والمقاهي والجلسات والعلاقات الثقافية خارج إطار المؤسسات التي تدعمها الدولة، لكن هناك انسحابا غريبا يستحق المساءلة، بحسب تعبيرها.

وتستشهد بفوز الكاتبة العمانية جوخة الحارثي بجائزة البوكر العالمية، وتقارن ذلك بفوز الأديب المصري نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب، لكنها تستنكر أن يمر فوز جوخة "كشيء عابر وخافت، مما يدعو للمساءلة والاستغراب"، وتتضيف "علينا أن نسأل لماذا الفعل الثقافي بكل هذا الخفوت والانسحاب؟"، وتجيب عن تساؤلها "ببساطة لا توجد بيئة صحية ملائمة لهذا الحراك الحر". 

وفي بداية إبريل/نيسان، أسس الكاتب والناشر العُماني حمود الشكيلي قناته الخاصة على يوتيوب، وذلك بعد أشهر قليلة من تدشينه دار نشر خاصة. 

أسس الكاتب العُماني حمود الشيكلي قناة على يوتيوب لتكون نافذة ثقافية في العالم الافتراضي (الجزيرة)
أسس الكاتب العُماني حمود الشيكلي قناة على يوتيوب لتكون نافذة ثقافية في العالم الافتراضي (الجزيرة)

ويقول الشكيلي حول هذه التجربة "هذه هي مساحتي للتواصل والحديث عن الثقافة والاهتمامات الثقافية الخاصة والعامة، مثل المراجعات والكتابات والأعمال المنشورة".

ويتابع الشكيلي للجزيرة نت "أذكر أنني شاركت ضمن مجموعة تفاعلية تواصلية عبر الهاتف في عام 2016، وكانت أشبه بالزاوية القرائیة التفاعلیة". 

ويختم الكاتب العماني "يرى الواحد منا منصات تواصلية جماعية، استطاع من خلالها تجاوز عزلته؛ ليكون مع الجماعة في بث رسائله ونشر معارفه، ولتقريب غربته أيضا، إذ صار داخل البيت يشاهد ويسمع ويرى ويناقش، وهو بعيد تفصله عن الكثير من البشر حدود جغرافية كثيرة".

 
المصدر : الجزيرة