هل تدفع تغيرات المناخ تركيا إلى مرحلة الانهيار المائي؟

حفظ

تسبب الجفاف بتبخر مياه بحيرة "كرم الدين" بولاية أدرنة شمال غرب تركيا وانكشاف قاعها. وبحسب مراسل الأناضول، تسبب الجفاف بتراجع منسوب مياه البحيرة البالغ 218 متر مكعب. وكانت البحيرة مصدر لري 6 آلاف دونم من الأراضي الزراعية حولها. ( Gökhan Zobar - وكالة الأناضول )
أثرت موجة الجفاف والحرارة غير المسبوقة على مياه البحيرات والمسطحات المائية في تركيا مثل بحيرة "كرم الدين" بولاية أدرنة (الأناضول)

مع حدة التغيرات المناخية، تجد تركيا نفسها على شفا أزمة تهدد أمنها المائي في العمق. فبحسب خبراء أتراك ودوليين، تقترب البلاد من الوصول إلى "العتبة الحرجة للفقر المائي"، مع احتمالات لتصنيفها رسميا كدولة فقيرة بالمياه بحلول عام 2030، إذا استمر الحال على ما هو عليه.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن نصيب الفرد من المياه المتجددة في تركيا انخفض من نحو 1650 مترا مكعبا مطلع الألفية إلى ما دون 1300 متر مكعب حاليا، مقتربا من الخط الأحمر الذي حددته الأمم المتحدة عند ألف متر مكعب سنويا.

قصص مقترحة

list of 3 itemsend of list

ولا يعكس هذا التراجع، الذي يقدر بنسبة 19% خلال عقدين فقط، أزمة موارد فحسب، بل يكشف عن نمط استهلاك غير مستدام، ونظام إدارة مائية يواجه تحديا هيكليا بالغ الخطورة، حسب الخبراء.

وبينما تتصاعد مؤشرات الإجهاد المائي، يحذر الخبراء من أن هامش الإصلاح يضيق بسرعة، وأن السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت تركيا قادرة على تجنب "الانهيار المائي" المرتقب.

Aerial view of Tuz lake in Ankara province, Turkey, Tuesday, Oct. 26, 2021. Turkey’s second largest lake and home to several bird species has seen its waters entirely recede this year, a victim of climate change-induced drought that has hit the region as well as decades-long wrongful agricultural policies that have exhausted the lake’s underground waters. (AP Photo/Emrah Gurel)
شهدت مياه بحيرة طوز ثاني أكبر بحيرة في تركيا انحسارا كبيرا منذ عام 2021 (أسوشيتد برس)

أزمة ملموسة

لم تعد أزمة شح المياه في تركيا حبيسة التقارير العلمية، بل باتت ملموسة في الحياة اليومية في عدة مدن. ففي بلدة تشيشمه الساحلية بولاية إزمير، يواجه السكان انقطاعات تصل إلى 12 ساعة يوميا.

كما شمل التقنين مدينة إزمير نفسها ابتداء من 6 أغسطس/آب الماضي، بعد تراجع منسوب سد تاهتالي وتوقف الإمدادات من سد غوردس، وانخفاض أحد خزانات تشيشمه إلى أقل من 5% من سعته.

وفي أنقرة، هبطت مخزونات المياه في السدود إلى 18% مطلع 2023، وسط تحذيرات من نفاد الإمدادات خلال أربعة إلى 5 أشهر ما لم تهطل الأمطار. ويعزى ذلك إلى جفاف حاد وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة.

ويعزى هذا التدهور إلى عام من الجفاف الحاد، تميز بندرة التساقطات، وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة. وجفاف بحيرات ومسطحات مائية، فقد شهدت البلاد أكثر شهور ديسمبر/كانون الأول حرارة منذ أكثر من نصف قرن، مع عجز مطري تجاوز 50% عن المعدلات الموسمية، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية التركية.

تسبب الجفاف بتبخر مياه بحيرة "كرم الدين" بولاية أدرنة شمال غرب تركيا وانكشاف قاعها. وبحسب مراسل الأناضول، تسبب الجفاف بتراجع منسوب مياه البحيرة البالغ 218 متر مكعب. وكانت البحيرة مصدر لري 6 آلاف دونم من الأراضي الزراعية حولها. ( Gökhan Zobar - وكالة الأناضول )
تسبب الجفاف بتبخر مياه بحيرة "كرم الدين" بولاية أدرنة شمال غرب تركيا (وكالة الأناضول)

تباطؤ السياسات الرسمية

رغم تزايد التحذيرات من خبراء المناخ والبيئة بشأن خطر الفقر المائي المحدق بتركيا، فإن الاستجابة الرسمية لا تزال، في نظر كثير من المختصين، دون مستوى التحدي. ويشير هؤلاء إلى وجود فجوة متنامية بين جدية التهديدات التي ترصدها الأبحاث العلمية، وبين طبيعة الإجراءات التي تتخذها السلطات على الأرض.

إعلان

وفي هذا السياق، حذر مصطفى شاشماز، أستاذ المناخ في جامعة البحر الأسود، من أن التبخر الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة أصبح اليوم أحد أبرز أسباب فقدان الموارد المائية في تركيا، مشيرا إلى أن تخزين المياه في سدود سطحية واسعة، دون مراعاة المعايير المناخية، يجعلها أكثر عرضة للتبخر في ظل تزايد موجات الحر.

وأوضح شاشماز في حديث للجزيرة نت، أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب حلولا تقنية عاجلة، من بينها إعادة تصميم الخزانات لتكون أكثر عمقا وأقل عرضة لأشعة الشمس، وتغطية الأحواض المكشوفة في المناطق الحساسة، إلى جانب حظر استخدام المياه العذبة في أحواض السباحة الخاصة بالمنتجعات الساحلية، واستبدالها بالمياه المالحة المعالجة.

كما لفت إلى أن مؤسسات الدولة تشكل بدورها جزءا من المشكلة، إذ تستهلك المرافق العامة كميات كبيرة من المياه من دون تطبيق فعال لأنظمة الترشيد أو اعتماد تقنيات توفير حديثة، داعيا إلى إصلاح شامل لهذه البنى وتطويرها بما يتلاءم مع التحديات المناخية المتسارعة.

An hiker rests on the Cilo Glaciers of Turkey's southeastern Hakkari province, on July 13, 2025. As global temperatures rise amid human-caused climate change, new sections of the mountains that were once capped in ice are melting fast year after year. A UN report on desertification worldwide estimates that 88 percent of Turkey's territory is at risk: rainfall is expected to decrease by 30 percent by the end of the century, while temperatures are expected to rise by 5 to 6C compared to the averages recorded between 1961 and 1990. (Photo by Yasin AKGUL / AFP
تسارع ذوبان نهر جيلو الجليدي في مقاطعة هكاري جنوب شرق تركيا بسبب الجفاف وزيادة الحرارة (الفرنسية)

التصحر وتغير المناخ

في تقاطع خطير بين الظواهر المناخية العالمية والقصور في الإدارة المحلية، تواجه تركيا أحد أعقد التحديات البيئية في تاريخها الحديث، يتمثل في اتساع رقعة التصحر وتفاقم موجات الجفاف.

ويضع تقرير "بؤر الجفاف حول العالم 2023-2025″، الصادر عن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، تركيا ضمن النطاقات الحرجة الواقعة في حزام الجفاف الممتد من جنوب أوروبا حتى الشرق الأوسط.

وحذر التقرير من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يدفع البلاد إلى حالة ندرة مائية حادة بحلول عام 2030، مع إمكانية تعرض ما يقرب من 80% من الأراضي الزراعية لموجات جفاف متكررة وشديدة خلال العقد المقبل.

وتزايدت مظاهر الإجهاد البيئي في تركيا خلال السنوات الأخيرة، مع تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات، وأبرزها حرائق صيف العام الجاري والتي بلغت نحو 3 آلاف حريق حسب تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتتجاوز أزمة المياه في تركيا حدودها الداخلية لتؤثر على الأمن المائي الإقليمي، خاصة في سوريا والعراق، حيث تتحكم أنقرة في نحو 90% من مياه الفرات وجزء كبير من مياه دجلة.

ومنذ عقود، أنشأت تركيا عشرات السدود ضمن مشروع تطوير جنوب شرق الأناضول لتأمين الري والطاقة، مما أثار خلافات مع بغداد ودمشق اللتين تتهمانها بعدم الالتزام ببروتوكول 1987 القاضي بتمرير 500 متر مكعب/ثانية من مياه الفرات، وهي حصة تقولان إنها تتراجع خاصة في مواسم الجفاف.

Residents and firefighters attempt to extinguish a wildfire as smoke and flames rise from a forested area in the Gursu district of Bursa early on July 27, 2025. (Photo by ONUR YURTSEVER / AFP)
شهدت تركيا حرائق غابات غير مسبوقة جراء الجفاف والحرارة الشديدة وقلة التساقطات المطرية (الفرنسية)

جهود حكومية

في سياق معالجتها للأزمة، ضاعفت أنقرة خلال الأعوام الأخيرة من استثماراتها في البنية التحتية المائية، إذ شهد شهر ديسمبر/كانون الأول 2023 افتتاح 369 منشأة جديدة في أنحاء متفرقة من البلاد، شملت 20 سدا، ومحطات معالجة، وشبكات ري، ومرافق لتخزين المياه، بتمويل تجاوز 53 مليار ليرة تركية (نحو مليار و330 مليون دولار).

إعلان

وفي كلمة له خلال افتتاح المشاريع، شدد الرئيس رجب طيب أردوغان على أن تركيا "ليست بلدا غنيا بالمياه كما يُظن"، موضحا أن المعدل السنوي للهطول المطري لا يتجاوز 574 مليمترا، وهو ما يقل كثيرا عن المعدل العالمي.

وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة عن برنامج لترميم البحيرات المتقلصة أو الجافة، ومن أبرزها بحيرة مرمرة غربي البلاد، إلى جانب الاستثمار في محطات إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الري والزراعة والصناعة.

ويشمل هذا التوجه أيضا بناء محطات تحلية جديدة في مناطق تعاني من ندرة مزمنة في الموارد العذبة، لاسيما في غرب الأناضول وسواحل البحر المتوسط.

ويرى الخبير في شؤون المياه بلال يلدريم أن الإجراءات التي تتخذها تركيا حاليا -مثل بناء السدود الجديدة وتحديث أنظمة الري- تمثل خطوات مهمة، لكنها غير كافية ما لم تُدعم بسياسات صارمة لإدارة الطلب، وتقليل الهدر، وتوسيع إعادة استخدام المياه.

ويشير الخبير إلى أن الزراعة تستهلك ما بين 70 و75% من إجمالي السحب المائي، فيما تهدر المدن ما بين 20 و35% عبر فواقد الشبكات، بينما تتأثر كفاءة السدود بعوامل التبخر وتراكم الرواسب.

ويضيف يلدريم أن الأولويات العاجلة تشمل خفض الفواقد الحضرية إلى أقل من 15%، وتعميم أنظمة الري عالية الكفاءة لتوفير ما يصل إلى 30% من استهلاك الزراعة، وتقليل التبخر عبر تحسين تصميم الخزانات والتوسع في التخزين الجوفي، ورفع إعادة استخدام المياه المعالجة إلى 20% من الطلب الحضري، فضلا عن تعديل التعرفة المائية، والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكا للمياه، ووضع خطط إلزامية لإدارة الجفاف.

المصدر: الجزيرة

إعلان