وإن حدّثوك عن اليونان فقُل إنها شرقية أكثر منها غربية

كثيراً ما أحس بالمسؤولية عن طرح بعض الحقائق التي لا يتصورّها القراء على أنها كذلك وإنما يظنونها تفكيراً حالماً أو هائماً أو أوهاما جميلة أو تفكيراً بالتّمني في أوسط التعبيرات وأقربها لياقة. والحقيقة التي أحب أن أتحدث فيها اليوم هي أن اليونان إذا أرادت لها مستقبلاً حقيقياً في التنمية والرخاء فليس أمامها إلا أن ترتبط بما كانت مرتبطة به طيلة الفترات الممتدة من تاريخها الوسيط وهو الشرق العربي الإسلامي، وأن تصرف النظر عما دفعتها إليه الدول الأوروبية من تعصب ديني نكاية في الدولة العثمانية.

وقد أشرت في مقالات سابقة إلى حظوظ اليونانيين في مصر وعلى سبيل المثال في رئاسة وزراء مصر حين كانت مصر ولاية عثمانية وكانت اليونان جزءاً من دولة العثمانيين، فمن بين رؤساء الوزراء المصريين السبعة الأوائل فإن ثلاثة منهم كانوا يونانيين: محمد شريف باشا (1823 ـ 1885) وراغب باشا (1813 ـ 1887) ومصطفى فهمي باشا (1840 ـ 1914) ونحن نعرف أن الثالث هو والد زوجة زعيم الأمة سعد زغلول باشا وأن الأول هو جد الملكة نازلي مباشرة، وأن الثاني هو جد زوجة رئيس وزراء المعارضة الأشهر محمد محمود باشا، ومن الإنصاف أن نقول إن كثيرين ممّن قرأوا التاريخ المصري الحديث واستوعبوه لم يحسوا بأن هؤلاء كانوا بمنطق الجنسية والمولد والحدود المطبقة يونانيين.

لا أحب أن أقفز على الموضوع بعيداً عن الدراسات الاجتماعية والطبائعية التي تذهب إلى تأكيد ما يتناقله معظم اليونانيين أنفسهم من أن طبيعة حياتهم وشخصياتهم لا تسمح لهم بأن يتحوّلوا ليكونوا جنوداً ألمانيين أو فرنسيين على نحو ما تتطلب منهم سياسات الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوربي، ومع أن مثل هذا الحديث لا يُمكن تلخيصه في فقرة من مقال فإننا لا نستطيع تجاهله.

إن اليونان رغم الحرص على إخلائها قدر الإمكان من الإسلام ومساجده ومظاهره بقيت ذات طابع خاص فيما يتعلّق بالدين على وجه العموم وهو طابع مناقض لأوروبا، إذ بقيت تحت مظلة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية

بيد أن التاريخ نفسه يُقدّم لنا صورة أخرى مختلفة عن صور التقسيمات الجغرافية القائمة على الفصل بين الأديان ومناطق مُعتنقي هذه الأديان وما يستتبع هذا من إعادة التوزيع الديموغرافي وتهجير السكان وإعادة توطينهم، ومع أن العالم عرف على مدى تاريخه كثيراً من هذه التجارب فإن الإنسانية تعتقد عن يقين في أن التوزيع الطبيعي الذي يُتيح تجاور معتنقي الأديان المُختلفة يُمثل صماما من أكبر صمّامات الأمن الاجتماعي والسياسي، ولا تزال هذه الحقيقة تتألق بازغة ومُلهمة على الرغم من أن بعض الدول الحالية قامت على أساس الفصل الديني كما هو حادث في باكستان واليونان وبلجيكا وهولندا وإيرلندا الشمالية وإيرلندا الجنوبية، وبالطبع فقد تفاوتت انطباعات أصحاب هذه التجارب ما بين مؤيد للتجربة وبين منتقد لآثارها السلبية على المديين القصير والطويل.

نعرف أن الروح الغالبة على السياسات المتأثرة بفكرة المركزية الأوروبية ظلّت حريصة على أن تجعل من الدين فاصلاً بين أوروبا وبين غيرها على الرغم من تنامي المناداة بالعلمانية، لكن البحث عن عوامل مُشتركة للإثبات والنفي أو لما يُسميه السلفيون "الولاء والبراء" كانت تدفع العقلية الأوروبية في لحظات الرجوع إلى الفكرة المختزلة في تصوير أوروبا قارة لا تدين أبداً بالإسلام، وذلك في مقابل انتشار الإسلام إلى درجة التغطية الكاملة في غرب آسيا وشمالها، وفي شمال إفريقيا وقلبها وشرقها وغربها، وعلى حين كان الأوروبيون منتبهين إلى حدٍ ما بأنّ الفيلبين هي الدولة المسيحية الوحيدة في آسيا فإنهم كانوا حريصين على نفي مثل هذه الصفة عن دول إسلامية متعددة في أوروبا عرف وصفها هكذا بحكم أغلبية السكان المسلمين، وهكذا فإننا نجد في الموسوعات التي كتبت في أوروبا وأمريكا حرصاً دائبا على خفض نسبة السكان المسلمين عاماً بعد آخر في بلاد مثل ألبانيا والبوسنة وكوسوفو وكازاخستان وأذربيجان، ونستطيع أن نكتشف هذا بسهولة من مقارنة النِسَبْ التي تذكرها هذه الموسوعة عن عام 2019 مقارنة بعام 1999 أو عام 2009 على سبيل المثال.

حتى وقت قريب، كانت الرؤى الكلاسيكية تقول بأن الصراع يمكن أن يتجلّى في صورته البارزة جداً في اليونان وتركيا وذلك بعد إعادة توزيع السكان كنتيجة لما سُمّيَ بحروب الاستقلال اليوناني، ومع هذا فإن اليونان رغم الحرص على إخلائها قدر الإمكان من الإسلام ومساجده ومظاهره بقيت ذات طابع خاص فيما يتعلّق بالدين على وجه العموم وهو طابع مناقض لأوروبا، إذ بقيت تحت مظلة الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية ولم تندمج في كاثوليكية أوروبا (إيطاليا وفرنسا وإسبانيا) ولا في بروتستانتية بريطانيا (ولا أمريكا ولا ألمانيا ولا هولندا) وهكذا ظلّت اليونان قابلة للعودة إلى الحضن الشرقي أو إلى قيادة الحضن الشرقي مع تركيا المسلمة في يوم من الأيام.

وعلى الرغم من أن تركيا واليونان انضمّتا إلى حلف شمال الأطلنطي فإن هذا الانضمام إلى الحلف لم يكن شفيعاً لهما لتنجوا من الانقلابات العسكرية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على أن تُعوق بها التقدّم في الدول النامية، وهكذا عانت اليونان كما عانت تركيا من الانقلابات العسكرية كما لو كانت كل منهما دولة من دول أمريكا اللاتينية أو الدول العربية الواقعة حول البحر الأبيض المتوسط وقريبا منه. وعلى مدى السنوات المُمْتدّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن كانت اليونان تميل في سياستها إلى ما تميل إليها جيناتها الشرقية، فكان موقفها من الصراع العربي الإسرائيلي موقفاً نموذجياً لدولة تتحرّى الحق، ولا تندرج أوتوماتيكيا في الترتيبات الإمبريالية، كذلك فقد كان لليونان موقف مشرف من الحرب التي فرضت على مصر في 1956، وعلى الحروب المستترة التي فُرضت على الفلسطينيين.

وعلى الرغم من التغلغل الصهيوني المعهود في كثير من البلدان التاريخية الحرة فإن اليونان كانت منتبهة بأفضل من غيرها إلى مراقبة الآثار الخطرة لهذا التغلغل، وهو ما جعلها تُقلّل إلى أقصى حد من الترتيبات التي كان من الممكن أن تقع على أراضيها ضد الفلسطينيين والعرب على وجه العموم، وأكثر من هذا فإن التصويت اليوناني إلى جانب الحق العربي كان على الدوام من مفاخر اليونانيين. لا شك في أن التوجّه اليساري والاشتراكي نجح إلى حد كبير في اليونان، لكن المركزية الأوروبية لم تكن مستعدة للترحيب به، فلمّا جاءت النهضة التركية الأخيرة وجدت اليونان فرصة من الفرص التاريخية للتسامي على حزازات الماضي على الرغم من كلّ ما يقوم به اليمين الأوروبي من محاولة دفع اليونان إلى الاصطفاف ضد الإسلام ومن ثم ضد تركيا، والعكس أيضا.

أختم الموضوع بقصة ثقافية صغيرة، وهي أن اليونان كرّمت الدكتور طه حسين بمنحه الدكتوراه الفخرية، وأعلنت في هذا التكريم عن عزمها إعادة افتتاح أحد مساجد مدينة أثينا المغلقة على حين أعلنت مصر عن نيتها إنشاء معهد للدراسات اليونانية في جامعة الإسكندرية، ونظراً لما كانت وزارات الوفد توليه من الاهتمام للعلم وللتعليم، ونظراً لما كان الملك فاروق يوليه أيضا من رعاية للعلم والتعليم (باعتبارهما كما قلنا من قبل مشروعه القومي إن جاز هذا التعبير) فإن معهد الدراسات اليونانية واللاتينية تأسّس وتخرّج فيه كثيرون منهم الدكتور زاهي حواس نفسه، وكانت مصر هي المستفيد الأكبر من هذا بالطبع، على حين أننا لا نعرف إن كان المسجد قد أعيد افتتاحه ثم أغلق أم أنه لم يُعَدْ افتتاحه أصلاً، وفي الحالين فإن اليونان هي التي لم تُحرز الإفادة من الفوز بإعادة افتتاح مسجد واستمراره، ولو أن مجتمعا إسلاميا يونانيا قد تكوّن في أثينا لكانت لأثينا مكانة أفضل بكثير في الاستثمارات العربية التي تنافست فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا على أن تستقطع لنفسها منها كل النصيب (ولا نقول نصيب الأسد فحسب) على حساب اليونان بالطبع.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتذكر كلمة "البقية" وأنت تتطلع لأعمدة بديعة تعلوها أقواس على شكل حدوة الحصان مخططة بألواح متلاصقة حمراء وبيضاء بديعة اللون والشكل تذكرك بالمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأموي بدمشق.

الأكثر قراءة