عن دمعاتنا التي كتمناها

blogs – حزن

حدثتني عن تلك الغصة التي تخنقها بشدة، حدثتني عن تلك العَبرَة.. عَبرَة ليست كغيرها مما عرفناه، تلك العَبرَة التي لا تفيض بها العيون، بل تسكبها على القلب فيلفح الخدودَ صقيعُ برودتها، ويكتوي القلب بلهيب نارها، تلك الدموع التي لا تجد لها مخرجا من الصدر فيستريح، تلك الدموع التي لا تغادرنا بل تسكننا فتحرقنا من الداخل، بماذا أخبر صديقتي وأنا أراها تسكب في غيب دموع الضياع، صمتها طويل ومخيف جدا، وعيناها شاردتان قد سُحِبَت منهما روح الحياة، تَنْظًر إليها فتعلم أنها تَنْظُر لعالم آخر عالم الهم والغم.

   

جذبت صديقتي برفق، وخلوت بها بعيدا عن صخب الآخرين، همست في أذنها: "عزيزتي، قد رفعت الأقلام وقد جفت الصحف" توقفي عن قتل نفسك كل يوم، توقفي عن الضمور كل يوم، توقفي عن تحميل نفسك ما لا تطيق، توقفي عن جلد ذاتك، وارحمي نفسك.. نظرت إلي وامتلأت عيناها بالدموع وأجهشت طويلا بالبكاء، تأثرت لكني لم أتألم بل على العكس غمرتني فرحة غريبة، فذلك الضيق الذي كان سيفجرها ويهلكها انساب دموعا تروي صحراء قلبها وعقلها، أَنْهَارُ الدموع تلك ستجرف معها صخورَ الكتمان التي كادت تسحق قلبها، تركتُ صديقتي تبكي وجلستُ إلى جانبها، أمسكت يدها وأنا على يقين أن حوارا صامتا دار بيننا أخبرتها فيه أنِّي أشد عليها لأثبتها، أشد عليها لأخبرها ألا تمسح الدمع ولتَتَرْكْهُ ينهمر فالقلب يوشك أن تُغرقه سدود الخجل من الضعف.

  

استسلمي وفوضي وإلجئي بمجاميع نفسك، لا تتركي للشك منفذا، بل ليكن قلبك وعاء للإيمان واليقين، تذكري يا عزيزتي قولهم: من وجد الله فماذا فقد ومن فقد الله فماذا وجد؟

فلتبكي يا صديقتي! فالبكاء ليس ضُعفا، إنه رحمة الله بنا، إنه لطف الله بنا، فنحن عندما نبكي تسكن نفوسنا ونطمئن، ابكي يا صديقتي! ما استطعت إلى ذلك سبيلا، لا تدَّعي القوة عند لحظات الضعف، لا تَحملي فوق الضعف قهرا، الدموع يا عزيزتي تغسل درنات الحزن والغم، تسقي قلبا أظمأه الألم والحَزَن… لم أسأل صديقتي ما الخطب، كل ما استطعت قوله بعد أن هدأت نفسها وسكن قلبها ولمحتُ شيئا من بريق الحياة مجددا في عينيها: إن هذه الحياة يا صديقتي ليست دائما على الوجه الذي نحب، هي ترمينا أحيانا بسهامها وتطعننا بخناجرها وتكسرنا بقسوتها، تُقَيِّدُنا بأغلالها بين الفينة والأخرى.

  

نحن في كَبَد مستمر وفي جهاد لا ينقطع، ما أنصحك به يا عزيزتي دعاء لطيف جدا، كلماته ساحرة، تَهدأ بها خفقات القلب أمام معانيه، ردديه بقلب منكسر وانظري كيف سينجبر! قولي: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ، آمنتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنزَلْت، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرسَلتَ. هذا الدعاء يا عزيزتي بَلْسَمٌ لكل من ضاقت به السُبل، كلما اعتصر القلب، وجفت العين وغرقنا في بحار الضيق والقهر، فلنُسْلِم أنفسنا إلى الله: ومن أرحم بنا من الله؟ ومن أقوى من الله؟ ولنفوض أمرنا إلى الله: أليس هو العادل في حكمه الحكيم في كل أمره؟ من أعظم منه حتى نفوض أمرنا لغيره؟ ونُلجِئُ ظهرنا إليه، وهنا في واحة هذا اللجوء نستريح ونطمئن، إذ نعلم أننا لجأنا إلى العزيز في ملكه، فنحتمي فيه فلا نخاف ونحن بجوار رب الأرض والسماوات، هذه الكلمات ردديها يا عزيزتي بقلبك، تدبريها حرفا حرفا كلمة كلمة.

 

استسلمي وفوضي وإلجئي بمجاميع نفسك، لا تتركي للشك منفذا، بل ليكن قلبك وعاء للإيمان واليقين، تذكري يا عزيزتي قولهم: من وجد الله فماذا فقد ومن فقد الله فماذا وجد؟ عندما تَضِيعِين تَتُوهين تُقهرين و تُذنبين أو تُظلمين تَذَّكري أن لا ملجأ من الله إلا إليه، مقاليد الأمور كلها بيديه فكيف يضيع من آوى إليه، الانسان خُلِق ضعيفا: ستتعثرين، ستنسين، وقد يمزقك الهم من جديد ويضيق الصدر من جديد، لا بأس! أعيدي هذا الدعاء من جديد، افقهيه وخذي كل ضعفك وضعيه بين يدي الله وارفعي كفك للسماء وقولي اللهم إني أسلمت نفسي إليك.

 

ابتسمت صديقتي ابتسامة سعيدة، أشرق وجهها، نظرت إلى السماء مجددا وذرفت دمعة جميلة جدا كانت دمعة فرح وتسليم لأمر الله، ربتت على كتفها وقلت لها حتى أكمل نصيحتي، فهذا الدعاء في حديث صحيح عنِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ، رَضِيَ اللَّه عنْهمَا، قَالَ: قَالَ لي رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ، وقلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نفِسي إِلَيكَ، وَفَوَّضتُ أَمري إِلَيْكَ، وَأَلَجَأْتُ ظَهرِي إِلَيْكَ، رغبةً ورهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلجأَ ولا مَنجي مِنْكَ إِلاَّ إِليكَ، آمنتُ بِكِتَابِكَ الذِي أَنزَلْت، وَبِنَبِيِّكَ الذِي أَرسَلتَ، فإِنْ مِتَّ. مِتَّ عَلَى الفِطرةِ، واجْعَلهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ.

 

حياتنا تهنأ عندما نكون على فطرتنا السوية التي تُؤْمِن أن أول الأمر وآخره بيد الله وحده، فتطمئن وتستسلم لأمر الله وتعلم من تدعو وبمن تستجير والأجمل أن ليس بين العبد والرب إلا دعاء لا يحتاج ترجمانا ولا رسولا: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ" جعلني الله وإياكم وسائر المسلمين ممن استجابوا وآمنوا وكانوا من الراشدين آمين.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة