فيلم بابل.. حين يجسد مشهدٌ واحدٌ قيمة شعب

BLOGS فيلم بابل

لا زالتْ تَحضُرني تلكَ اللحظةُ بقوة، وإن كُنتُ قد عشتها قبل ثلاث عشرة سنةً. كانَ الحدثُ مهرجان مراكش الدولي للفيلم في دورتهِ السادسة، العامُ 2006، ذاتَ مساء حضرتُ عرض الفيلم الأمريكي بابل للمخرج المكسيكي آليخاندرو كونزاليس إناريتو وبطولة المُمثل براد بيت. فيلمٌ تدورُ أحداثهُ في ثلاث قارات من العالم ويروي أربعَ قصصٍ بأربعِ لغاتٍ مختلفة هي العربية والإنجليزية والإسبانية واليابانية. قصصٌ تشُدكَ ببساطتِها وحِبكتها المُتقنة في الآن نفسه. تنتَقلُ عدسةُ المُخرج من بلدٍ لآخر وتنتقلُ معها تفاصيلُ التجاربُ الإنسانية ما بينَ شقاءٍ وكفاحٍ للعيشِ بكرامة والبحثِ عن الذات وسطَ متاهاتِ العالم.

في القصة التي تدورُ أحداثها في إحدى المناطق بالأطلس الكبير قرب مدينة ورزازات بالمغرب، حيثُ بطلُ الفيلم براد بيت الذي يُجسد دور ريتشارد وزوجتهُ سوزان جونز، سائحان أمريكيان من سان دييغو في زيارةٍ للمغرب، زيارةٌ تشهدُ تحولاً تراجيدياً بعدما تُصيبُ رصاصةٌ طائشة السائحة الأمريكية سوزان التي كانت تستقلُ حافلةً رفقة زوجها، رصاصةٌ أُطلقت من بندقيةِ صيدٍ كانَ الأخوان، أحمد ويوسف، راعيا الغنم، بصدد تجريبها بعدَ أن تلقاها والدُهما عبد الله من جاره حسن إبراهيم حتى يُبعد خطر الثعالب التي تُهدد قطيع الماعز الذي يُشكل مصدر عيشه. تأخذُ القضيةُ بعداً دولياً بعد اعتبار الحكومة الأمريكية الحادثَ عملاً إرهابياً استهدفَ أحد مواطنيها داعيةً السلطات المغربية لتوقيف الفاعلين..

وسطَ كلِ هذا، وفي غياب مستشفى أو مصحة بالمنطقة، تتجهُ الحافلةُ، نزولاً عند نصيحةِ أنور المُرشد السياحي المرافق للركاب، إلى قريته وهي الأقرب أملاً في إنقاذِ حياةِ سوزان بطريقة تقليدية. تتوالى الأحداثُ وتزدادُ الأمور تعقيداً حينما تمنعُ السفارة الأمريكية بالرباط سيارة إسعافٍ من التوجه للقرية مُفضلةً أن تقوم مروحية هليكوبتر أمريكية بتلك المُهمة.

مشهدُ الهليكوبتر ذاك هو الذي ظلَّ راسخاً في ذهني، حينَ يَهُمُّ طاقم الطائرة الأمريكي بحمل سوزان إلى داخل الهليكوبتر بمساعدة كل من زوجها ريتشارد وأنور المُرشد السياحي مع مغيبِ الشمسِ وسط تجمهُر أهل القرية وحضور رجال الدرك الملكي. يعانقُ ريتشارد أنور بحرارة شاكراً إياهُ على ما قدمهُ من مساعدة، يمُدُّ ريتشارد يده إلى جيبهِ ويُخرج محفظة نقوده مبادراً إلى إعطاء أنور مبلغاً من الدولارات عُربونَ تقديرٍ للوقتِ الذي أمضاهُ مع الزوجينِ في محنتهما، هذا الأخير يرفضُ ذلك غيرَ ما مرة في ظل إصرار ريتشارد الذي يتأملهُ لهُنيهة ويودعه بعبارة Thank You، في تلكَ اللقطةِ الصامتة ذات الخلفية الموسيقية الفخمة تهتزُ قاعة السينما بالتصفيق المُتواصل، مشهدٌ دبَّت معه قُشعريرةٌ في كاملِ بدني ومشاعرُ مُختلطةٌ بينَ ابتسامةٍ على مُحيايَ ودمعةِ افتخار على خدي.

جسَّد ذلك المشهدُ كرمَ الإنسانِ المغربي، تسامُحَ المغاربة مع مختلفِ الأعراق، مثلما جسَّد إنسانية اللحظة باختصار والتجرد من كل ماديات الحياة.. كان ذلكَ المَشهدَ الذي ارتأى أن يَختمَ به مخرجُ بابل، آليخاندرو كونزاليس إناريتو، أطوار القصة في تلك القرية ومعها المشاهد الخارجية بالمغرب. لتُقلعَ الهليكوبتر وتُحلقَ في سماءِ المغرب عبر سلسلة جبال الأطلس مروراً بالوديانِ وصولاً إلى الدار البيضاء بمعلمتها صومعة مسجد الحسن الثاني الشامخة إلى أن تستقرَ بسطحِ بنايةِ مستشفىً. ولعلهُ المَشهدُ الذي طبعَ الفيلمَ بقوة، ليسَ تحيزاً مني أنا المغربي بل تلكَ هي مُلاحظةُ أي مُشاهد ذي حس نقدي.

ولا شكَ أن ذاتَ المشهدِ قد تركَ انطباعاً جيداً لدى من شاهدهُ ممَّن لم يتعرفوا على المغاربة عن قربٍ ومن خلالهم العربَ والمُسلمين، وقد يكون نجحَ في تغييرِ صورٍ نمطية سلبيةٍ لدى من يحملون أحكاماً مسبقة ذكَّتها رواياتٌ من هنا وهناكَ، قد تَكونُ بعضها جزئيةً وظرفية ولا تُحاكي الواقعَ السائد. تلكَ هي السينما، تَرفعُ أقواماً مثلما تُقهقر أخرى من خلال عدسةِ المُخرج، تُصححُ صوراً نمطية وكليشيهات أو تزيدُ في تعميقها، كلُّ ذلكَ يعتمدُ على رؤيةِ المُخرج ولمستِه الإبداعية التي قد تكونُ بسيطةً في ترجمتها، عميقةً في دلالاتها. تُعلمُكَ السينما أنَّ لكل ركنٍ من أركان الصورة المكونة لكل مشهدٍ مقصِدُه وغايتهُ، تِلكَ التفاصيلُ الدقيقةُ هيَ التي تبصُم على تألقِ عمل سينمائي عن آخر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة