هكذا دفعت النرجسية الأستاذ هيكل لحذف اسم الأستاذ ياسر رزق

كان الأستاذ محمد حسنين هيكل عدوا مستترا شديد العداوة لثورة يناير ٢٠١١ بيد أن ثورة يناير نفسها في أوج ازدهارها لم تكن معنية بتحديد الأعداء ولا تمييزهم، بل ربما رحبت بنفاقهم لها، ومع هذا فإن المغرمين بتأمل عذابات النرجسيين وتجلياتهم الشيطانية لاحظوا مبكرا أن الأستاذ محمد حسنين هيكل كان يعيش مرحلة من مراحل الهزة النفسية التي لم يتوقع لنفسه أن يعيشها، ثم إنه سرعان ما جرب الشعور بفقدان الوزن ، والإمعان في فقدان الوزن، وتأكيد فقدان الوزن، وذلك قبل أن يبدأ في التآمر الصريح والنشط على الديموقراطية، وعلى حكم الشعب، وعلى نتائج الانتخابات، وعلى قوى الشعب واختياراته، وهو أمر كان متوقعا منه بسبب انغماسه اللانهائي في قتل الديموقراطية ودفنها من قبل .

   

كان الأستاذ محمد حسنين هيكل يؤذيه أن يتحدث عن ثورة يناير بهذا الاسم وكان يهرب من هذه التسمية المشرفة الباهرة الزاهرة إلى مصطلحات تليق بالباشكاتب والباشجورنالجي من قبيل عصر مبارك وما بعد عصر مبارك، وقد جعل عنوان أهم كتبه عن ثورة يناير يدور في هذا الفلك البيروقراطي المرتبط بمخازن السلاحليك في أقسام الشرطة، وهكذا صدر الكتاب بعنوان «مصر إلي أين : ما بعد مبارك وزمانه ». من المعروف عند دارسي علم النفس أن الإنسان إذا أصيب بالنرجسية فإنه يظل معذبا نفسه بها، كما يظل معذبا نفسه لها، وهو على استعداد لأن يبذل من أجلها كل ما يملك مما اكتسبه بفضلها، فإذا كان اسمه قد أصبح كبيرا فإنه يأخذ في تأجير اسمه بما يتناسب مع هذه الضجة، ثم هو ينفق من كسبه على زيادة ضجة الاسم، حتى يضمن استمرار تدفق المال المشبوه من مصادره التي ترحب بالوظيفة المشبوهة التي يؤديها. ومن المعروف أيضا أن من عادة الانسان النرجسي ألا يفكر في أحد غير نفسه، بمن في ذلك أولاده وتلاميذه .

   

كان أستاذنا الصحفي الأوحد قد عبر لناشر كبير أكثر من مرة عن أمنيته أن يجد روائيا يكتب له رواية الخروج بطريقة تتناسب مع نرجسيته

وربما كان هذا المعني السيكولوجي البسيط هو أبرز ما لفت نظر القارئ المثقف في كتاب أصدره مَنْ كان لا يزال يعيش الوهم الذي جعله يعتبر نفسه بمثابة الصحفي الأوحد في مصر، وجمع فيه بعض حواراته التي أجراها بعد ثورة يناير أو على حد تعبيره: تنحي الرئيس حسني مبارك، أو في أثناء إتمام هذا التنحي، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن للنرجسية أن تتسلل إلى مثل هذا الكتاب الذي من المفترض أنه يجمع حوارات، وللحوار في العادة طرفان؟ ولكل طرف منهما حقه في الحوار. الإجابة المذهلة أن طغيان النرجسية وتمكنها جعل الأستاذ محمد حسنين هيكل يغفل تماما ذكر اسم الأستاذ الكبير رئيس تحرير الأخبار وزملاءه الذين أداروا معه ثلاثة حوارات (أو حوارا من ثلاث حلقات)، مع أن هذا الحوار الطويل ثلاثي الأجزاء يمثل بلا مبالغة أهم ما في الكتاب وإن الكتاب كله غير مهم، لكننا نتحدث بالطبع عن أهمية نسبية، ومن ناحية الحجم فإن الحلقات الثلاث تمثل أو تشغل الثلث الثالث والأخير من هذا الكتاب.

 

وربما يعجب القارئ اليوم حين يجد أن حوارا واحدا يتكفل بثلث كتاب، لكن هذا ما حدث، ومن الطريف أن الحوار رغم أهميته النسبية والحجمية التي أشرنا إليها ليس فيه جديد: لا معلومة، ولا استنتاج، ولا استشراف، ولا قصة، ولا أقصوصة، ولا نكتة حقيقية، وإنما نكتة وحيدة سمجة، وربما يعجب القارئ اليوم حين يجد أن حوارا واحدا فقط يتوزع على ثلاث حلقات، تنشر على ثلاثة أيام، ربما لا تكون متتالية، وإنما تستغرق أسبوعا كاملا (أحد وثلاثاء وجمعة مثلا)، حتى يحدث التشويق الكاذب الذي يعتقد صاحب النرجسية أنه يزيد من قيمته إمام الأجيال الجديدة، بينما هذه الأجيال التي تعرف عصر السرعة لا تستقبل مثل هذا التصرف إلا بالسخرية، والرثاء لصاحبها، لكنه كان لايزال يعيش الماضي هو والذين يهاتفونه مقابل أجر معلوم ليرووا له كيف توقفت العملية الجراحة بعد فتح كيس المرارة ليناقش الجراحون ترهاته، وكيف توقفت البورصة عن التداول ليتناقش الاقتصاديون فيما تضمنته ترهات أستاذيته !!

     

وفي مقابل هذا، فقد كان القسم الثاني من الكتاب، وهو الذي أعاد نشر حوار الأهرام، في حاجة إلي مقدمة تحاول أن تعالج كبرياء الصحفي المجروح بسبب خروجه المفاجئ من الأهرام في 1974، وهو جرح الخروج الذي لايزال ينزف، ويُقرأ، كما لو أنه سفر الخروج، ولهذا فقط سمح النرجسي بمقدمة نسبت إلى رئيس مجلس إدارة الأهرام، بينما الذي كتبها هو الأستاذ هيكل نفسه بدم قلبه النرجسي.  ومن العجيب أن هذا الدواء الجديد فشل كذلك في تفكيك سر سفر الخروج، وبقي في نطاق أنه لا يعدو أن يكون مجرد مقدمة حوار كتبها الصحفي الأوحد بنفسه لنفسه عن نفسه، ونسبها إلى قلم آخر، ذلك أن أحدا لن يستلهم هذه المقدمة ليكتب رواية الخروج الفرعوني عبر شارع الجلاء في 1974!

   

كان أستاذنا الصحفي الأوحد قد عبر لناشر كبير أكثر من مرة عن أمنيته أن يجد روائيا يكتب له رواية الخروج بطريقة تتناسب مع نرجسيته، وظل الناشر الطيب يدفع إلى الصحفي الأوحد بروائي تلو الآخر، وأستاذنا يسرب لهم ما يتصور أنه سيساعدهم على أن يصوروا الخروج المهين مجدا، لكن الجرح لايزال ينزف، والخروج لا يزال في حدوده المعروفة للعامة والتي لا تزيد عن أنها ركلة تعودها الرؤساء العسكريون بطبعهم مهما تمقرطوا وتأنقوا، ومن العجيب أن الصحفي الأوحد كان يظن (بسبب المرض النرجسي) أن علاج النزيف القديم يمكن أن يتحقق بوسائل من قبيل أن ينشر حوارا معه دون أن يشير إلى اسم الرجل أو رئيس تحرير الأخبار (الألمعي والشاب جدا) الذي قاد الفريق الذي أجراه، كأنما هو اللهو الخفي، أو الطرف الآخر، وربما الطرف الثالث بينما أنه هو الأستاذ ياسر رزق بكل مناصبه الإدارية والصحفية والتحريرية والنقابية فضلا عن خلقه المتقبل وعلاقاته المتشابكة وجماهيريته الواسعة .



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة