سردينيا.. ألوان الحياة في الجزيرة المهاجرة منذ ملايين السنين

جزيرة سردينيا

جزيرة سردينيا، أو الجزيرة المهاجرة إلى الجنوب، هي كتلة جبلية تقع وسط البحر المتوسط، كأنها قطعة من جبال الألب، أو سفينة حجرية تمخر عباب البحر، ركّابها وقباطنتها في تغير دائم منذ 20 مليون سنة، شاؤوا أم كرهوا.

تقع سردينيا اليوم عند تقاطع 40 درجة شمالا، و9 درجات شرقا، في منتصف المسافة بين أفريقيا وأوروبا، وتتحرك إلى الجنوب بمعدل 5 كيلومترات في كل مليون عام، وهي جزيرة لا مثيل لها، أو قارة مصغرة ذات كنوز حيوية هائلة، وطبيعة ألبية مذهلة.

جزيرة سردينيا

تتكون أساسات سردينيا من الغرانيت، كما هو حال أوروبا القديمة، وقد بدأت تظهر ملامح شخصية جبال الألب المهيبة، عند انفصالها وشقيقتها كورسيكا عن القارة، وبدء رحلتهما في حوض مائي امتلأ وجفّ مرارا، بسبب تغير المناخ.

سفينة تبحر بالناجين إلى شواطئ أفريقيا

تشمخ منحدرات سردينيا الحادّة نحو السماء، مثل جوانب سفينة عظيمة، وسطح جانبها الأيمن هضبة مترامية الأطراف، تتكون من حجر الكارست الجيري، وهو جاف دائما، بعيد عن البحر وقريب إلى السماء، حار صيفا وبارد شتاء، ويغطيه الضباب أحيانا.

موقع جزيرة سردينيا بين أوروبا وأفريقيا

يخفي هذا السطح المترامي تحته أسرارا، ففيه فجوات عميقة وأخاديد، وسنترك المجال لسكان ذلك العالَم السفلي للحديث عنه لاحقا. أما جدرانه الصخرية القاسية، فتنمو عليها شجيرات مكافِحة، تبدو وحيدة لكنها قوية تشقّ طريقها في الصخر بعناد وتحدٍّ.

وعلى السطح أيضا يرصد كبش الأروية كل حركة حوله، كأنه ربّان في قمرة قيادته، يتباهى بقرونه الملتوية العظيمة، أما إناثه فلا قرون لها، على عكس جاراتها في كورسيكا القريبة. فقبل نحو 7 آلاف عام، جلب بحّارة من الشرق الأوسط سلالة مستأنَسة من الخراف، استعادت مع الزمن مظهرَ أسلافها الوحشية وسلوكها.

كبش الأروية يبدو مثل ربّان السفينة الحجرية

ترضى الكباش بالقليل من الماء، وتعوضه بأكل الأعشاب الرطبة، وتعيش بأمان على الجزيرة، فمن حسن حظها أن أعداءها الألداء -الذئب والدب والوشق- ليسوا هناك. وفي الخريف يبدأ موسم التزاوج، وفيه تتكرر المسرحية الأزلية، فتتصارع الكباش لإثبات الأقوى، ويندحر الضعفاء لتكوين ممالك أخرى.

كائنات تكيفت مع طبيعة المكان المتغيرة

مثل مناخ البحر المتوسط، لا تهطل الأمطار على سردينيا من أبريل/ نيسان وحتى أكتوبر/ تشرين الأول، لكن في الشتاء تكتسي المرتفعات ثوبا أبيض من حين لآخر، وتصبح الجدران الصخرية والأودية ممرات مائية صاخبة بعد جفاف طويل، وتبتلع الأرض المياه في أعماقها.

مثل مناخ المتوسط، تكتسي هضاب سردينيا بالثلوج شتاء

يشمخ جبل سوبرامونتي في السماء، لكن باطنه مجوّف، به فجوات وأخاديد تتشكل فيها بحيرات وأنهار، وفي هذا العالم السفلي المظلم تنمو "هوابط الكهوف الكِلسيّة"، وتعيش أحياء لم تتغير تغيرا يذكر منذ ملايين السنين.

إعلان

فمنها سلمندر كهوف سوبرامونتي، الذي استوطن أسلافه كهوف جبال الألب، وقد تفرع إلى 6 فصائل مع الوقت، لا يمكن رؤيتها إلا في كهوف سردينيا، وهو كائن ليست له رئتان، بل يتنفس بجلده الرطب، ويقتات على العناكب والحشرات.

وتستوطن الضفادع الأماكن الرطبة الباردة، وتصارع جفاف الصيف في جنوب الجزيرة. أما السلحفاة المهمشة فقد نشرها البحّارة الأوائل فوق الجزر، وكانت تمثل مؤونة لهم.

السلمندر السردي.. هكذا يبدو شكل الحياة قبل 20 مليون عام

في العصر البرونزي قبل 4 آلاف سنة، أحضرت قبيلة من المحاربين والصيادين حيوانات من برّ إيطاليا، منها الغزال الأحمر، فتكيّف مع ظروف الحياة في الجزيرة، وتطور مع الوقت إلى الغزال الثيراني. واليوم ترعى 3 ملايين رأس من الأغنام في هذه الجزيرة، وقد أحدث الرعي تغييرا جذريا على الغطاء النباتي.

بقايا عظام الغزال الأحمر المنقرض

كان الغزال الأحمر المنقرض يتجول في هذه الأماكن التي تسبح فيها الأسماك اليوم فوق أعشاب البحر، فمنذ العصر الجليدي الأخير ارتفع سطح البحر لأكثر من 100 متر، وحلّ المرجان والإسفنج مكان الغطاء النباتي، ولا تزال آثار الحياة البرّية ظاهرة في كهوف سردينيا، منذ ما قبل التاريخ، فمنها بقايا عظام وقرون لتلك الغزلان التي سكنت سردينيا في العصر الجليدي.

مستراح الطيور المهاجرة عبر المتوسط

بما أن الجزيرة تتوسط المسافة بين أوروبا وأفريقيا، فقد اتخذتها طيور النحام ملاذا ومستراحا، أثناء هجرتها من كينيا إلى الضفة الشمالية من البحر المتوسط، لتعقد موسم تزاوجها هناك. ويكون ريش النحام أبيض وهو صغير، ثم يصبح ورديا عند البلوغ، وهو لا يُرى منفردا، بل يعيش ويتكاثر ويهاجر في جماعات غفيرة.

طيور النحام المهاجرة تستريح في الجزيرة لتستكمل رحلتها إلى شمال أوروبا

أما طائر البلاشون الصغير، فيفضل هذه الأماكن الرطبة المالحة، وكان أشرف على الانقراض بسبب الصيد الجائر، ويجذب ريشه الناعم صانعي القبّعات الفاخرة، ومع أنه تعافى وتكاثر بفضل أنظمة الصيد الحديثة، فإن عقاب المستنقعات النادر له بالمرصاد.

وفي جنوب الجزيرة مما يلي أفريقيا، تظهر كثبان رملية، وأرض جافة، وأشجار منكسرة ملتوية، تذكرنا بشمال القارة الأفريقية، ورياحها الجافة الملتهبة التي تسفع جنوب الجزيرة، وتحطم كل شيء، حتى يصبح كثبانا متحركة.

الأجمات الشوكية الصغيرة تغطي أسطح السفينة الحجرية

يساعد رذاذ البحر المتطاير في إنبات أزهار وأعشاب تتكيف مع ملوحة البيئة، وتضفي على الأجمات المنخفضة المزهرة في الربيع مناظر مذهلة، فهي أجمات صغيرة قصيرة دائمة الخضرة، كما أنها أيضا شوكية المنظر سامّة غالبا، كأنها تمثل رد فعل الجزيرة على 1000 عام من الرعي والحرق.

حركة دائبة وأنشطة يومية للمسافرين

في الماضي السحيق، كانت جزر البحر المتوسط مكسوة بالغابات، تتصدرها أشجار البلّوط الباسقة القوية وأشجار الفلّين، ولكن منذ 7 آلاف سنة بدأت هذه الغابات تنحسر، بسبب كثرة التحطيب، وتتناثر قبور سكان الجزيرة في كل أنحائها على شكل مقابر جماعية منحوتة في الصخور.

الشعاب المرجانية كانت مرتعا للأحياء البرّية قبل ملايين السنين

ومع مرور الزمن وقسوة المناخ وتدخل الإنسان، انحسرت الغابات عن أجمات قصيرة شائكة، واستطاعت بعض الأحياء التكيف، منها الخنزير البري الذي جاء عبر البحر مع المزارعين الأوائل، ويتغذى على بعض النباتات البصلية، التي تخزن الماء والمركبات الغذائية في بصيلاتها، وهو يقلب التربة بما يساعد على إعادة الإزهار من جديد.

إعلان

تشكل سردينيا ربع مساحة سواحل إيطاليا وتمتد 1800 كيلومتر، وخلف كل منعطف فيها مفاجأة، ويستوطن النسر الأسود جروفها الغربية، وهو يستفيد من ارتفاع الجروف والرياح الغربية في التحليق عاليا، ويستفيد من وجود الأحياء اللاحمة في الجزيرة، البريّة منها والمستأنَسة.

الهوابط الكلسية، مقياس الزمن في العوالم السفلية للجزيرة

تُنظف الجزيرة من الجيف أولا بأول، فقبل أن تهبط النسور -التي تنهي كل شيء- تسبقها طيور منها الغربان والحميمق وكذلك الثعالب، ويبتلع النسر الأسود وحده نحو كيلوغرامين من اللحم.

ثم تأتي خنفساء الروث لأخذ نصيبها من أمعاء الجيفة، وتعيد هندسة غطاء الجزيرة النباتي بتوزيع ملايين البذور من آلاف الأطنان من كرات الروث، التي تجمعها في جحورها لتضع فيها بيضها، وهي بذلك تخلِّص الجزيرة من كميات كبيرة من غاز الميثان الضارّ بالمناخ.

أزينارا.. موطن الحمير وسجن إيطاليا الكبير

تَشكَّل الجانب الشمالي من سردينيا من لقاء الغرانيت والبحر، وهو يمثل مؤخر السفينة الحجرية، وهناك تقع جزيرة أزينارا أو جزيرة الحمير، وتكثر فيها الحُمُر التي جلبها البحارة من البر عبر الأزمان، ويتصور أن عددها يفوق أعداد جميع الحمير في أوروبا.

وعبر عشرات السنين كانت جزيرة أزينارا سجن إيطاليا المركزي خلال الحروب، وقد سكنها عشرات الآلاف من أسرى الحروب وزعماء العصابات والإرهابيين، وكانت قبل قرن مجتمعا للصيد، فلما أصبحت معسكر اعتقال وجب على الصيادين مغادرتها. وحدها طيور النورس كانت وما تزال حرة طليقة عليها، تحلق إلى حيث تحملها الرياح.

أزينارا، جزيرة الحمير

وعلى الجانب الشرقي من سردينيا، ومن فوق جبل سوبرامونتي، تعطينا الوديان فكرة عن غابات الجزيرة في مراحلها البدائية، فأشجار البلوط الدائمة الخضرة تنمو من قلب الصخور، وتمتد جذورها عشرات الأمتار بين الشقوق، وثمارها وجبة شهية للخنزير البري.

تلك الخنازير أصغر حجما من أقرانها في إيطاليا، فيتيح لها ذلك حرية الحركة بين شجيرات الأجمة القصيرة الكثيفة، كما أنها تتكاثر بأعداد كبيرة، فيصبح انقراضها مستحيلا.

جزيرة مأهولة منذ آلاف السنين

تعدّ زيارة المناطق الوعرة في سردينيا، وإيجاد كنز الحياة في الجبال القاحلة بمنزلة عودة بالزمن إلى أكثر من 1000 سنة، فأماكن الماء النادرة لا يعرفها إلا سكان الجزيرة المحليون، ومنهم حجل سردينيا.

وما زال بالإمكان رؤية بعض مظاهر الحياة في هذه التجمعات المائية، مثل السلمندر الجبلي السرديني المهدد بالانقراض، فأعداده المحدودة جدا تعيش في بعض أخاديد الماء القليلة في المناطق الوعرة.

شواهد على العصر البرونزي للجزيرة

وفي سردينيا بعض آثار الحضارات المفقودة، مثل معابد المياه والآبار المقدسة، التي تدل على مكانة المياه وندرتها لدى الحضارات القديمة في الجزيرة. ومنها الحضارة النوراغية الفريدة منذ 3500 عام، فقد غزت قبيلة من المحاربين الأسطوريين سردينيا في العصر الحجري الحديث، مسلحين بأسلحة ثورية يومئذ، وأدوات من البرونز.

وقد بنى النوراغيّون في أنحاء الجزيرة أبراجا من كتل حجرية خشنة تسمى "نوراغيس"، ولا يزال 7 آلاف منها قائمة ومأهولة بأنواع الحياة، فيستوطنها البوم الصغير، والسحالي الثيرانية، التي تشكل -مع مثيلاتها من الزواحف- مصدرا غذائيا مهما للبوم. وتخرج السحالي من سباتها في أبريل/ نيسان، وهو موسم تزاوج الزواحف والطيور على حد سواء، وتضع بيضها في تجاويف بين الحجارة.

أبراج نوراغيس، شاهد على الحضارة النوراغية قبل 3500 عام

وقد أدى تشقق قاع البحر إلى شطر قارة (كورسيكا/سردينيا) المصغرة في أماكن مختلفة، فاندفعت الصهارة البركانية إلى السطح، وأدت الثورات البركانية على طول هذه الصدوع إلى ترسيب طبقات هائلة من الرماد البركاني، مما أسهم في التنوع الساحلي في سردينيا، ثم تصلبت الصهارة المتصاعدة في أعمدة بازلتية، لتشكل الهضاب المتعددة أسطحا للسفينة الحجرية.

صراع المواسم على الجزيرة المهاجرة

تعمل طبقة من البازلت عمرها 5 ملايين سنة على جعل هضبة جاراديغيستوري مانعا لتسرب الماء، وهي السطح الأوسع في السفينة الحجرية، فأمطار الشتاء تتجمع في بحيرات مسطحة، لكنها مؤقتة تُخفي مع الأعشاب المزهرة فقر التربة الرقيقة بضعة أشهر، ثم تأتي شمس الصيف اللاهبة، فتقضي على الماء والخضرة معا.

الخيول البرية تستوطن المروج الخضراء المؤقتة في سردينيا

وقد عاشت الخيول الوحشية على ارتفاع 700 متر أجيالا كثيرة، وكان البشر قد اصطحبوا أسلافها من شمال أفريقيا على متن السفن في العصر البرونزي، تستمتع الخيول بموسم الشتاء والربيع الجميل، المليء بالماء والخضرة، ثم تواجه أوقاتا عصيبة في الصيف القاحل، فلا ماء ولا كلأ، وقليل منها يجتاز هذا الصيف اللاهب إلى الشتاء القادم.

إعلان

تتجمع الزواحف والبرمائيات تحت الحجارة الكبيرة، لتقيها حرارة الصيف، وتحفظ بعض رطوبتها حتى يأتي شتاء آخر. وتمثل الجوانب البركانية من جزيرة سان تيترو جنوب سردينيا ملاذا مثاليا للطيور القادمة من مدغشقر، لكن صقور إليانورا تنغص عليها رحلتها، فهي تصطاد طيور السمّامية المهاجرة، لتكون وليمة لصغار الصقور.

مقدمة السفينة الحجرية تمخر عباب البحر بهدوء

تستعد صغار الصقور لأول رحلة طويلة في أكتوبر/ تشرين الأول، فتسافر 200 كيلومتر إلى الجنوب في تونس، ثم تسافر غربا بمحاذاة الساحل الأفريقي إلى المحيط الأطلسي، ثم جنوبا عبر الصحراء الكبرى حتى تصل إلى مدغشقر، وأما السفينة الحجرية العظيمة فتنتظرها ملايين السنين الأخرى، لتصل إلى وجهتها في أفريقيا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان