فؤاد العروي: السخرية سلاحي والأحكام المسبقة عدوي

نزار الفراوي-طنجة
اختار الكاتب المغربي فؤاد العروي العيش في هولندا، لكن المغرب يقيم في داخله ويطل برأسه في جل كتاباته. يغازل العروي السرد بلغة موليير ويقرض الشعر باللغة الهولندية. حصل على عدة جوائز دولية على رأسها جائزة غونكر الفرنسية في فئة القصة عام 2013.
بمهارة عالية يستعين العروي بسلاح السخرية ليفجر الأوهام ويكشف الأعطاب ويقزم الكائنات المتضخمة. يدين بهذه الموهبة إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير، كاتبه المفضل منذ الصغر. بالنسبة له قضايا العالم والمجتمعات جدية أكثر من اللازم في حد ذاتها، والهزل يفتح زوايا نظر أخرى للواقع.
يقدم العروي نفسه في حديث خاص للجزيرة نت، على هامش المهرجان السينما المغربي الأخير بطنجة، بوصفه كاتبا "ملتزما" ولو دون تصريح أو شعارات. وبالنسبة له فكل حكاية تنطوي حتما على رسالة. ذلك أنه على خلاف الانطباع الذي قد يمنحه نصه "الخفيف الظل"، يبدي إيمانا بدور المثقف، كاتبا وفنانا ومفكرا، في تجاوز "الوضع القائم" وصناعة التغيير، ولو في سياق تدريجي بطيء.
فيما يلي نص الحوار:
تعد أحد رموز الجيل الثالث للكتّاب المغاربة بالفرنسية بعد جيل مؤسس قبيل الاستقلال وجيل اللعبي وبنجلون. هل من علاقة أدبية مع هؤلاء "الآباء"؟
بالفعل عاش الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية ثلاث مراحل: أحمد الصفريوي وإدريس الشرايبي دشنا مسارهما الأدبي قبل الاستقلال. كانت قضاياهما مختلفة، تتمحور أساسا على معادلة التقليد والحداثة، وكيفية التعامل مع واقع فرضته صدمة الاستعمار.
الجيل الثاني تأسس حول مجلة "أنفاس"، التي انطلقت بوصفها مجلة أدبية لتصبح سريعا ذات بعد سياسي أيديولوجي يساري، وكان من وجوهها عبد اللطيف اللعبي ومحمد خير الدين والطاهر بنجلون. واتخذت الكتابة الأدبية في إطار هذه الموجة منحى الالتزام السياسي الذي فقد معناه اليوم.

أنا من جيل ثالث. نتقاسم نسبيا انشغال الجيل الأول بإشكالية التقليد والحداثة، بينما تقريبا لا يجمعنا رابط على مستوى قضايا الكتابة الأدبية مع الجيل الثاني، جيل الكتابة كنضال سياسي صريح.
شخصيا، أجد نفسي أقرب إلى الجيل الأول لكتاب اللغة الفرنسية. لكن ينبغي التأكيد على أن جيلنا شديد التنوع على مستوى التيمات. ثمة كتابة نسائية، وأدب الاعتقال السياسي، وكتابة الحريات الفردية. شخصيا، تتمحور مواضيعي السردية حول وضع الفرد في المجتمع.
السخرية سمة طاغية على أسلوبك، ما هي المرجعيات التي أفرزت هذه النزعة الساخرة في جل كتبك؟
نحن لا نختار أسلوبنا. إنه يظهر ويتبلور في طريق خوضنا لمغامرة الكتابة. السخرية كانت مفاجأة لكل من يعرفني كشخص. لا أعرف كيف تفجرت السخرية في الكتابة، مع أنها أبعد ما يكون عن نمط حياتي الاجتماعية. من أين أتت؟ ربما من قراءاتي الأولى.
كاتبي المفضل كان فولتير، وهو معروف باستخدامه الذكي للسخرية. في مقاربته للقضايا الأكثر تعقيدا، كان يتفادى أسلوب المباشرة أو النقد " الجدي"، بل يختار السخرية، وهو أسلوب شديد الفعالية في النفاذ إلى الأشياء، وفي اختصار التعبير عن مواضيع كبرى تجد أنها تكاد تتحلل تحت معول اللامعقول. إنه أيضا تأثير الروح المغربية الشعبية التي تردد العبارة المأثورة: "كثرة الهم تضحك".
لطالما انتقدت الأدب "الأيديولوجي"، هل يعني ذلك أنك ضد "الالتزام" كأفق للكتابة؟
ليس الأمر كذلك. اعتبر أن الكاتب مدعو ليكون ملتزما. صحيح أن الأمر لا يظهر بصراحة في كتبي. قضايا المغرب السياسية تغيرت، والصدام بين اليسار والدولة انتهى. لكن قضايا المجتمع تفرض نفسها، وليس على الكاتب أن يمارس الأدب متمترسا في برجه العاجي.
حتى وأنا أروي حكاية، فإني أمارس بلا إعلان التزاما بقضايا ورسائل معينة وإلا كنت مناصرا للوضع القائم ومناهضا للتغيير الذي يفترض أن يكون قضية لكل مثقف. لكن ينبغي بالطبع أن يظل النص السردي مخلصا لفن الحكاية، الذي قد يقرأ على مستويات متعددة، مستوى القارئ البسيط الذي يستمتع بالحكاية، والقارئ الحصيف الذي يفكك أبعاد ورسائل النص.
كيف تنظر إلى وظيفة الأدب في ظل طغيان نوع من التشاؤم بشأن قدرة الإبداع على التأثير في الواقع والتاريخ؟
جون موني، أحد الآباء المؤسسين للوحدة الأوروبية التي بدأت بالاقتصاد لتنتقل إلى السياسة، قال إنه لو كان علينا إعادة صناعة تاريخ الوحدة الأوروبية لبدأنا بالثقافة. الثقافة ليست هامشية، بل مركزية.
قضايا بلداننا وأعطابها السياسية والاجتماعية، من يقدمها ويقاربها ويكشف أبعادها والحقيقي والوهمي منها غير الفنانين والكتاب. إن دور الثقافة مركزي، وأهميتها تتعاظم اليوم على خلاف ما قد يعتقد البعض. دور الثقافة والإبداع هو القول إن هناك إمكانيات أخرى، حلولا أخرى، بدائل أخرى، وحتى يوتوبيات ومشاريع تغيير ممكنة.
وأنت المقيم بين المغرب وهولندا، في كتاباتك صدى قوي للتماس وسوء الفهم بين العالمين الغربي والعربي. كيف تفسر اهتمامك بهذا الموضوع؟
عدوي الأساسي هو الأحكام المسبقة في العلاقة مع الآخر. فعلا، أعيش منذ سنوات بين عالمين: الغرب والعالم العربي. أعرف الاثنين، وأرى أن من واجبي ومهمتي ككاتب أن أساهم في تفكيك الخطابات التبسيطية والاختزالية التي تهيمن على نظرات كل منا للآخر.
ننظر إلى الغرب كمجتمع مادي بلا مشاعر ولا روحانيات، وينظر إلينا الغرب كمشتل للتطرف وأبناء لعصور الظلام. كانت لي تجارب ملموسة في هذا الإطار. قدمت محاضرات حول ابن رشد، والتراث الأدبي والفكري العربي، فكنت أقابل بتساؤلات الحضور المندهشين بالمستوى الذي وصله العرب ذات عصور على مستوى التنوير والعقلانية…

ككاتب ذي حضور قوي في الأدب الفرنكفوني ومتوج بالغونكور، كيف يتموقع الكاتب بين الإخلاص للأدب والانخراط في ضغوط ودواليب الحياة الأدبية؟
ينبغي الاحتفاظ بالهدوء والرصانة والإيمان بالانتماء الأساسي إلى عالم الكتابة الداخلي. أقول دائما حين نفوز بجائزة إن من حقنا أن نستمتع لمدة 48 ساعة. هذا كاف. أتلقى التهاني، أحتفل. لكن ينبغي المرور إلى الشيء الأهم: الكتابة.
في العلاقة مع دور النشر، يتغير الأمر بين وضع الكتاب الأول الذي قد يخضع لتوجهات دار النشر، لكن ككاتب معترف به، يصبح بالإمكان فرض اختياراته. وبالنسبة لي، لا مجال لتقديم تنازلات في مهمة شديدة الحميمية وتقتضي مستوى عاليا من الإخلاص للذات، والتمسك بالكتابة عما نعرفه أكثر، وبالأسلوب الذي نتقنه أكثر.
نشرت أساسا بالفرنسية ثم بالهولندية، هل يحين يوما موعد الكتابة بالعربية؟
إنه حلم بالنسبة لي لكني غير مؤهل لذلك. أحب العربية كثيرا. لكن المشكلة هي الأسلوب. قد أستطيع كتابة جمل وعبارات، لكني غير قادر على التعبير بأسلوب خاص وناضج، لسبب بسيط هو أني بدأت العلاقة مع القراءة والكتابة عبر المدرسة الفرنسية. كل تكويني الروائي، كتابة وقراءة، تم بالفرنسية. لذلك أجدني عاجزا عن بلورة أسلوب خاص في العربية. حتى قراءاتي لكاتب مثل نجيب محفوظ تمت بالفرنسية.
رغم صيتك الواسع ككاتب مبدع في الحقل الأدبي الفرنكفوني، يلاحظ عدم إقبال على ترجمة نصوصك إلى العربية. كيف تفسر ذلك؟أعتقد أن قلة الإقبال على ترجمة رواياتي ومجموعاتي القصصية تعود إلى صعوبة الأسلوب الذي أكتب به وأنسج به عالمي السردي. تمت ترجمة كتابي "محن آخر سجلماسي" لدى دار الساقي ببيروت، والكاتب المغربي إبراهيم الخطيب ترجم مجموعة "المهبول" عن دار "الفينيك" بالدار البيضاء. تجربتان اثنتان فقط. المفارقة أن كتبي مترجمة إلى الألمانية والإيطالية والدانماركية والإنجليزية والصربية.. آمل مستقبلا أن أجد مزيدا من كتبي تنال حظها في الوصول إلى قراء العربية.
كثيرا ما يواجه الكتاب العرب باللغات الأجنبية تهمة دغدغة المخيال الغربي الاستشراقي. ما موقفك تجاه ذلك؟
شخصيا لم تلاحقني تهمة من هذا النوع. لكن عموما أقول إن الخطر حقيقي بالنسبة لجيل من الكتاب المنحدرين من بلدان عربية وغيرها. الكتابة عن مجتمع ما تقتضي قدرا عاليا من المعايشة. والمغامرة بالكتابة عن مجتمعاتنا الأصلية اعتمادا على ما ترسخ في ذاكرة الطفولة أو حكايا العائلة أمر قد يكون غير محمود العواقب.
هناك مثال لكاتب معروف في هولندا، من أصل مغربي، لقد نشر كتابا عن المغرب تضمن عدة أخطاء خلقت ردود فعل سلبية تجاهه. نصحت عبد القادر بنعلي بالكتابة عما يعرف، بالاحتكاك أكثر بالمغرب وبالمجتمع المغربي كي يستطيع أن يكتب بمصداقية، وذلك ما فعله حين اختار الإقامة جزئيا بمدينة طنجة. الكاتب الحقيقي، سواء كان مقيما في بلده أو خارجه، لا يرتضي أن يكون قلما لإعادة إنتاج صور استشراقية حول مجتمعه.