لبنان بين الأمطار والعطش.. هل انتهى زمن الجفاف أم هي هدنة قصيرة؟

بين غيوم تحمل بشائر انفراج، وأرض أنهكها العطش، يعود سؤال المياه إلى واجهة المشهد اللبناني: هل طوى البلد فعلا صفحة أسوأ مواسم الجفاف في تاريخه الحديث، أم أن ما يشهده هذا الشتاء لا يعدو كونه استراحة قصيرة قبل عودة الأزمة؟
بعد عام مائي وصف بالأقسى، تعود الأمطار لاختبار مزدوج: قدرة الطبيعة على التعويض، وقدرة الدولة على تحويل الهطول من نعمة عابرة إلى أمن مائي مستدام.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsلم يكن الجفاف الماضي تفصيلا عابرا في سجل الأزمات اللبنانية بل شكلا كاشفا صارخا لهشاشة الواقع المائي، فقد تراجعت معدلات التساقطات إلى مستويات غير مسبوقة، وتقلصت مخزونات السدود والمياه الجوفية على نحو مقلق، فيما تحولت صهاريج المياه إلى مشهد يومي أمام المباني، تؤمن الحد الأدنى من الاحتياجات في غياب إدارة مستدامة وخطط وقائية تقي البلاد تكرار السيناريو نفسه.
وتوصف وثيقة صادرة عن اليونيسف بعنوان "تنبيه قطاع المياه والصرف الصحي" (تموز/يوليو 2025)، ما شهده لبنان بأنه "أسوأ جفاف مسجل"، مع انخفاض معدلات الهطول بأكثر من 50% في مناطق واسعة، بالتوازي مع تراجع تراكم الثلوج وذوبانها المبكر، مما ضاعف الضغط على الموارد المائية المحدودة أصلا.
وبحسب الوثيقة، يعيش نحو 1.85 مليون شخص في مناطق شديدة الهشاشة أمام الجفاف، فيما يعتمد أكثر من 44% من السكان على صهاريج المياه الخاصة، المرتفعة الكلفة وغالبا ما تفتقر إلى معايير السلامة، مع توقّعات بارتفاع هذه النسبة في حال استمرار الشحّ المائي.

اختبار الطبيعة.. واختبار الدولة
اليوم ومع التحسن النسبي في معدلات الهطول هذا الشتاء، وعودة الثلوج إلى المرتفعات، عاد الحديث عن "انفراج" محتمل، انعكس ارتفاعا في منسوب بعض الينابيع والأحواض.
غير أن خبراء في قطاع المياه يحذّرون من الإفراط في التفاؤل، معتبرين أن الأمطار، مهما كانت غزيرة، لا تصنع أمنا مائيا ما لم ترفق بإصلاحات بنيوية في الإدارة والبنية التحتية، من شبكات التوزيع إلى التخزين والحوكمة.
وبين تفاؤل تحمله الغيوم، وقلق تفرضه تجارب السنوات الماضية، يقف لبنان مجددا أمام اختبار مزدوج: اختبار الطبيعة، واختبار الدولة في قدرتها على إدارة مورد حيوي طالما أُهدر.
يجمع خبراء تحدثوا للجزيرة نت على أن لبنان لم يجتز بعد موجة الجفاف، فالأمطار قد تمنح البلاد هامش وقت إضافيا، لكنها لا تعالج أزمة مائية بنيوية متراكمة.
وبين سؤال الطبيعة وسؤال الدولة، يبقى الجواب معلّقا: هل يتحول هذا الموسم إلى بداية مسار نحو أمن مائي مستدام؟ أم أنه مجرد هدنة قصيرة قبل موجة عطش جديدة؟

إنذار مناخي
يقول رئيس حزب البيئة العالمي والخبير البيئي دوميط كامل للجزيرة نت إن لبنان لا يزال يسجل انخفاضا كبيرا في معدلات التساقطات في عام 2026، موضحا أن ما شهده البلد اقتصر على أسبوع واحد من الأمطار الغزيرة جدا، ذهبت غالبيتها مباشرة إلى البحر من دون أن تترك أثرا فعليا على المخزون المائي أو على حياة المواطنين.
ويضيف أن تساقط الثلوج على المرتفعات العالية جاء محدودا وغير كاف، مشيرا إلى أن لبنان بات بوضوح ضمن نطاق التأثر المباشر بتغير المناخ.
فدرجات الحرارة المرتفعة على الساحل، والتي تجاوزت 20 درجة مئوية، أدّت إلى ذوبان سريع للثلوج التي تساقطت فوق ارتفاع 1500 متر، مما أفقدها دورها الطبيعي في إنتاج مخزون مائي طويل الأمد.
ويتابع كامل أن الرهان على بوادر انفراج جزئي في أزمة المياه لم يكن في محله، إذ لا تزال المياه الجوفية تعاني نقصا كبيرا نتيجة الاستهلاك المفرط خلال العام الماضي، ويشدد على أن لبنان يفتقر اليوم إلى سياسة مائية شاملة واستراتيجية مستدامة تحمي الموارد، وتحفظ حقوق المواطنين، وتصون البيئة. وما شهدناه من أمطار أخيرا، برأيه، لا يشكّل نهاية للأزمة، بل قد يكون مقدمة لعطش أكبر.
ويشير إلى أن لبنان يقف اليوم في أواخر يناير/ كانون الثاني، في وقت كان يُفترض فيه أن تكون الثلوج قد غطّت معظم الجبال ولفترات أطول. تاريخيا، كانت الثلوج تصل إلى ارتفاعات منخفضة قد تبلغ 200 متر عدة مرات في السنة، إلا أن هذه الظاهرة غابت منذ عام 2000.
ويخلص إلى أن اعتماد استراتيجية مائية علمية، واستثمار المتساقطات بطرق مدروسة، يمكن أن يجنّب لبنان والمنطقة كارثة مائية واسعة. غير أن الملف المائي في لبنان لا يزال، بحسب تعبيره، مسيسا ويدار بطريقة خاطئة، من دون رؤية واضحة أو محاسبة فعلية، مؤكدًا أن البلاد باتت بحاجة ماسة إلى خطة إنقاذ مائية شاملة تنطلق فورا، وتؤسس لسياسات بيئية ومائية طويلة الأمد.

اختلال مائي
من جهته يؤكد الخبير في الهيدروجيولوجيا الدكتور سمير زعاطيطي، في حديثه إلى الجزيرة نت، أن الأمطار وحدها لا تختصر أزمة المياه في لبنان ولا يجوز تحميلها دورا يفوق حقيقتها.
فبحسب الميزان المائي الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يتلقى لبنان سنويا ما يقارب 10 مليارات متر مكعب من التساقطات في المعدل العام، مع تفاوت طبيعي بين سنوات أعلى من المعدل وأخرى أدنى منه.
ويوضح أن السنة 2025 الماضية -التي تصنف شحيحة مائيا- لم يتجاوز فيها الهطول نحو نصف المعدل السنوي، أي قرابة 5 مليارات متر مكعب.
وتشير دراسات علمية، من بينها أبحاث للدكتور وجدي نجم، أستاذ الهندسة في جامعة القديس يوسف، إلى أنه كل 11 أو 12 سنة تمر سنة جافة يتراجع فيها الهطول إلى ما بين 4 و5 مليارات متر مكعب.
ويشدد زعاطيطي على أن ربط العطش وحاجات الشرب والري والاستخدام اليومي بكمية الأمطار وحدها مقاربة قاصرة، إذ تظهر التجارب العالمية أن إدارة الموارد لا تقل أهمية عن وفرتها، وفي الحالة اللبنانية جرى إهمال المياه الجوفية، لا لغيابها، بل لغياب الجدوى السياسية والربحية منها، مقابل تركيز مزمن على سياسة السدود والمياه السطحية، بما تحمله من كلفة مرتفعة ونزاعات سياسية.