بين القتل والمحرقة كيف عشق "أدولف هتلر" باريس؟

"أشكر القدر الذي سمح لي برؤية هذه المدينة العظيمة التي لطالما سحرتني"

– أدولف هتلر

       

فجر يوم ٢٣ من يونيو حزيران سنة ١٩٤٠ وصل الزعيم النازي ادولف هتلر الى باريس بعد اسبوعٍ فقط من احتلالها من طرف الفيرماختWehrmacht  (الجيش الألماني)، لم يقم خلالها باستعراض عسكري كبير بين شوارها كما يفعل عادةً القادة المنتصرون، إنما كانت زيارة سرية أشبه بالحلم الذي راوده طويلاً، لأن عاصمة الأنوار فتنته منذ الصغر لدرجة انه يحفظ فضاءاتها كأنه من سكانها.

    

كان أول مكان توقف عنده هو "أوبرا غارنييه opéra garnier"  وسط العاصمة والتي تعتبر فخر العمارة في القرن التاسع عشر، ثم صورته الشهيرة أمام برج ايفل بثوبه العسكري ليبعث رسالة للحلفاء مفادها أنه سوف يهزمهم وقد اقترب منهم بشكل كبير، شكلت تلك الصورة رعبًا حقيقيًا في ذلك الوقت الزعيم النازي على مشارف احتلال أوروبا ، خلال بضعة أسابيع من المواجهة استسلم الجيش الفرنسي وهرب "شارل دوغول" الى لندن وبقيت فرنسا ومعها باريس ثكنة للجيش الألماني ليعبث بها كما يشاء.

   

في جولته الباريسية لم ينسى هتلر أن يعيد التاريخ في مبنى "لانفاليدl’invalide" حيث يوجد قبر نابليون بونابارت الإمبراطور الفرنسي الذي كان يحلم ان يحكم أوروبا، كانت زيارة ردّاً للاعتبار للألمان الذين لم ينسوا زيارة بونابارت سنة ١٨٠٦ لـ"بوتسدام" حيث يوجد قبر فريديريك الثاني ملك بروسيا بعد انتصاره الكبير، بين هتلر وبونابارت قواسم مشتركة كثيرة منها الطموح المشترك (الاحتلال والإبادة) وكانت نهاية جيوشهما معا في صقيع روسيا.

  

جرمانيا عاصمة العالم

كانت توجد في مفكرة هتلر عاصمة كبيرة تليق بمجد الإمبراطورية التي أرادها سماها جرمانيا تحل محل برلين وتحاكي باريس في روعتها ودقتها وفنونها، حتى أنه في جولته الباريسية أخذ معه رجالاً لا علاقة لهم بالحرب من بينهم المهندس النازي "ألبير سبير" والذي كان محط إعجاب هتلر وهو من وضع هندسة العاصمة الجديدة جرمانيا التي ظلت تصميمًا على ورق فقط.

      

  

خلال الفترة الممتدة (١٩٤٠-١٩٤٤) سرق النازيون الآلاف من اللوحات والقطع الأثرية النادرة معظمها من باريس وأخرى من كل أوروبا، لدرجة ان هتلر امر بإحضار لوحة "الرجل الفلكي" للرسام الهولندي "فرمير" وكان يعتبرها أعظم لوحة في التاريخ، ولأن اللوحة لم تكن في متحف المدينة كلف فريقًا خاصًا للبحث عنها وإحضارها له، وقد تم بالفعل سرقتها من مالكها الذي لم يكن سوى عائلة "روتشيلد" العائلة المصرفية الشهيرة.

  

في عاصمته جرمانيا كان هتلر يستعد لبناء أكبر متحفٍ في العالم يجمع فيه جميع التحف المسروقة ويمثل العظمة الجرمانية بالنسبة له، لأن تفضيل عرقه الجرماني الآري أصبح علماً بالنسبة للنازيين، ارتكب الألمان جميع الفظاعات الممكنة من أجل احتلال العالم قتلوا ونهبوا وأبادوا اليهود في كل أوروبا من خلال معتقلات الإبادة والمعروفة اليوم بـ"الهولوكوست". وضع المهندس ألبير سبير هندسة العاصمة الجديدة فيها شيء من باريس التي يعشق الزعيم لكن عندما ستكتمل ستصبح باريس أمامها لأشيء حسب قول هتلر.

  

بين القتل والفن ضاع هتلر

"نعرف الآن أن رجلاً ما يمكنه أن يقرأ غوته أو ريلكه في المساء، وبإمكانه أن يلعب موسيقى باخ وشوبرت، ثم يذهب الى عمله النهاري في أوشفيتز (معسكر اعتقال نازي) في الصباح التالي" 

– جورج شتاينر

 

ظلت شخصية أدولف هتلر مستعصية على الفهم بالنسبة للدارسين والمتخصصين لأنه كان فنانا ذو حس مرهف رسم لوحاتٍ كثيرة في شبابه في فيينا وكان يحلم أن يصير مهندساً معماريا، وفي الجهة المقابلة كان سفاحاً من الطراز الأول بل انه أكثر قائد دموي في التاريخ، فمن اجل تحقيق أهدافه كان مستعدا لأن يقتل كل من يقف ضده وضد طموحاته.

 

هذه الشخصية المركبة التي سببت ويلات وألام لا تنسى الى اليوم وبسببه مات خمسين مليون إنسان في حرب تعتبر الأكثر دموية على مر العصور (الحرب العالمية الثانية)، عشق هتلر باريس بفنونها وعمارتها وعشق أيضا اوشفيتز (معسكر اعتقال نازي) الذي قتل فيه الملايين من اليهود.

 

باريس تحت رحمة الديناميت

كان الجنرال "تشولتيتز"رجل الدمار بالنسبة لهتلر هو الذي دمر مدينة روتردام سنة١٩٤٠ ومدينة سيباستوبول السوفيتية سنة١٩٤٢، كانت فلسفته واضحة "لا نترك مدينة صالحة للحلفاء ليدخلوها"، عندما يشعرون باقتراب جيوش الحلفاء منهم يفجرون المدن فتصير دمارًا، أمره أدولف هتلر بتفجير باريس بمجرد اقتراب الحلفاء منها بعد توالي هزائم الجيوش النازية في الشرق والغرب واقتراب هزيمتهم الوشيكة.

   

  

لم يتم تفجير باريس مع اقتراب الحلفاء وهرب الألمان واستسلم بعضهم ولم يتم تفجير المدينة ليطرح السؤال لماذا؟ تعددت الروايات التاريخية دون تأكيد اَي واحدة منها فهناك من يقول اأن جنرال الدمار "تشولتيتز" رفض أن يلطخ اسمه تاريخيا بمفجر باريس وهذا مستبعد لأن النازيون كان آخر همهم ما سيقوله التاريخ حولهم لأنهم كانوا متأكدين من انتصارهم في الحرب بتلك الطرق الوحشية، وهناك من يقول أن الألمان لم يتوفروا على المتفجرات الكافية لتفجير مدينة بحجم باريس وقد نفدت ذخيرتهم بفعل الحرب الطويلة المستنزفة لذلك ارتأوا الهرب بأقل الخسائر، والرأي الأخير يقول أن الزعيم النازي بكل جرائمه رفض في الأخير تدمير مدينةٍ عشقها منذ صغره بكل ما تحمله من رمزية تاريخية وإنسانية .

 

صحيح أن أدولف هتلر كان معجبا بمدينة باريس وذلك ما توضحه أشرطة الفيديو خلال الأربعينات وقد قرأ في شبابه كتبا كثيرة حول فنون المدينة ومعمارها لدرجة أنه أراد سرقة كنوز باريس ليبني متحفا في عاصمته الخالدة "جرمانيا" لكن أن نقول إنه رفض تدمير المدينة من شدة حبه لها هو أمرٌ مستبعد لأن الرجل لم يعرف رحمةً ولا شفقة بالإنسان فكيف له أن يشفق على الحيطان؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة