إيران وأمريكا.. الحرب التي انتهت قبل بدايتها

عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ترمب باغتيال واحدا من كبارات النظام الإيراني وشخصية بوزن تشي جيفارا في الدولة والمشروع الإيراني الذي كان هدفه الأساسي بناء دولة قوية تكون رقما مهما في الشرق الأوسط خلافا لبعض الدول العربية التي فضل قادتها وزعمائها الانبطاح كسبيل لنجاتهم ونجاة كراسيهم، فرأينا السيد ترمب يهين قادة دولة عربية ومسلمة أمام مرأى العالم بطريقة ساخرة وما كان على الأمير محمد بن سلمان حينها إلا الابتسام وكأنه يتمازح مع صديقه المتهور في المقهى لكنها كانت إهانات للعرب وللمسلمين كنا نحن بانبطاحنا شرطا لوصولها حد الاستهزاء، لكن النظام الإيراني ومنذ ميلاده بعد الثورة الإيرانية 1979 وهو يعتبر أمريكا وإسرائيل شياطين العالم ولم يتراجع عن ذلك الخطاب إلى غاية الأن.

والكل في العالم يدرك أن معاداة الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد تسيدها على قيادة العالم لوحدها إثر انهيار المعسكر الشرقي الذي كان نقطة توازن حققت فيها بعض الدول الضعيفة نوعا من التحرر، سيتكون معاداة سيدة العالم نوعا من الانتحار المؤجل فبعد عام أو عامين أو عشرة أو عشرين ستموت حتما أو تنبطح رغما عنك، لكن الغريب أن إيران وبعد أربعين سنة لم تنبطح ولم تنهار بل كان رقما يزداد وقوتها في الشرق الاوسط تتضاعف في مقابل دول أخرى شرق أوسطية تذوب وتنهار برغم الانبطاح.

يبدو أن هدف إيران من تلك المشاكسة هو إرغام إدارة ترمب على الرجوع للاتفاق النووي معها أو صياغة اتفاق آخر يشبه الأول ويريح النظام الإيراني، كما أن إيران تدرك أن هذه هي فرصتها قبل أن يأخذ ترمب الولاية الثانية ويقضي عليها بالعقوبات

قامت أمريكا باغتيال قاسم سليماني أحد أكبر قادة إيران شراسة في صراعها الخارجي الذي تتميز به إيران عن غيرها من الدول، أنها تحارب وتشاكس الولايات المتحدة ليس رسميا بل عن طريق أذرع موالية لها وأخرى تقاطعت مصالحها معها في مجابهة المخطط الأمريكي لصناعة شرق أوسط خالي من أي رفض أو معارضة لما يملى عليه من سادة العالم الغير شرفاء. بعد عملية الاغتيال ظن ساسة كثيرون ومحللون أنها بداية لحرب عالمية ثالثة ستجعل الشرق الأوسط قاعا صفصفا وستزول إيران بنظامها كما زالت أنظمة معادية أخرى للمعسكر الغربي، لكن غاب عن البعض أن إيران لم تكن يوما غبية أو متهورة في صراعها مع الولايات المتحدة حتى ظن البعض أنها متآمرة مع أمريكا في سياسة الشرق الأوسط في تلك التحاليل التآمرية التي تهواها بعض عقول المنهزمين عندنا..

النظام الإيراني ليس نظام صدام حسين الذي وقع في الفخ وانتهي، السياسة الخارجية للنظام الإيراني تحارب أمريكا خاصة في العامين الأخيرين بسياسة صراع الضعيف الذكي مع القوي الغبي، ومن المعروف أن عند اقتراب الانتخابات الأمريكية وطمع السيد ترمب في الحصول على ولاية ثانية لقيادة أمريكا جعلته نظاما قويا غبيا لا تهمه غير العهدة الثانية له ومستعد لأن يفعل أي شيء في السر للحصول عليها، والسياسة الإيرانية اتخذت من نقطة ضعف الإدارة الأمريكية هذه سلاحا تحاربها به ببعض المشاكسات في الشرق الأوسط تصور للرأي العام الأمريكي أن ترمب فشل في حل نزاعه مع إيران..

ويبدو أن هدف إيران من تلك المشاكسة هو إرغام إدارة ترمب على الرجوع للاتفاق النووي معها أو صياغة اتفاق آخر يشبه الأول ويريح النظام الإيراني، كما أن إيران تدرك أن هذه هي فرصتها قبل أن يأخذ ترمب الولاية الثانية ويقضي عليها بالعقوبات واستمرارها أو بحرب كبرى ستدخل ترمب في التاريخ كما دخل بوش من قبل في حربه على العراق وأفغانستان. وكان الرد الإيراني متوافقا مع سياستها السابقة أنه رد فيه رسائل كثيرة، أولها أنها قصفت قواعد أمريكية أو دولية ولم تصب جنودها في رسالة عن دقة صواريخها التي ربما لم تستطع المضادات الأمريكية مواجهتها.

ثانيا أنها ضربت في الأرض التي ضربت منها في رسالة للدول الأخرى مفادها أن من تضربني أمريكا من دولته سأرد على الدولة المستضيفة للقوات الأمريكية وكذلك لكي لا تخسر الرأي العام الدولي كونها ردت دفاعا عن النفس لمقتل قائد لها في العراق. ثالثا أنها ضربت ليلا وأمريكا نائمة وأصدرت تصريحات صحفية من المرشد والناطق باسم الحكومة ووزير الخارجية لتخاطب الرأي العام العالمي والأمريكي أنها لا تريد حرب مباشرة وأنها تدافع عن نفسها فقط. ويبدو أن النظام الإيراني وإدارة ترمب قد وصلا إلى اتفاق ضمني مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية ستدخل في اتفاق جديد مع إيران وقد يكون مرضيا لها مقابل أن تنتهي مشاكسة إيران الشرق أوسطية لتفتح شهية ترمب نحو ولاية ثانية في أمريكا. قد تثبت الشهور القادمة هذا الأمر لأن لكل حرب أهدافها وإذا ما تحققت الأهداف انتهت الحرب، وإن عادت ستكون أكثر شدة وغلظة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة