"الاستلاب الناعم".. النيوكولونيالية وإعلام الجماهير

blogs مواقع التواصل الاجتماعي

أحدثت النقلة النوعية لوسائل الإعلام وعولمتها، إعادة جدولة المناطق الاجتماعية والسياسية والثقافية بغية الحد/الانتشار لبعض الأفكار والأراء والتوجهات المختلفة، مما استدعى تساؤلات كثيرة حول طبيعة العمل والأثار الناجمة عن القوة الناعمة (الإعلام)؟ وما مدى قدرة الإعلام الجماهيري على استيعاب التحديات الناجمة عن سطوة الفقاعات الإعلامية ومشاريعها الاستيطانية؟

إن تطلع مجتمعاتنا العربية نحو العدالة والحرية واجه أعتى الأدوات حيلة، من خلال الاستحواذ على وجدانها وثقافتها، حيث أسهمت وسائل الإعلام باعتبارها الذراع الأَمِن للنظم المختلفة، ضد رغبة الشعوب المقهورة في الانعتاق مما ساد سنينا عددا، بإيجاد مصوغات ومبررات (غير أخلاقية) لمنظومة سياسية تجردت من أدنى مستويات الحس الإنساني، كما أن وسائل الإعلام غيرت من طبيعة مجتمعاتنا ومكونات ثقافتها عبر برامج تليفزيونية ميّعت قيمنا وتاريخنا، وانقادت لحملة منظمة استهدفت موروثنا الإنساني والإسلامي، مرتكزة على قراءات وتحليلات مخبرية ومراصد غربية.

وبما أنّ الإعلام كوسيلة لصوت مجتمعي/سلطوي غير مفصول عن المشاريع التبادلية، فقد أقدم على ممارسات مبتذلة للبناء المعرفي والثقافي المحلي، بغرض الترويج لاستمارات التنمية المستدامة، واندماج هوياتي لا حقيقة عنه سوى إعلانات اختزلتها الأنظمة الشمولية في قوالب جاهزة تصدرها للمستقبل، الأمر الذي دفع الفرد العربي للبحث عبر فضاء إعلامي جماهري منافس لأثير الأمة والقومية والوطنية، عن العالم المنهك بالنزاعات والحروب، ما سبب ذهولا إزاء الكذب المسطر بالتلفيق والخديعة.

ننظر اليوم إلى التنازلات التي تقدمها المجموعة العربية للإدارة الأمريكية من أجل الاستمرارية الملكية والحفاظ على ما تبقى من أنقاض دول تنفخ وسائل إعلامها مجدا زائفا متخيلا، كلما نادت الميادين لتحرير الإنسان من الهيمنة المفتعلة

لقد حمل العالم بوصفه قرية صغيرة الكثير من المعاني الإنسانية، وثقافات مختلفة وأمم متدافعة يسعى كل واحد منها للسطو على الآخر والاستيلاء عليه بشتى الوسائل، وعندما كانت دعوات حقوق الإنسان تنتهك ببعض بلدان العالم من طرف قوى حضارية، عاد خطاب الوطنية ومحاربة الإرهاب يطفوا كما لو أنّ قنبلة أمريكية الصنع لم تقتل عشرات الأهداف المدنية، أو أنّ معسكرات الإبادة الجماعية انحصر جرمها على الجماعة اليهودية، تمة معسكرات نيوكولونيالية يلاحقها دنس التعذيب والقتل، منسية بسبب إمبراطورية إعلام الإسلاموفوبيا التي رفعت لافتات لا نملك منها سوى وثائق ترص تباعا في دفاتر الأمم المتحدة وتقارير محكمة العدل الدولية.

لا تحاول وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية محو أثار الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية فحسب، بل تسعى جاهدة إلى ترويض المفاهيم الأساسية حول ماهية الاستعمار وحق الجماعة اليهودية في الأرض، وبالتزامن مع انتشار النزعة اليمينية المتطرفة والدعوة إلى الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ونكوص الخطاب الثوري بالشرق الأوسط وأفول الحركات المناهضة للتدخلات الاستعمارية، إنبرى للمشهد الإعلامي العربي عبر قنوات ومنصات تواصل اجتماعية، شخصيات سياسية وثقافية تدعوا إلى تسريع وثيرة التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، للحد من مخاطر التدفقات الدينية للتيارات الشيعية والحركات (الجهادية)، وبدل أن تكون القضية الفلسطينية محورا رئيسا لمعالجة إنسانية لأخر معاقل الاستعمار القديم/الحديث، أضحى الاستيطان والتنسيق الأمني (الإسرائيلي-الفلسطيني) والسماح بدخول المساعدات المالية ورفع الحصار عن قطاع غزة، أهم المسائل المتبقية من تاريخ المسألة الفلسطينية، التي تواجه انتكاسة أخرى عبر وسائل إعلام عربية وغربية من أجل تصفيتها.

ننظر اليوم إلى التنازلات التي تقدمها المجموعة العربية للإدارة الأمريكية من أجل الاستمرارية الملكية والحفاظ على ما تبقى من أنقاض دول تنفخ وسائل إعلامها مجدا زائفا متخيلا، كلما نادت الميادين لتحرير الإنسان من الهيمنة المفتعلة، الأمر الذي أحدث فارقا كبيرا تجلت من خلاله الكفاءة الحضارية للإعلام الغربي، وتواطؤ مؤسسات وسائل الإعلام العربية في بلورة رؤية تصالحية (تشاركية) مع الكيان الصهيوني للحد من انتشار النزعة التحررية لشعوبنا المنتفضة، وبدل أن تواكب المؤسسات الإعلامية مستندة على مخابر نخبوية وأطروحات ثقافية للطرائق الحياتية التي تجمع الإنسانية على صفيح واحد، وتتعمق في وجدان التنوع والاختلاف والمسكوت عنه والهامش للفئات المحرومة والمنسية، أصبحت أداة تتلون مع كل هزة سياسية يتم بموجبها اصطفاف المواقف المتضاربة، بشأن القضايا المصيرية وحقوق الإنسان، فغدت أداة سياسية فاعلة في سجل الهيمنة النيوكولونيالية، لافتعالها المزيد من السجالات المذهبية والتطفيف السياسي، وتوجت توجهها اللاأخلاقي إلى (الشكلانية) المُغيرة على "القبول الإنساني" بكثير من الانتكاسات التاريخية وتناقضاتها المثيرة للاشمئزاز، حتى نقلت لنا نماذج لا علاقة لها بهويتنا وثقافتنا ومصير أمتنا، مستندة على نماذج عالمية سوقتها الاستعمارية-الجديدة في طبعتها الاستهلاكية.

من جانب آخر تعكف قنوات عربية على استنساخ برامج وحصص متلفزة مما يذاع في مواطن أخرى من العالم الغربي، من غير تدقيق أو تمحيص لتلك المنصات والبرامج الترفيهية، كعرب غوت تالنت وماستر شيف العرب وبرنامج الصحة مع الطبيب وغيرها من البرامج التي تحاكي الحياة اليومية للمجتمعات الغربية على شكل معسكر يتم فيه دراسة الحالات النفسية والاجتماعية للعينات المنخرطة، كما أنّ منصات التواصل وعرض الخبرات بواسطة متحدثين "كويكيستايج-وتيداكس" اللذان يندرجان تحت مشاريع التنمية المستدامة التي أطلقتها الأمم المتحدة مع اندلاع موجات الانتفاضات العربية، وهي منصات تعمل على فن الخطابة وتبادل الخبرات من خلال متحدثين متجاوزين الخطوط الجغرافية والحدود الثقافية، كانت إلى وقت قريب تنسج علاقات المجتمعات العربية، وذلك لتمكن منصات التحدث من استغلال مواقع التواصل الاجتماعي وإبراز المواهب وبعث روح شبابية في وسائط مختلفة، أدى ذلك النزوح الشبابي نحو البرامج الغربية المتاحة إلى (خلق) إعلام جماهيري خلخل الطبيعة الاجتماعية والثقافية المحلية وأفرز هويات مناهضة لتلك التي روّجها إعلامنا العربي زمن الثورة والتحرر والقومية والصحوة، بل انصرفت وسائل الإعلام على كثرتها لأن تحاكي تلك الإرهاصات التحررية بكثير من اللغط والعنف اللفظي والتموقع اللاديمقراطي.

لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعية خلق مجتمعات موازية وذوات واهية وصورة إنسانية عابرة، كما أنها فرضت نوعا آخر من التحدي على النظم الديكتاتورية بفتح قنوات نحو ترابط مجتمعي جديد، يعيد خلق منظومته الأخلاقية والثقافية والسياسية من منطلق كون الآخر أكثر إنسانية

كان (المغرر) بهم الخارجين عن القانون يجمعهم حب الحياة والانعتاق عن ما طعمّت به أجيال أهدرت خيرات أرضها في خطابات فخامته، غير أنّ الجمود السياسي لم يكن سببا كافيا للانتفاضات، بل كان ثمة عوامل أكثر أهمية من أن يسقط حاكم أو يقتل ملك، كان خلف الجدران التي بناها الدكتاتوريون العديد من الانتهازيين الإداريين الذين عكفوا على تحقيق مصالحهم وتكريس اللامبالاة وإفشاء الفساد فيما بينهم، لقد صنعت الأنظمة الفاشلة مريدين كثر ومنحت لهم هياكل ومؤسسات الدولة الوطنية، كي تصير نواديا ومنتجعات ومحلات وقطع خصبة للنفايات الثقافية والتجارب المعرفية والرهانات الدولية، وءاية ذلك السقوط اللاأخلاقي المدوي لإعلامنا العربي وعزوفه عن المسائل الإنسانية والقضية الفلسطينية بورشات عمل اقتصادية.

حصل ذلك وعالمنا العربي منهمك في تهافت أيديولوجي يعادي القيم الإنسانية والقانون الدولي المنبتق عنها، ويوم تبرأت صالونات المناطق المحررة، من "التزاماتها-الحضارية" تجاه أزمة اللاجئين وضحايا صفقات التسليح، انتهكت وسائل الإعلام العربية بدورها مشروع أخلقة الحقوق التي عززتها حركة الشعوب الثائرة، لتأخذ على عاتقها حفظ مصالح الاستعمارية الجديدة عبر اتفاقيات تقتفي أثار الأنظمة المستبدة، فاستبدلت دوافع الهجرة غير النظامية والحروب الأهلية وفشل الدولة الوطنية بصورة واحدة عنوانها مكافحة الإرهاب، إلى أن طوّعت المنظومة (الصهيوعربية) الإرث الإنساني المناهض للأبارتاي والإبادات الجماعية.

كل ذلك ووسائل الإعلام العربية متوجهة ببوصلتها التي ما زالت تنظر إلى انتفاضات شعوبها على أنها "مؤامرة-كونية" للإطاحة بأسماء غربية مترجمة، تم الاستعارة بها عن الألة الاستعمارية الجديدة ومشاريعها الاستيطانية التخريبية، ومع توالي الإخفاقات لمنظومة الحكي والسرد والترويج لبلاطوات وصالونات الترفيه والابتذال والتنجيم، كان لزاما أن يأخذ المجتمع/الفرد العربي على عاتقه سبيلا أخر للتعرف على هويات منفتحة وإخراج مكبوتاثه المبثوثة تحت سلطة الأعراف والديانات بصوت إعلامي جماهيري.

لقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعية خلق مجتمعات موازية وذوات واهية وصورة إنسانية عابرة، كما أنها فرضت نوعا آخر من التحدي على النظم الديكتاتورية بفتح قنوات نحو ترابط مجتمعي جديد، يعيد خلق منظومته الأخلاقية والثقافية والسياسية من منطلق كون الآخر أكثر إنسانية وتواصلا منا، ننظر إلى التغيرات المناخية باعتبارها تهديدا للتواجد البشري، ونتغافل عن الخطايا الإنسانية التي اصطدمت بضرورات تاريخية تأبى إلا أن يكون الإنسان جوهر تواجدها، ونستبشر بالموجات الشعبية المنظوية على كثير من الثغرات الاجتماعية والهوياتية، التي استغلتها وسائل إعلام غربية لتمرير أحكامها اللاأخلاقية القاضية بعدم استجابة واستعداد شعوبنا على تقبل الممارسات الديمقراطية، ورفضها للتنوع الذي يفضي إلى (التواصل) وتقبل الآخر، ذلك التبرير وجد ملاذات آمنة داخل مؤسسات إعلامية عربية باستبدال الحركات الانفصالية بحقوق الأقلية وحرية التعبير بالكيانات الباطنية والثورة بالإسلاموفوبيا والحراكيون بالحالمون، والأدهى من ذلك كله قدمت منابر الأنظمة العربية عبر أصوات صاخبة نفسها على أنها الدرع الذي يقف بوجه التمدد النيوكولونيالي، وهي التي تقتات من رواسب الحضارة الإنسانية والتطور البشري اللذان يقفان في وجه الاستغلال والاستبداد، ولتجد المجتمعات العربية نفسها في مواجهة أخرى مع دعاية "التصفية الإعلامية"، للقضايا الجوهرية في وجدان الأمة العربية والإسلامية، علينا أن نتذكر أحداث ١٥ يوليو ٢٠١٦ بتركيا التي أظهرت قوة التواصل الاجتماعي في مواجهة سلطات الضبط التقليدية وانقلاباتها العسكرية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة