أحمد راوي - الجزيرة نت

باسم مكافحة الإرهاب تُكمم أفواه الناشطين المطالبين بحقوق الإنسان في دول عربية عدة، وباستخدام قوانين "فضفاضة" يُغيّب آلاف الناس في السجون، لا لجرمٍ ارتكبوه، ولكنْ لدعواتٍ أطلقوها على منصات التواصل الاجتماعي ليكون العالم العربي مكاناً أكثر عدلا.

نشأت الدولة العربية المُعاصرة في أجواءٍ قريبة من الحرب العالمية الثانية التي عُرفت بالبروباغندا ورموزها، وسنّت القوانين المُنظِمة للإعلام لتتمكن الأنظمة من إبقاء روايتها الرسمية للأحداث في حدود "الضبط الاجتماعي"؛ أي ما يُعزز صورةً للأجهزة الرسمية تقترب من الاجتهاد الدائم أو المعافاة من التقصير.

حين ألقت الحرب الباردة (1989-1955) بظلالها على عالم العرب، كان الاستقطاب في المنابر الإعلامية على أشدِّه بين فريقين أحدهما مال إلى الولايات المتحدة والآخر حدد خلاصه في التحالف مع الاتحاد السوفييتي الذي كان انهياره بدايةً لمصطلحات عابرة للقارات مثل "القرية الكونية"؛ المصطلح الذي أشاعه عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان، وتلقفه العالم استبشاراً بحقبة جديدة، يتواصل فيها البشر بسرعة كبيرة، ويعرفون أكثر عن شركائهم في هذه القرية. نظرةٌ كهذه سادت العالم بعد سقوط جدار برلين، مروراً بثورة القنوات الفضائية، وصولاً إلى ثورات "الربيع العربي" التي كان لمنصات الإعلام الاجتماعي دور مركزي فيها. هذه المنصات لم تكن المطالبة بالحريات عليها، كما بينّا في الحلقات السابقة، بلا ثمن. ولهذا يبدو التفاؤل المقترن بـ"القرية الصغيرة" وحرياتها، خاصة في هذا الجزء من العالم، أمراً لا ينبغي التسليم به. فوسائل التواصل الاجتماعي تتيح لك التعبير عن رأيك، لكنها أيضاً تسمح لأجهزة الدولة والشركات الكُبرى بتعقبك والتعرف إليك أكثر.

يروي يفجيني موروزوف في كتابه "وهم الشبكة: الجانب المظلم من حرية الإنترنت" أن التواصل على الشبكة في عصرنا يحل كثيراً من المشاكل التي واجهت أجهزة المراقبة في العالم الذي سبق الثورة الرقمية. فالتعقب الآن أقل كلفة، وسعة تخزين المعلومات كبيرة جداً (...) كما أن المُراقِبين غير مضطرين لقراءة كل كلمة في البريد الإلكتروني المُراقب؛ كل ما عليهم فعله هو البحث بإدخال كلمات مفتاحية مثل "ديموقراطية" أو"معارضة" أو "حقوق إنسان" ليعرفوا توجهات صاحب الحساب.

نُشر كتاب موروزوف عام 2011، قبل أن يشهد العالم فصول فضيحة "كامبريدج أنالتيكا" التي عصفت بـ"فيسبوك".

في تحقيق بثته القناة الرابعة البريطانية في مارس 2018، كُشف النقاب عن تسريب معلومات أكثر من 50 مليون مستخدم على "فيسبوك" إلى شركة "كامبريدج أنالتيكا" المتخصصة في جمع البيانات وتحليلها. استخدمت الشركة المعلومات المُسربة لصالح حملة ترمب الرئاسية، وفي التأثير على المصوتين قُبيل حملة استفتاء بريطانيا على الخروج من الإتحاد الأوروبي. قال الرئيس الأمريكي السابق ريجان ذات مرة: "المعلومات أكسجين العصر الحديث"، ولذلك ساهمت معلومات ملايين الناخبين الأمريكيين التي حصلت عليها "كامبريدج أنالتيكا" في معرفةِ ميول الناخب السياسية، واهتماماته. وفي تحليله لخطورة ما قامت به "كامبريدج أنالتيكا"، قال د. كريم درويش، باحث أول في معهد قطر للحوسبة، للـ"جزيرة": " خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة حدثت أمور مذهلة؛ من بينها أن باحثي "كامبريدج أنالتيكا" أجروا تحليلات نفسية لمستخدمي منصة التواصل الاجتماعي، شملت اتجاهاتهم وشخصياتهم، ومستوى الدخل بعد أن سُربت إليهم معلومات المستخدمين على "فيسبوك".فمثلاً أراد القائمون على حملة ترمب للأمريكيين من أصول أفريقية في ولاية ما ألا يصوتوا لهيلاري كلينتون، وهم بطبيعة الحال لن ينتخبوا دونالد ترمب لتصريحاته المُسيئة لهم أثناء حملته الرئاسية. هل يُعقل أن تقنع إنساناً أسود أن ينتخب المرشح الجمهوري الذي لم يدعم مطالب السود في الحد من اعتداءات الشرطة غير المبررة عليهم،ولم يُدِن صراحةً حركات النازيين الجدد والاستعلائيين البيض الذين استهدفوا في مظاهراتهم الأمريكيين من أصول أفريقية في مدينة شارلوتسفيل في 12 أغسطس 2017؟ في الواقع حملة ترمب لم تستهدف أن يغير الإنسان الأسود رأيه وينتخب المرشح الجمهوري .. لا .. هي أرادت فقط أن تمنعه من انتخاب المُنافس. كانت حملة ترمب، بمساعدة "كامبريدج أنالتيكا"، تُفصل إعلاناتها بناءً على معرفتها بتفاصيل حيوات الناس اليومية، وسعت إلى استثمار تصريحات هيلاري كلينتون التي قد يُفهم منها تهجماً على الأمريكيين من أصل أفريقي، سواءً كانت هذه التصريحات في سياقها، أو مجتزأة منه، بحيث يصل المستمع أو المشاهد إلى خلاصةٍ بعدم انتخاب هيلاري، وهذا هو نجاح الدعاية الموجهة الذي ما كان ليحدث لولا معلومات "فيسبوك" المُسربة عن مستخدميه."

بعد فضيحة "كامبريدج أنالتيكا"، أصبحت سياسة الخصوصية في "فيسبوك" تحت المجهر أكثر من أي وقت مضى، وأغلقت شركة تحليل البيانات أبوابها. العام ذاته، شهد ما أعاد إلى الأذهان سؤال حرية مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصية بياناتهم. فقد نشرت الـ"نيويورك تايمز" تحقيقاً في 20 أكتوبر 2018، كتبت فيه أن موظفاً في "تويتر"، قريباً من الحكومة السعودية، سرّب معلومات مستخدمين لموقع التدوين المُصغر إلى الحكومة السعودية، شملت أرقام هواتفهم، وعناوين المُعرفات الرقمية لأجهزتهم (IP Address)، ما سهل اعتقال المُغردين المُعارضين الذين اعتادوا التغريد بأسماء مستعارة.

مثالا "فيسبوك" و"تويتر" اللذان شكل فيهما تسريب المعلومات خطراً حقيقياً على خصوصية المستخدمين وحرية التعبير، ليسا وحدهما ما يؤرق المدافعين عن حقوق المستخدمين لشبكة الإنترنت. هناك، أيضاً، تساهل بعض منصات التواصل الاجتماعي مع طلبات "الحصول على معلومات" التي تصلها من الحكومات حول العالم. جيليان يورك، المدافعة عن حرية التعبير، ومديرة مؤسسة الحدود الإلكترونية، أعربت في حديثها إلى "الجزيرة" عن قلقها من رضوخ هذه المنصات للطلبات المُرسلة من حكومات قمعية، إذ هناك حالات عدة استجابت فيها "تويتر" ونظيراتها لطلبات حكومات غير ديموقراطية بإغلاق حساب ما.

رأينا ذلك في مصر مع الناشط وائل عباس، الذي أغلق "تويتر" حسابه عام2017 ، ويُعتقد أن أنصار الحكومة المصرية وراء ذلك. " بحثت يورك تاريخ الرقابة على التعبير في المنطقة العربية والعالم لأحد عشر عاماً، وخلُصت إلى أن أساليب الرقابة الحكومية على الإنترنت تغيّرت بمرور الزمن؛ ففي البداية " اعتادت الحكومات على حجب المواقع، لكنّ ذلك لم يكن مجدياً، إذ لم يمنع حجب فيسبوك الناس في تونس ومصر من النزول إلى الشوارع والتظاهر عام 2010.

تعلمت الحكومات الدرس، فراحت تتبع أساليب رقابية جديدة، ولكن هذه المرة عبر استخدام هذه المنصات لتقوم بالرقابة نيابة عنها. بهذا تضمن الشركات الوجود والنمو في أسواق كبيرة ". يتفق محمد، الناشط في فريق "سميكس" التطوعي، المعني بحرية الإنترنت في المنطقة العربية مع يورك في أن الحكومات تستغل حاجة شركات الإعلام الاجتماعي للانتشار، وجذب مزيد من المستخدمين إلى منصاتها، فيصبح من الصعب أن تعترض الشركات على سقف الحرية المنخفض في هذه البلدان.ويعتقد محمد أن "علامات استفهام كثيرة تُرسم حول شركات الإعلام الاجتماعي، التي تتخذ من دبي مقراً إقليمياً لها. فالإمارات لا تحترم حقوق الإنسان، وهذا ينسحب أيضاً على الحقوق على شبكة الإنترنت. كما أن الإمارات، وسواها من دول خليجية (السعودية وعُمان)، لم توقع على "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الذي تنص مادته التاسعة عشرة على وجوب احترام حرية التعبير وضمان الحق في "البحث عن المعلومات وإرسال مختلف الأفكار واستقبالها".

هذه الحقوق الإنسانية تصطدم بقوانين تُجرّم حرية التعبير وتربطها بالإرهاب، وتُشيع مُناخاً فكرياً يخافُ أن تؤخذ الكلمات على غير محملها، إذ تسييس القوانين وتفصيلها لإدانة المُعارضين للروايات الرسمية أمران لا تُخطئهما العين. ففي أعقاب فرض الحصار على قطر، منعت السعودية والإمارات والبحرين مواطنيها من التعاطف مع الدوحة، وعدّت ذلك جريمة تُعاقب عليها قوانين الجرائم الإلكترونية؛ وفي مصر، أقرّ البرلمان في أغسطس 2018 قانوناً يُتيح للمجلس الأعلى للإعلام الإشراف على حسابات المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي، واعتبار الحساب الذي يتجاوز متابعوه خمسة آلاف مستخدم مَنفذاً إعلامياً يخضع لقانون الإعلام. واقعٌ كهذا أسماه التقرير الأخير لـ"فريدوم هاوس" عن حرية الإنترنت في العالم: الشمولية الرقمية، إذ تزيد الحكومات من إحكام قبضتها على مستخدمي الإنترنت، بحجة مكافحة الأخبار الكاذبة والإرهاب.

المثال الصيني في الرقابة والمُراقبة حضر في التقرير كأنموذجٍ أصبح تصديره إلى دول أخرى مُهدداً لحرية الإنترنت، وباعثاً على التشاؤم من مستقبلٍ قد تتفوق فيه تقنيات المنع والمُصادرة على أصوات الساعين إلى جعل الإنترنت ومنصات إعلامه الاجتماعي منابر للتغيير. يشرح إليكسي إبراهامز، الباحث في جامعة تورنتو، للجزيرة ما تريده الحكومات، التي لا تتمتع دولها بحريات عامة وليس فيها انتخبات حُرة، ولا يُسمح فيها باستطلاعات رأي نزيهة، من منصات التواصل الاجتماعي:" هذه الحكومات تُراقب منصات التواصل الاجتماعي باهتمام شديد لتعرف القضايا التي يشعر الناس بغضب تجاهها،وليكون لها القدرة على التنبؤ بسلوك رعاياها. اهتمام كهذا، مع قليلٍ من المال، يفتح الباب لإنشاء حسابات وهمية كثيرة على منصات الإعلام الاجتماعي، وبالأخص "تويتر"، مهمتها التلاعب بالرأي العام، والتغريد أو إعادة التغريد بما يلائم الموقف الرسمي."

سألنا "تويتر" عن حقيقة الحسابات الوهمية، وجيوش الـ"بوتس"، وما يُثار من أن المنصة أصبحت ساحة لملاحقة الناشطين، وعوناً للحكومات القمعية، وأنها لا تتعاطى بجدية مع قضايا الحريات في هذا الجزء من العالم، فأرسل ناطقها الرسمي رداً مُقتضباً لم يجب عن كل أسئلتنا، جاء فيه:" سياسات "تويتر" لمُكافحة "البوتس" واحدة مع جميع مناطق العالم، وأولويتنا هي في خلق مُناخ صحي للحوار العام، ضاعفنا من أجله الاستثمار في أدواتٍ جديدة مكنتنا ومازالت تمكننا من اكتشاف مابين 5-10 ملايين حساب وهمي كل أسبوع."

"تويتر" تجتهد. ففي 23 إبريل 2019، نشر موقع "ذا هيل" أن المنصة أغلقت 5 آلاف حساب للبوتس، وصفت "تقرير مولر" بالخدعة، وأشاعت في السابق رسائل مُتعاطفة مع الحكومة السعودية". خطوة الشركة هذه قد تسهم في تحسين صورتها، بعد أن كثرت شواهد القمع والتنمر على منصتها الزرقاء، لكنها، بحسب منى السواح، الباحثة في معهد أكسفورد للإنترنت، ليست كافية، فـ"صانعو البوتس يتطورون، وسيكون هناك من توظفه الحكومات لنشر رسائلها. وإذا تحدثنا عن المستقبل، فيمكن القول أن الحكومات، التي تضع استهداف الناشطين المعارضين نصب أعينها،لن تغض الطرف أبداً عن منصات التواصل الاجتماعي، وستكون المُراقبة بالمرصاد".

كم كنتُ أتمنى أن أختم بإجابة أكثر تفاؤلاً من هذه.