سران من أسرار قبول أنطون باشا الجميل ونجاحه الساحق

حظي أنطون الجميل باشا ١٨٨٧ – ١٩٤٨ رئيس تحرير الأهرام وعضو مجمع اللغة العربية بقدر كبير من الإعجاب العقلي والنفسي يكفي لتلخيصه ان نقرأ قصائد الاستاذين عباس العقاد وعلي الجارم في الثناء عليه، وحظي بكثير من الضوء الذي القاه على أدائه الأستاذ محمد زكي عبد القادر في كتابه "أقدام على الطريق"، لكن أنطون الجميل باشا لم يبخل علينا بالحديث عن سر قوته، وإن كان هذا الحديث قد انتقل إلينا عبر تلاميذه، انظر إليه وهو يقدم نصائحه لناصر الدين النشاشيبي التي لم يأخذ بها الأستاذ النشاشيبي ولهذا فإنه لم ينل من السمعة العالية ذلك الحظ العظيم الذي ناله أنطون الجميل باشا في الحياة الصحفية والثقافية.

  

" ….. دعاني هذا الصحفي العملاق إلى مكتبه في المساء وألقى على مسمعي محاضرة طويلة في أصول العمل الصحفي والتزام الحياد التام في سرد الخبر، والتمسك بفضيلة الترفع عن الذم والشتيمة، وقال يُخاطبني في مكتبه: «لعلك شعرت بأني لم أهنئك على مقالك في مجلة «الاثنين» والسبب أنني لا أريد لك هذا الأسلوب في بدء حياتك الصحفية. يجب أن تكون وأن تبقى أكبر من ان تهاجم احداً، أو تسب أحداً او تنال من قدر أحد. إن للناس كرامات يجب أن تُصان، وقد يُصفق لك البعض إن أنت ألحقت الأذى بالبعض الآخر، ولكن الأذى الذي تلحقه بنفسك يفوق كلّ أذى»!

 

ثم أضاف: "إن أعدائي يحتارون في أمري لا بسبب قوتي ولا بسبب منصبي بل بسبب حلمي. والأقلام التي تتطاول على «الأهرام» هي الأقلام التي تمنت أن ترى اسمها منشوراً في الاهرام فلم تستطع. إن خصمك لا يفاجئك بالهجوم ولا يشتمك، إلا لكي يرتفع إليك، ولا يحقد عليك إلا لأنه يحسدك، ولا يشتمك إلا لكونه يستصغر نفسه أمامك»، ثم راح يردد على مسمعي ابياتا من الشعر عرفت فيما بعد أنها لــ «دعبل الخزاعي» يقول فيها:

 

وَذي حَسَدٍ يَغتابُني حينَ لا يَرى / مَكاني وَيُثني صالِحاً حينَ أَسَمعُ

تَوَرَّعتُ أَن أَغتابَهُ مِن وَرائِهِ / وَما هُوَ أَن يَغتابَني مُتَوَرِّعُ

وَيَضحَكُ في وَجهي إِذا ما لَقيتُهُ / وَيَهمِزُني بِالغَيبِ سِرّاً وَيَلسَعُ

مَلَأتُ عَلَيهِ الأَرضَ حَتّى كَأَنَّما / ضيقُ عَلَيهِ رُحبُها حينَ أَطلُعُ

 

فضل أنطون الجميل على كثير من الشبان

وفي موضع آخر يقول الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي: "أحببت هذا الإنسان الكبير وأحببت الصحافة من أجله.. فقد كان بالإضافة على كلّ ما سمعته منه عن ظروف عمله وظروف حياته، إنساناً رقيقاً، رائعاً إن كتب، وعظيما إن خطب.. يُحب الشعر وينظمه، ويُحب النكتة ويرويها، ولا تخلو خطبة واحدة من كافة خطبه من الدعابة والمرح" . "ولم أكن الشخص الأول أو الوحيد الذي أخذ هذا الباشا المربي بيده وفتح له أبواب الصحافة، فقد كان معروفا عن أنطون الجميل أنه يُشجّع الكفاءات ولا يرفض أن يكتب مقدمة لأيّ كتاب جديد وأيّ كاتب جديد، مثل أحمد الصاوي محمد، والشاعر إسماعيل صبري، والشاعر ولي الدين يكن، والشاعر محمد الأسمر وغيرهم.

 

الجميل يتحدث عن نفسه

قال أنطون الجميل باشا وهو يروي تعاقب نجاحاته في أيام شبابه: «لقد جئت من "بكفيا" بلبنان، ودرست عند "اليسوعيين" وساهمت في تحرير جريدة "البشير" اللبنانية، ثم نزحت إلى مصر ولم يبلغ عمري الخامسة والعشرين وأصدرت كتباً ومسرحيات عدة والتحقت بجريدة "لي بيراميد" التي كانت تصدر في مصر بالفرنسية، كما اشتركت في إصدار مجلة "الزهور" الأدبية، والتحقت بوظيفة في المالية المصرية ولم انقطع عن الكتابة إلى أن صدر الأمر في عام 1933 بجعلي رئيساً لتحرير "الأهرام" بعد إحالتي إلى المعاش في الحكومة.

 

حبه لمي زيادة

كان أنطون الجميل باشا قريبا من أفراد عائلة مي، وكانت هي تحرر يوميات أدبية في جريدة والدها "المحروسة"، وكان هو أول قرائها والمعجبين بها كثيراً. كتب أنطون الجميل باشا إلى "ميّ" في ربيع عام 1912 رسالة يُبدي فيها إعجابه الفائق بكل ما تكتبه، ويقول لها مُخاطباً: «يا وليدة جبل الزيتون، ويا ربيبة جبل الأرز، ويا فتاة وادي النيل، ما أجمل أن تنشر مآثر عظماء أبناء السين بلغة سكان المضارب، إنه خلود الفكر، وهو أجمل من خلود النفس، وأنت لست بالغريبة عن هذه الأرواح الخالدة، كما أنها ليست بالغريبة عنك، فمُحبو الجمال كمُحبي الحقيقة، أولاد طين واحد، بل أبناء أسرة واحدة..».

 

ثم هو يخاطب محبوبته مي فيقول: «..أنا لا أكتب إليك فرطا، طالما عرفك المعجبون بأدبك الزاهر وعلمك الوافر كاتبة تستولد فؤادها الرقيق أسمى العواطف فتُلبسها ممّا تحكيه مخيّلتها الفنية حُلّة قشيبة وتُجمّلها بجواهر عقلها السليم.. لا! انا اكتب لأقرظ تلك التي تقرظها أعمالها وحياتها الفكرية، بل لأدوّن خواطر جالت في الصدر لدى تلاوتي لتلك الصفحات من يومياتك..».

 

قصيدة الدكتور إبراهيم ناجي في الثناء على أنطون الجميل

وهذه أبيات من قصيدة إبراهيم ناجي في الثناء على أنطون الجميل باشا يعبر فيها عن اعتزازه بالتلمذة لأنطون الجميل باشا وتقديره لصفاته الفائقة:

كيف أنسى زمناً كنت به / من أخ أغلى وأسمى من أبِ

ضقت ذرعاً بزماني وكذا / ضاقت الأيام والآلام بي

إن أنطون وما أعظمه / طاهر القلب نبيل المشرب

ونداماه على طول المدى / رفقة حفّوا به كالحبب

مكتب لا بل بساط عامر / بالمعالي يا له من مكتب

مكتب يُزهي ببحر ماجد / ثابت الرأي سني المأرب

صائد الدر تراه غارقاً في / صحف أو غائصاً في كتب

مصغياً في حكمة أو مطرقاً / في وقار سامعاً في أدب

فإذا أدلى برأي تلقه / راح يدلي بالعجيب المطرب

ذاك أنطون وما أروعه / صفحة لا تنتهي من عجبِ



حول هذه القصة

لُقّب بـ”شاعر الرفض”، وكان من الفظاظة والحدة في اللقاء ماينفّر الكثير منه ويجعله على الصعيد الاجتماعيّ “فاشلًا”، فهو رجلٌ لا يؤلَف، يتعسّر معه استكمال حديث، يُنقّب عن نقاط ضعفك ويهاجمك.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة