تساؤلات الهُوية.. من الجماعية إلى الفردانية

blogs مجتمع

تعتبر فكرة الملاذ من أكثر الأفكار التي لازمت وعي الإنسان منذ وجوده الأول، فهو دوما ما كان يسعي للملجئ والحصن والمعاذ ولمكانٍ تسكن فيه نفسه وتطمئن، ويتضح هذا من بحثه عن البيت باعتباره مكانا يحفظ وجوده البيولوجي. وعلى جانب أخر كان هناك جزءا لا يُستهان به من سعيه يتجه للبحث عن ملاذا لروحه، ملاذا ينجو به الضياع الوجودي، باعتباره كائنا يعيش على المعني ويسعي لخلقه باستمرار، كما أن الإنسان في صراع دائم مع نفسه والواقع بسبب تعدد التفضيلات بينما الاختيار لابد أن يكون واحدا في النهاية، لذا كان لابد من ملاذٍ نفسي يعيطه القدرة على الاستمرار ويمده بالطاقة، كما أنه يسعي لتعريف ذاته وفهم أناه وتكوين وجودا مستقلا له وفهم معنيً متسقا للوجود إضافة لكافة الاحتياجات الأنطولوجية والسيكولوجية التي نستطيع أن نضمها لبعض ونضعها تحت تعريف الهوية..

وكانت الاستجابة لهذه الاحتياجات منظومة الرواسخ المتينة التي يعبر عنها الدين واللغة والثقافة، والتي تقابل البيت كملاذ روحي، وهذه الملاذات شكلت هُوية الانسان باعتبارها الإطار الروحي الذي يشبع الإنسان فيه رغبته بالانتماء وبالطمأنينة. وإلا فكيف ستكون حياة الإنسان بلا ملاذات؟ فماذا لم يكن هناك بيت يأوي إليه، فكيف سيمارس حياته، وما هي التغيرات التي تطرء عليها، والأولويات التي ستملؤها، وكيف سيأمن الإنسان تهديات الطبيعة، وما هي السلوكيات التي سيتوقف عنها وما التي سيفعلها مضطرا. أو على جانب أخر ماذا لو لم يكن للإنسان لغة أم يشعر من خلالها بوجوده ويتصل بتراثه، أو ماذا لو كان بلا دين، فكيف ستكون علاقته بالأله وبنفسه وبالمجتمع وبالطبيعة، وماذا عن الفوضي العارمة التي ستجتاح حياته، وكيف أن الفوضي والعبث سيسيطران على وعيه إزاء الكون عديم المعني لأن الوجود كله بما فيه وجوده هو غير متسقٍ بلا سردية قادرة على تفسيره، وماذا لو لم تكن هناك ثقافة لها من التجدر والترسخ ما يمنحها قوة لتؤسس منظومة توقعات الفعل الاجتماعي فيخلص الحياة من الفوضي؟

تساؤلات كثيرة ولا إجابة غير الخوف والقلق وكل المشاعر التي تردافهما، سواء عند غياب الملاذات البيولوجية أو الأنطولوجية. ولذلك سعت الجماعات الوسيطة أو مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها الأسرة ودور العبادة ومؤسسات التعليم على غرس هذه الرواسخ أو مححدات الهوية، أو يقنيات الأمن والحماية المجتعية، والتأكيد على المفاهيم الضامنة للملاذات اللازمة لاتزان السلوك الجمعي في الزمان والمكان..

فكرة تضحية الفرد من أجل الأخرين -باقي الجماعة- شيئا من الخيال لأن الروابط التي تجمع الأفراد لتصنع منهم بناءا وكيانا واحدا تفككت، فانمحت قدرتهم على تنظيم فعل صغير

ما نريد أن نأكد عليه هنا أن هذه العملية كانت تتم بشكل جماعي، أي أن الجماعة هي من كانت تتولي مسؤولية القيام بهذه المهمة، إضافة لأن الفرد لا يستطيع أن يحصل على هوية أو تعريف لذاته إلا من خلال الجماعة. الأمر الثاني أن هذه العملية كانت تتم من خلال منظومة الرواسخ أو محددات الهوية التي امتازات بالصلابة أي بثبوتها على شكل محدد مع امتداد المدة الزمنية التي تمر عليها.. وهذا بدوره ما كان يجعل للمجتمع حضورا وكيانا له قوة تستطيع من خلالها أن يتخذ موقفا ما أو ردة فعل تجاه حدث معين، والبحث القليل للتاريخ نستطيع أن نري بوضوح طيلة فترة الاستعمار الذي جثم على البلاد العربية حيث المناهضون له كان سعيهم يتركز على جمع أهل البلد المُستعمر للدين واللغة والثقافة الوطنية باعتبار تلك اليقنيات هي الخطوط العريضة التي ستوحدهم وتنظم ردة فعلهم تجاه المستعمر..

ولطالما كانت هذه الرواسخ مثل جدارن البيت التي تحوط ساكنيه فتمنحهم استقلالية وخصوصية ثقافية ورمزية دينية، كان ذلك في كل مكان في الشرق والغرب والهند والصين. وبمرور الوقت وسيطرة القوي العولمية أصبحت هذه الأسوار شفافة جدا والأمر هنا لم يتجه للاتصال أو التفاعل الثقافي بل اتجه نحو النمذجة والتذويب الثقافي والقضاء على الاختلافات وأسبابها وجعل العالم كله قرية صغيرة تؤمن بنفس القيم وتمتثل لنفس الثقافة وتعَّرف نفسها على كل ما بينها من اختلافات بنفس الطريقة، تم العمل على ذلك بخطط ممنهجة وفي الحقيقة قد نجحت نجاحا باهرًا،وللإنصاف لم يكن في ذلك خيرا للمجتمعات التي انصهرت وفقدت محددات هويتها بل إنها أصبحت مسخا، لا يستطيع أن يكون هو بخصوصيته ولا أن يكون كما يُراد منه أن يكون..

وهذا قضي أول ما قضي على منظومة الرواسخ ففقدت قيمتها وتلاشت تدريجيا، وهذا ما اقتضي وجود ملاذات جديدة لأن حاجة الإنسان لإطار روحي يشعر من خلاله بالانتماء والوجود لا تتغير أو تتلاشي. وهذا ما أنتج مسارات جديدة لتحقيق هذه العملية التي اختلفت عن سابقتها في أنها أصبحت تتم بشكل فردي، فبعدما تقوضت منظومة الرواسخ لم يعد الفرد بحاجة للمجتمع بل أصبح مكتفيا بذاته، أصبح هو بطل القصة وأصبح تحقيق الهوية مغامرة يقضيها الفرد مهما سببت له من ألالام، الاختلاف الثاني أن الملاذات الجديدة استمت بالخفة والسيولة فأصبحت في حالات من التجدد والتغير المستمر الذي لا يتوقف مما أدخل الفرد في حالة من القلق الأنطولوجي لا السيكولوجي لأن عملية الانتماء تتخذ أشكالا جديدة كل فترة والأنسان بدوره يسعي باستمرار لتحقيق الأنتماء الذي لا يكتمل في لحظة ما. وزاد الطين بلة حينما تقوضت الدولة ايضا كمحدد صلب للهوية بعدما تخلت عن الخدمات التي كانت تقدمها للمواطنين، وذلك بسبب تداعيات انفصال السلطة عن السياسية وانتقالها من الدولة للسوق.

وهذا بدوره ما أنتج مجتمعا من الأفراد، مجتمعا بلغت الهشاشة منه مبلغها، لا يستطيع أن يتخذ موقفا تجاه قضية أو يتحد لحل مشكلة ما، ففكرة تضحية الفرد من أجل الأخرين -باقي الجماعة- شيئا من الخيال لأن الروابط التي تجمع الأفراد لتصنع منهم بناءا وكيانا واحدا تفككت، فانمحت قدرتهم على تنظيم فعل صغير، حيث الكل يبحث عن منفعته هو فقط ولا يهتم للاخرين لأنه في غنًي عنهم. وتعتبر وسائل التواصل الاجتماعي من أهم الملاذات الجديدة التي تمنح الهوية لمستخدمها وساعد على ذلك ضرورة الاتصال ومجانيته، فالشباب من خلالها يشعر بالاستقلالية وبالانتماء وبكونه الشخص الذي يريد، مما جعلها لا تكتفي بمجرد التواصل لتهتم بصناعة الرأي العام وتوجيهه وتشارك في تكوين الشخصية وتحديد قيم الفرد والتحكم في مواقفه وسلوكياته خاصة إذا كان المستخدم يافعا لا يملك من المعرفة والخبرة إلا القليل، لأنها تقوم على اللامسؤولية الاجتماعية والاقتصادية، إضافة لأنها تقترح سرديات تضفي المعني على الحياة وتشيع في العالم اليومي المتع والملذات وتمنح المستخدمين القوة على مواجهة المصير والثأر من مأسي الحياة حتي وإن كان ذلك بشكل مُتوهم. على جانب أخر ساعدت هذه الوسائط -الملاذات البديلة- على نمذجة الأذواق وتحقيق أهداف العولمة بنجاح يفوق التوقع..

وأما عن الملاذ الثاني فهو الإستهلاك.باختصار شديد أصبح الإنسان يستمد قيمته مما يستهلكه من أشياء ومنتجات، فأصبح الإنسان يعرف نفسه ويستمد قيمته من السيارة التي يركبها أو الهاتف الذي يستعمله أو المستشفيات التي يتعالج فيها أو المدارس والجامعات التي يتعلم أولاده بها أو البرند الذي يشتري منه ملابسه تلك العملية التي تتضمن الشراء أولا ثم الإلقاء في القمامة ثانيا والتخلي التام عن المنتج أو الخدمة المقدمة. ولابد من العملتين حيث أن المنتجات والخدمات نفسها في تطور مستمر إضافة للاحتياجات التي تُخلق فتُوجد منتجات وخدمات جديدة مما يتطلب من الأنسان الشراء ثم التخلي لأن تلك السلع تفقد قميتها الاجتماعية وبالتالي تتلاشي القيمة التي كان تُمد بها صاحبها، وهذا ما يضطره مجددا لشراء السلع الجديدة لحيازة المعني منها، وهكذا دواليك.

وهنا يتضح سعي الإنسان لملئ الفراغ الذي سببه فقدان منظومة الرواسخ المتينة، ومحاولته لتعويض ذلك بمشاعر الأنتماء والأندماج مع السلع أو الأماكن التي توفر له خدمات معينة، أيضا يتضح كيف أن هذه العملية تتم بشكل فردي جدا، إضافة لأن عملية الانتماء لا تتحقق بالصورة التامة مثل السابق لأن محددات الهُوية اختلفت عن منظومة الرواسخ المتينة التي امتازت بالرسوخ والثبات.. وهذا ما ألحق الشقاء بالانسان لكونه يسعي خلف الماديات فيفقد بذلك كثيرا من إنسانيته، وأيضا لأن حلقة الاستهلاك مفرغة لا تنتهي أبدا وذلك بسبب الرأسمالية وتحويلها للكثير من الاحتياجات التي كانت تٌقضي بيُسر وسلاسة إلى منتجات وخدمات تتطلب الكثير من المال، المال الذي يجب أن يُتحصل عليه حتى وإن الدين والأخلاق ضحية ذلك..

ظاهرة كهذه مقلقة وتثير الكثير من المخاوف والتساؤلات خصوصا إذا كانت تجلاياتها تظهر في مجتمعاتنا العربية بشدة وأن الكثير لا يدرك هذه الظاهرة وخطورتها والأمَّر إن كان لا يري في ذلك مشكلة، كما أن معظم هذه المشاكل عولمية وبالتالي ففكرة حلها محليا يتطلب الكثير من الجهد والعمل الجماعي المنظم الذي يشارك فيه الكثير من المتخصصون في علوم ومجالات عدة ليبحثوا عن الإمكانات والطرق المناسبة لإعادة الفاعلية مجددا للدين واللغة والثقافة الوطنية والتخلص تدريجيا من الملاذات الجديدة ووضعها في حجمها وإطارها المفترض في الوضع الراهن بكل تحدياته، فهل سيكون ذلك يوما أم أن الواقع ستظل كلمته هي الباقية؟!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة