ما هي العوامل التي أدت لانهيار الدولة العثمانية؟

لم يعرف التاريخ الإسلامي دولة بلغت من المجد والازدهار وعلو الشأن ما بلغته الدولة العثمانية. دولة اتسعت لتشرق شمسها على بقاع واسعة من العالم القديم وتجمع تحت ظلال سلطتها شعوبا متعددة الأعراق والأنساب والأديان وذلك لمدة تزيد على ستة قرون. إلا أن تلك الدولة التي بلغت مشارق الأرض ومغاربها ما لبثت أن أصابتها أدواء الضعف وألقت بها في مهاوي التخلف والانحطاط. فما هي العوامل التي دفعت الدولة العثمانية للانحطاط؟ إن الدول لا تنهار عادة لطارئ واحد يلم بها أو لداء منفرد يصيبها وإنما تحتاج لسقوطها اجتماع عوامل عديدة تصيب أجهزتها وتستنزف مواردها وتلقي بها إلى نهايتها. إلا أن بعض تلك العوامل تكون أشد فتكا بأركان الدول وأدعى إلى انهيارها من غيرها. كان ذلك حال الدولة العثمانية مع وضعها الاقتصادي.

لقد أدى النظام الاقتصادي العالمي الذي كان قد بدأ بالتبلور في نهاية القرن الخامس عشر إلى سوء الأحوال الاقتصادية في الدولة العثمانية. حيث لعبت سيطرة الدول الأوروبية بأساطيلها الحديثة على الممرات والطرق التجارية البحرية إضافة إلى سيطرتها على السواحل الشرقية لأفريقيا وسواحل عمان وبعض موانئ الخليج العربي وضربها للأساطيل التجارية العثمانية في المحيط الهندي وبحر العرب دورا مهما في تدفق الثروة إليها وإفقار الدولة العثمانية. ولم تكن الطرق التجارية البرية بحال أفضل خاصة أنها كانت تمر بمناطق لطالما عصفت بها الحروب والثورات وهددت سبلها قلة الأمن وغياب الاستقرار وانتشار الفوضى وقطاع الطرق.

كانت الدولة العثمانية دولة عسكرية بامتياز حيث كان جل مواردها مخصص للإنفاق على الجيوش والحملات العسكرية في الوقت الذي كان فيه إجمالي ما يصرف على الصحة والتعليم والتنمية لا يعادل عُشر ما تنفقه الدولة على الدفاع

لقد كان لاكتشاف رأس الرجاء الصالح وتغير الطرق التجارية العالمية الأثر الكبير في جعل اقتصاد الدولة العثمانية قائما بالدرجة الأولى على النشاط الزراعي ودفعها ذلك إلى زيادة الاعتماد على الإقطاع العسكري في تمويل حروبها وغزواتها. لقد كان نظام الإقطاع العسكري العثماني يغذي كتائب الخيالة في جيوش الدولة بعشرات الآلاف من الفرسان ويؤمن نفقاتها دون اللجوء إلى خزائن الدولة. وعلى الرغم من أن كتائب الانكشارية المشاة والتي أسس نواتها أورخان بن عثمان كانت عنصرا هاما في كسب المعارك ونجاح الحملات العسكرية إلا أن أعدادها كانت صغيرة نسبيا في النصف الأول من عمر الدولة العثمانية مقارنة بغيرها من كتائب الجيش.

لقد أدى التطور الذي شهدته الجيوش والتحديثات التي طرأت على تسليح الفرق والكتائب العسكرية في ذلك الوقت إلى تعاظم أهمية العساكر المدربة على استخدام مختلف أنواع الأسلحة النارية المستحدثة وبالتالي ازدادت الحاجة إلى إنشاء جيش مدرب احترافي يرابط في الثكنات والثغور وتتلخص مهمة أفراده في القتال وحماية الدولة فقط خاصة في ظل عدم قدرة كتائب الفرسان على حسم المعارك و الانتصار بالحملات العسكرية. وهذا ما يفسر التزايد الملحوظ لأعداد الانكشارية والتي كان يربى أفرادها على القتال ويدربون على استخدام الأسلحة الحديثة. في المقابل كانت أعداد المقاتلين الفرسان تتناقص مع مرور الوقت.

لقد تمخض عن ذلك كله ازدياد هائل في إنفاق الدولة العسكري حيث أصبحت الدولة ملزمة بتأمين رواتب أولئك الجنود وإطعامهم وتسليحهم وصرف المكافآت لهم وأصبحت الحملات العسكرية تمول كليا من خزائن الدولة. إلا أن الانكشارية التي كانت في وقت من الأوقات مخلب الدولة الذي تضرب به أعداءها وسلاحها الذي تزلزل به جيوشهم ما لبثت أن أصبحت عنصرا من عناصر هدم الدولة وتخلفها فعلى الرغم من الإنفاق العسكري الهائل على تلك الكتائب إلا أنها لم تكن تقوم بالمهام التي أنشئت لأجلها فقد كان أفرادها يثورون أكثر مما يحاربون وأصبح التمرد في ساحات المعارك طبعا ملازما لهم وركنوا إلى تجميع الثروة وكنز الأموال وانحصرت مهمتهم في التحكم بمقاليد الأمور ومعارضة السلاطين في كل أمر لا يصب في مصالحهم ولا يشبع رغباتهم.

لقد كانت الدولة العثمانية دولة عسكرية بامتياز حيث كان جل مواردها مخصص للإنفاق على الجيوش والحملات العسكرية في الوقت الذي كان فيه إجمالي ما يصرف على الصحة والتعليم والتنمية لا يعادل عُشر ما تنفقه الدولة على الدفاع. لقد كان لإغفال الدولة العثمانية للمشاريع التنموية وإهمالها للمرافق العامة في ولاياتها أثر كبير في تعميق حالة الركود الاقتصادي الأمر الذي أضاع معه عائدات كبيرة كان بإمكانها أن تملأ خزائن الدولة وتسهم في رفاهية مجتمعاتها. إلا أن التحديث والتنمية الاقتصادية في مجتمعات مصابة بالركود لا يتحقق في ظل غياب الكوادر القادرة على تنفيذ الأفكار وتطبيق المشاريع التي تحقق التنمية وتدفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام. ويكفينا أن نعلم بأن نسبة الأمية تجاوزت في معظم البلاد العربية في أوائل القرن العشرين نسبة التسعين بالمئة. ولذلك أصبحت أكثر المشاريع التنموية و العمرانية في أواخر عهد العثمانيين لا تقوم إلا على أكتاف المهندسين والفنيين الأوروبيين.

ولا يمكن للمرء في معرض حديثه عن العلم والتعليم في الدولة العثمانية أن ينكر حركة الترجمة من اللغات الأوروبية إلى اللغة التركية والتي أوقدت جذوتها في عهد السلطان أحمد الثالث ومثيلتها إلى اللغة العربية في عهد محمد علي باشا وخلفائه. إلا أن حركة الترجمة تلك لم تكن مسبوقة بنشاط علمي يحرك المجتمع ويدفعه للبحث ولم ترتبط ببحوث علمية تنشد إجابات تساؤلاتها في ما يتم نقله عن المجتمعات الأوروبية بل إنها اصطدمت بمجتمعات كان جل أبنائها أميون يعيشون في حالة من الفقر والعوز. إن حركة الترجمة تلك لم تكن لتثمر بالنتائج المرجوة فهي لا تعدو عن كونها استيرادا للفكر والمعلومات.

مما زاد الوضع الاقتصادي للدولة العثمانية سوءا نظام الامتيازات الأجنبية الذي عمل به السلاطين العثمانيون والذي كان يهدف في عهد ازدهار الدولة إلى تشجيع التجارة في البر العثماني لزيادة واردات الدولة الضريبية

على أن الاقتباس عن الأمم الأوروبية لم يكن مقتصرا على العلوم البحتة فحسب وإنما امتد ليشمل آدابها وفلسفاتها بل وحتى عاداتها وطرقها في الحياة والملبس والمأكل والمشرب. ولا أدري كيف يمكن لفلسفات ونظريات اجتماعية واقتصادية نشأت لحل مشاكل المجتمعات الأوروبية وكيف يمكن لآداب نشأت لترضي الذوق الأوروبي أن تسهم في نهضة أمتنا العربية والإسلامية أو في حل مشكلاتها. فالإنسان الأوروبي كما يقول مالك بن نبي يعيش في طور تاريخي مختلف عن الطور التاريخي للإنسان العربي والمسلم. ولا أدري كيف يمكن لتقليد الأمم الأخرى واقتفاء آثارها في زيها ومشارب إنفاقها أن يصنع شيئا من النهضة أو التقدم.

إنا مشينا وراء الغرب نقبس من ضيائه فأصابتنا شظاياه، إن التقليد الأعمى للغرب كان ينبع من نفسية المهزوم التي مثلت الشخصية العثمانية في أواخر عهدها فالمغلوب كما يقول ابن خلدون مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في سائر أحواله وعوائده. ومما يثير في القلب بواعث الحزن أن نرى بعض السلاطين العثمانيين وولاتهم يندفعون إلى بناء القصور والاستراحات والمتنزهات الملكية على الطراز الغربي وينفقون في ذلك ما تحويه خزائن الدولة في الوقت الذي لا يكاد فيه عوام الناس يجدون إلى قوت يومهم سبيلا ودولهم لا تصدر ميزانياتها إلا بعد الاستدانة من المصارف الغربية. إن الحضارة لا تبنيها القصور الفخمة ولا الأبنية الضخمة وإن النهضة لا تتحقق باستيراد أفخم الحافلات ولا بإقامة أصخب الحفلات. إنما تتحقق النهضة وتزدهر الحضارة بإقامة العدل والمساواة وإنتاج العلم وتسخيره لخدمة الفرد والمجتمع.

ومما زاد الوضع الاقتصادي للدولة العثمانية سوءا نظام الامتيازات الأجنبية الذي عمل به السلاطين العثمانيون والذي كان يهدف في عهد ازدهار الدولة إلى تشجيع التجارة في البر العثماني لزيادة واردات الدولة الضريبية وهذا ما نراه متمثلا في سياسة محمد الفاتح مع التجار البنادقة حيث نجده يقر امتيازاتهم التجارية التي كانت بينهم وبين البيزنطيين وذلك بعد سقوط القسطنطينية. إلا أن تلك الامتيازات ما لبثت أن تحولت إلى تنازلات يقدمها العثمانيون للدول الأوروبية مما أدى إلى الإضرار بخزينة الدولة وحرمانها من جزء كبير من وارداتها. لقد تحولت تلك الامتيازات مع مرور الوقت إلى ثغرات استطاعت الدول الأوروبية من خلالها بث الفتن والقلاقل بين فئات وطوائف الدولة العثمانية وتشجيع الثورات ونشر الفوضى. لقد ساهمت تلك الامتيازات بشكل أو بآخر في فصل الأقليات في الدولة العثمانية عن باقي مكونات المجتمع وحولت ولاء كثير من أفرادها إلى أوروبا وزعمائها.

وختاما فإن الدولة العثمانية كأي دولة من الدول تزدهر ويعلو شأنها بأخذها بأسباب التقدم والنجاح وتخبو شعلتها إذا ألمت بها أدواء التخلف ووعوامل الانحطاط. وإن اندفاعنا لإلقاء اللوم والعتاب على سلاطينها وتحميل قادتها مسؤولية التخلف الذي نعانيه اليوم أو المبالغة في مدحهم وإطرائهم لن يأتي علينا بأي فائدة تذكر. إن الواجب علينا أن نتدارس تلك الفترة من ماضينا بعيني الباحث والمتعلم فالناظر لعوامل الانحطاط التي ذكرناها يرى أنها ما زالت قائمة في مجتمعاتنا العربية وأن تخلف منظومة التعليم وغياب مشاريع التنمية ما زال يدفع بأمتنا نحو التخلف والانحطاط.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة