قليل من الاهتراء وبعض من الافتراء في مذكرات عمرو موسى

أبدأ فأقول إنني كنت ولا أزال من المُقدّرين لمواهب الوزير عمرو موسى وكفاءاته في أكثر من مجال، كما أنّي من المُقدّرين لإجهاده نفسه في نشر مذكراته التي هي واجب قومي ووطني كان لا بد له من أن يقوم به، كما أنّي على صعيد ثالث مُعجب بالجُهد الذي بذله في هذه المذكرات وفي تكوينه فريق العمل الذي أنجزها، وبالطبع فإنّي على صعيد رابع معجب بعناصر التوفيق والتحقيق والتنسيق التي مارسها هذا الفريق المُتميّز الذي ضمَّ فيمن ضم خالد أبوبكر.

 

ومع هذه الإعجابات الأربعة فإنّي مُعجبٌ بتبويب المُذكرات وفصلها الذكي بين النص الأصلي والنصوص المُساعدة والمراجع والهوامش، ولا شكّ في أن دار النشر العظيمة التي أنجزت هذا العمل الكبير وهي دار الشروق تستحقُّ أن نُكرّرَ لها الشُكر على كلّ ما قامت به في هذه المذكرات وفي غيرها من المذكرات. مع هذا كله فإنّي مُندهش أشدّ الاندهاش من هذا الذي ارتضاه الوزير عمرو موسى لمُذكِّراته، ولكَيْ أُسهّل على القارئ (أولاً) وعليه (ثانياً) أن يعرف ماذا فعل فإنّي أتصوّر شركة بيير كاردان وقد أنجزت حُلّة فاخرة ممّا نُسمّه في اللغة الدارجة "بدلة" وراعت فيها كل العناصر الكلاسيكية في خطوط إنتاج الملابس الفاخرة  ثم خطر ببالها أن تضع على هذه الحلة الجميلة ختما يقول إنها هُندست في عصر احتلال هتلر لباريس، وهو المعروف بعصر حكومة فيشي، ولم تكتف الشركة بوضع هذا الخاتم على أطراف الأكمام أو على الجيوب أو في موضع ما بالقُرب من الأزرار، وإنما حرصت على أن تُكرّرَ وضع هذا الخاتم على مقاطع مُتعدّدة من البدلة، فوضعته على يمين الباقة، وعلى يسار الجيب الأيمن، وعلى يمين الزرار الأوسط، وعلى يسار الزرار الأعلى.. وهكذا.

 

ثاني هذه الأمثلة أن يُغفِلَ الوزير عمرو موسى الإشارة إلى وزير كان وزير دولة للشئون الخارجية لا يزال رغم شيخوخته ملء الفراغ الرسمي البيروقراطي، وإن لم يكن له أثر حقيقي في الحياة السياسية غير الأثر الدعائي

هل يتصوّرُ أستاذنا الوزير عمرو موسى شكل البدلة الفاخرة وقد [تزيّنت] أو [تشوّهت] بهذه الأختام التي قد تُسعِدُ حكومة فيشي أو تُسعدُ دعاية هتلر بينما هي قد شوّهت البدلة؟ قد لا يقف الأمر عند تصوّر أستاذنا الوزير عمرو موسى لهذا الذي فعلتْه يد الإنتاج في مُذكّراته، ولكنه بعد هذه المقالة إن قُدّرَ له أن يراها وأن يندفع إلى مذكراته ليقرأها قراءة الضيف المُستمتع فسوف يكشفُ في سهولة ويُسرٍ أنه شوّه مُذكراته من حيثُ لا يدري، ومن حيث لم يقصد، وسوف يكتشف في لمح البصر أنه جنَى على مُذكراته حتى إن مذكراته تستصرخُ وتقول قول أبي العلاء المعري: هذا ما جناه أبي عليّ! لا أُحبّ أن أتمادى في تصوير الافتراء الذي حفلت به الأختام النافرة التي وضعها الوزير عمرو موسى على مّذكّراته، ولا أحبّ أن أتناول هذا الافتراء ولا شكله، ولستُ أحبّ له أن يُحاول أن يُدافعَ عن نفسه بالمُحاجاة أو المُحاكاة ذلك أن النسيج الأصلي واضح، والختم المُصطنع والمُقحم واضح أيضاً. أعرف بالطبع أن الوزير عمرو موسى بشر، لكني أعرف أيضاً أنه إنسان، وأعرف أنه شخصية لا تخلو من العيوب الحميدة الصغيرة، لكنّي أعرف أيضا أنه شخصية حافلة بالسجايا، ولهذا فإني أتعجّبُ من أن يقبل على نفسه أن تصدُر مُذكّراته وفيها هذه اللمسة المُتكرّرة من الافتراء المُتكرّر بلا مُبرّر.

 

أنتقل من الافتراء إلى الاهتراء وليس العيب فيه عيباً من الوزير عمرو موسى ولا من فريق الوزير عمرو موسى، لكن العيب يكمن في البيئة التي منها الوزير عمرو موسى، والبيئة التي فيها عمرو موسى، ومع هذا فإن هذا العيب الاهترائي كان ينتظر من الوزير عمرو موسى أن يتكفّل بإصلاحه حين يكتُب مُذكّراته، والأمر شبيه بما تفعلُه الشركات الكُبرى التي تتولى إنشاء خطوط المترو الجديدة من إعادة بناء شبكات البنية الأساسية كلها في منطقة إنشاء وحفر المترو بما يضمن لها ولخطوط المترو، وللمناطق التي تمضي فيها خطوط المترو سلامة، وأمنا، ورُقيا، وتجديدا. أضرب على هذا الاهتراء أمثلة بسيطة واضحة مُحدّدة سوف تزعجُ الوزير عمرو موسى وفريق الوزير عمرو موسى حين يكتشفون أن مُذكّراته طبعت وهي تحويها على هذا النحو غير اللائق بها.

 

أول هذه الأمثلة هو الهامش الذي خصّصه الوزير عمرو موسى للحديث عن محمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية في عهد إسماعيل فهمي، ذلك أن هذا الهامش ضعيف جدا إذا ما قورن بالهوامش المثيلة فهو يفتقد تاريخ وفاة محمد رياض بعد ميلاده على نحو ما فعلت الهوامش الأخرى في كلّ الشخصيات التي خُصّصتْ لها هوامش، كما يفتقد الإشارة إلى توليه المسئولية عمّا سُمّيَ بجامعة الشعوب العربية والإسلامية التي أسّسها الرئيس السادات بعد نقل الجامعة العربية إلى تونس ومسئوليته أيضاً عن مقر الجامعة العربية بالقاهرة بعد انتقالها إلى تونس، ويحدث هذا على الرغم من اعتراف الوزير عمرو موسى بأن محمد رياض كان من أهمّ من شكّلوا حياته الديبلوماسية وخبراته فيها، وعلى الرغم من امتنانه لهذا الرجل الذي لم يشر إلى انه تربطه به أكثر من صلة نسب. السبب في هذا العيب أو النقص يعود إلى أن فريق المذكرات لم يعرف الطريق إلى موضع ما كتب عن محمد رياض مما كتبه صاحب المصادر المرجعية التي استعان بها عمرو موسى في مذكراته، وربما أتوقّفُ هنا لأُدعو القارئ أن يترحّم على هذا المصدر الوحيد الذي نقل عنه الوزير عمرو موسى وفريق عمله من دون الإشارة إليه والترحّم عليه حيّاً وميّتاً، ومع أنهم ينقلون عنه وعن مصادر نقلت عنه فإنهم لا يذكرون فضله.

 

ثاني هذه الأمثلة أن يُغفِلَ الوزير عمرو موسى الإشارة إلى وزير كان وزير دولة للشئون الخارجية لا يزال رغم شيخوخته ملء الفراغ الرسمي البيروقراطي، وإن لم يكن له أثر حقيقي في الحياة السياسية غير الأثر الدعائي، هذا الوزير هو الوزير محمد فائق الذي تولى مسئولية وزير الدولة للشئون الخارجية والذي تولّى وزارة الإرشاد القومي أيضاً وكان توليه للإرشاد وللقومي قبل الأستاذ هيكل وبعده فلما تولى الأستاذ هيكل الإرشاد والقومي أصبح هو وزيراً للدولة للشئون الخارجية، وهنا أترحّمُ أيضاً على صاحب المصدر الذي ينقل عنه الوزير عمرو موسى وفريقه دون أن يذكروه أو يترحّموا عليه حيّاً وميّتاً.

 

ثالث هذه الأمثلة مثل مًضحك إلى حد الفكاهة، ودرامي إلى حد البكاء، وهو أن الأستاذ الوزير عمرو موسى أراد أن يتحدّث عن ديبلوماسي قديم تولى منصب نائب وزير الخارجية في زمن الدكتور محمود فوزي، وهو أحمد خيرت سعيد، وبدلاً من أن يذكر أن الأستاذ الوزير عمرو موسى الاسم الصواب أخطأ فذكر اسم رائد من رواد القصة القصيرة هو الأستاذ أحمد خيري سعيد مؤسس مجلة الفجر الذي كان بمثابة رائد ما سُمّيَ بالمدرسة الحديثة في الأدب التي مصّرت القصة القصيرة والتي ينتمي إليها محمود طاهر لاشين والدكتور حسين فوزي والأساتذة يحيى حقي ومحمد تيمور ومحمود تيمور وعيسى عبيد وشحاته عبيد وحسن محمود. والعجيب في أمر الديبلوماسي أحمد خيرت سعيد أنه صهر لوزير الخارجية محمد إبراهيم كامل الذي تحرّش بأداء الوزير عمرو موسى في أثناء تولّيه الوزارة، ورد الوزير عمرو موسى على تحرُّشه بتحرُّشٍ مُماثل في مُذكّراته، لكن الأكثر طرافةً أنه صهر أيضاً للسفير محمد شاكر صديق الوزير عمرو موسى.

 

رابع هذه الأمثلة يتّصلُ بها جميعا ويقول إن السرديات عن تاريخ حقبة عبد الناصر والسادات في مُذكّرات الوزير عمرو موسى  ليست بنفس الدرجة من التماسك التي تحظى بها حقبة النحاس باشا في هذه المُذكّرات وذلك على الرغم من شراكة الوزير عمرو موسى الفاعلة في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك مع اختلاف المُستويات، ومن هنا فإن كتابة ما يُسمّيه الغزالون بنول النسيج اعتمدت اعتمادا مطلقا على ما هو موجود من كتابات اليهود عن هذا التاريخ المصري الوطني الداخلي، وذلك لسبب واحد وهو أن الأستاذ الوزير عمرو موسى وفريقه لم يبذلوا جهداً في البحث عن مصدر جيّد (هو بالفعل متاح) ليصنعوا منه أنوال النسيج التي يكتبون عليها مُذكّرات واحد ممّن ساهموا بعد ذلك في صياغة النسيج وتلوينه وتفصيله أي الوزير عمرو موسى نفسه.

 

ولو أن الوزير عمرو موسى أخد على سبيل العيّنة فقرة من كتابته عن حقبة الليبيرالية التي لم يكن له فيها شأن وظيفي بحكم السن وقارنها بفترة أخرى عن أيّ فترة من حقبة ثورة 1952 التي كان له فيها شأن وظيفي لوجد أن الصورة فيما بعد 1952 مُصابة بضُعف في البسكلة (أي عدد النقاط المتاحة في البوصة المربعة الواحدة) إذا ما قورنت بصورة ما قبل 1952 حيث البسكلة أو الصورة في أبهى حالاتها، وهنا نكرر الترحم على من كتب أفضل مراجعه عن حقبة النحاس فنشرت، كما كتب كتبا مرجعية عن حقبتي السادات وعبد الناصر فتأجل نشرها بسبب شارك فيه الأستاذ الوزير عمرو موسى  نفسه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة