الصواريخ الإيرانية.. هل هي مجرد ظاهرة صوتية؟!

لو لم ترد إيران على مقتل سليماني لكنا ننتظر هذا الرد بفارغ الصبر، وربما لسنوات أو حتى عقود قادمة، ولكن لا مشكل، الأهم أننا ننتظر، وفي هذا الانتظار رد اعتبار ضمني من إيران وموقف قوة، حتى وإن لم تفعل على أرض الواقع، على الأقل ستُنسج الأقاويل وتُحبك القصص والحكايات على أن إيران تجهز هجوما كاسحا ضد أمريكا بصواريخ مدمرة من صنع محلي لم يسبق استعمالها من قبل، ولكن، أن ترد إيران بتلك الطريقة التي شاهدها العالم واستغرب لها أشد الاستغراب، نقل كل هذا الضغط الذي من المفترض أن يكون مسلطا على الجانب الأمريكي إلى إيران نفسها، وأصبحت هي محل الأنظار وعلامات الاستفهام جراء الرد الهزيل غير المتوقع الذي صدر منها انتقاما لمقتل سليماني ورفاقه.

ومن الواضح أن الصواريخ "الفشنغ" التي أطلقتها إيران دون أن تصور وتؤرخ لهذه اللحظة التاريخية لم تصب أهدافها، بل لم يُر منها سوى صاروخ واحد سقط بعيدا في أرض خالية دون أن ينفجر، وكان هذا كل ما تداولته وسائل الإعلام عبر العالم بخصوص العملية العسكرية الذي ترقبها العالم بحذر. طالما شاهدنا على الشاشات العشرات من الاستعراضات العسكرية لصواريخ قالت إيران أنها طورتها بتقنيات متقدمة، وكانت تبدو تلك الصواريخ طويلة جدا وعريضة بشكل مبالغ فيه، حتى أنني كنت أشك في مقدرتها على التحليق في السماء وإصابة أهدافها، وربما كانت كرتونية الصنع كان الغرض من ورائها فقط تصدير الردع ومحاولة زعزعة ثقة أعداء إيران في أنفسهم، وإلا ما يكون دور تلك الترسانة المتطورة إذا لم تُستخدم في مثل هذه الوضعية الحساسة كاغتيال الرجل الأول في إيران الجنرال سليماني.

يجب على إيران وقف أطماعها في المنطقة، فهي غير قادرة ولا مؤهلة أن تتوسع خارج حدودها، وهي تنتظر فريستها حتى تضعف وتخور قواها فتنقض عليها وتوغل في دمائها، وكذالك حصل مع العراق وسوريا واليمن

هجوم عسكري لم يُخلف إصابة واحدة في صفوف الجنود الأمريكيين، باستثناء بعض الأعطاب الطفيفة جدا لحقت بمروحية ثابتة وربما معطلة، هل يُعتبر كافيا لرد الصاع صاعين لأمريكا كما نادى المسؤولون في إيران، وكما توعد الحرس الثوري الإيراني، وإذا كانت قاعدة بحجم قاعدة عين الأسد في العراق لم تُدمر عن آخرها ولم تستعر فيها ألسنة النيران فكيف تتوعد إيران إسرائيل بمحوها من الخريطة، وكيف ستصدر الموت لأمريكا؟ في حين تستطيع طائرة أمريكية مسيرة صغيرة الحجم إحداث دمار هائل في الموقع المستهدف من ارتفاع يصل إلى أكثر من 50 ألف قدم.

إيران ارتكبت مذابح فظيعة في سوريا متذرعة بمحاربة الإرهاب، وكل ميليشياتها المقاتلة هناك هي مجموعات إرهابية بشهادة دولية، فكيف يحارب الإرهاب الإرهاب، وهي لم تكن لتخطو خطوة واحدة داخل الأراضي السورية لولا الضوء الأخضر الممنوح من أمريكا، لأن مصلحة هذه الأخيرة تقتضي أن تشتعل المنطقة برمتها حتى تضمن لنفسها مكاسب مالية واقتصادية توفر وظائف مريحة لمواطنيها، وهذا هو هدف ترمب المعلن.

صرح القائد العام للحرس الثوري بعد العملية وآثار الارتباك بادية عليه: "كنا مستعدين لمواجهة شاملة إذا ما ردت أمريكا"، وهو يعلم أن اتفاقا مسبقا تم مع الجانب الأمريكي قبل إطلاق إيران لصواريخها "الفشنغ" على عين الأسد، لتسارع وسائل الإعلام الإيرانية بنشر خبر مقتل أكثر من 80 جندي أمريكي، وهي كذبة فاضحة، سارع ترمب في الرد عليها: "الآن سأخلد للنوم.. وتصريحي حول الهجوم سيكون صباحا".

ويبقى الهدف الوحيد الذي تمكنت الترسانة العسكرية الإيرانية من استهدافه بدقة بالغة، الطائرة الأكرانية المدنية التي كانت تُحلق في السماء على مرأى من الجميع، واعتبرها الرادار الإيراني العبقري هدفا معاديا فأسقطها، والغريب في الأمر أن لا أحد تطرق لسقوط الطائرة عندما كان العالم مشدوها يترقب الرد الإيراني، ثم مباشرة بعد انتهاء المسرحية سيئة الإخراج، استدار العالم موجها أصابع الاتهام إلى إيران التي لم تتوان في الإقرار بمسؤوليتها المباشرة، لينتقل الحديث من صراع أمريكي إيراني محتمل، إلى النبش في تداعيات سقوط الطائرة والمفاوضات حول حجم التعويضات الممنوحة لأسر الضحايا.

يجب على إيران وقف أطماعها في المنطقة، فهي غير قادرة ولا مؤهلة أن تتوسع خارج حدودها، وهي تنتظر فريستها حتى تضعف وتخور قواها فتنقض عليها وتوغل في دمائها، وكذالك حصل مع العراق وسوريا واليمن، وهذا نهج الجبناء، وعليها أن تعي جيدا أن العالم فهم دورها في المنطقة، وهذا الدور لا يخرج عن كونه أداة بيد أمريكا تستخدمها كيفما شاءت، حتى إذا تمردت وخرجت عن الأوامر المسطرة بدقة، كانت العصا في انتظارها لتُقومها وتُعيدها للمسار المرسوم.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة