قناة السويس الجديدة وقناة إسطنبول.. بين فشل السيسي ونجاحات أردوغان

أعلنت تركيا منذ عام 2011 عن نيتها حفر قناة جديدة موازية لمضيق البسفور والتي من المقرر بدء العمل فيها قريبا تمهيدا لإفتتاحها قبل عام 2023، كأحد أهم المشاريع الذي وعد بها الحزب الحاكم لدخول تركيا في مصاف أقوي 10 دول في العالم تزامنا مع الذكري المئوية للجمهورية التركية، كما يهدف المشروع لتخفيف الضغط عن مضيق البسفورالذي يمر في المتوسط 50 ألف سفينة، وهو تقريبا أكبر من ضعف عدد السفن المارة بقناة السويس.

كما يأتي مشروع القناة في إطار تعويض تركيا عن التعريفة المخفضة التي أجبرت تركيا على تحصيلها بعد توقيعها إتفاقية مونترو عام 1936، حيث من المتوقع أن تدر القناة 8 مليار دولار سنويا. ويشمل المشروع حفر قناة بطول 45 كيلومتر تسمح بمرور 160 سفينة يوميا (58 ألف سفينة سنويا)، بالإضافة لبناء مدينة سكنية تستوعب أكثر من 7 ملايين نسمه، بتكلفة إجمالية تتخطي 40 مليار دولار. حيث تحاول تركيا إستثمار موقعها الجغرافي للإستفادة من الطفرة الملاحية المتوقعة في البحر الأسود نتيجة لوقوعه ضمن مشروع طريق الحرير الصيني، عبر إنشاء قناة غرب مضيق البسفور والإستفادة من عائد مرور السفن، وتقديم خدمات لوجيستية وملاحية للسفن المارة.

فكرة المشروع
بعد إفتتاح أردوغان لطريق الحرير الحديدي في عام 2017، والذي يربط الصين ودول بحر قزوين بشرق تركيا، تحاول الصين إستكمال المرحلة الثانية من المشروع، ودخلت في مفاوضات مع الحكومة التركية لتمويل إنشاء المرحلة الثانية

طرح أردوغان الفكرة مع حملته الإنتخابية لسنة 2011، وكان المشروع يتضمن إنشاء مطار جديد شمال غرب إسطنبول، وهو ما قد تم طرحه فعلا عام 2013 بإستثمارات 10 مليار يورو، وتم إفتتاح المرحلة الأولي من المطار في أكتوبر 2018، ليكون أكبر مطار في العالم بطاقة إستيعابية 200 مليون مسافرعند إكتماله. وفي خلال تلك الفترة إكتملت الدراسات البيئية والإقتصادية لمشروع قناة إسطنبول، كما تم تقليص عرضها من 400 متر لـ 275 متر، من أجل تقليص التكلفة الإجمالية من 10 مليار دولار لـ 6.5 مليار دولار.

ربط أسيا الوسطي بالبحر الأسود

ساهم مشروع طريق الحرير الحديدي الذي إفتتحه أردوغان في 2017، في ربط دول بحر قزوين بتركيا والبحر الأسود عبر خط سكة حديد من باكو بأذربيجان حتي قارص بشرق تركيا، حيث شجع ذلك المشروع دول أسيا الوسطي لربط تجارتهم بالبحر الأسود بسكك حديدية مشابهة، وهو ما تم فعلا عن طريق مشروع سكك حديد يربط بين طاجاكستان وأفغانستان وتركمنستان حتي بحر قزوين، ثم تتم نقل البضائع بعبارات من تركمنستان وكازاخستان إلى الغرب حيث باكو في أذربيجان، ومنه تنطلق الصادرات إلى موانيء روسيا وجورجيا على البحر الأسود.

الصين تتجه للبحر الأسود

وصل أول قطار من الصين إلى لندن عام 2017، في إطار مشروع طريق الحرير الذي يربط الصين بأوروبا، والذي يمر عبر 8 دول حتي يصل إلى لندن ومدريد، إلا أن التكلفة الكبيرة للنقل مقارنة بالنقل البحري يجعله مقتصرا على البضائع الثمينة فقط، الأمر الذي دفع حكومة جورجيا لزيادة تنافسية المشروع عبر إنشاء ميناء أناكليا العميق على البحر الأسود والذي سينتهي العمل منه عام 2021، ليكون جاهز لإستقبال الصادرات الصينية عبر سكك حديد تنطلق إلى غرب الصين وتمر بكازاخستان عبورا لبحر قزوين حتي تصل إلى أذربيجان وجورجيا، ومن ثم يتم نقل الصادرات عبر السفن من البحر الأسود إلى أوروبا، الأمر الذي سيزيد من حركة التجارة ونقل البضائع في البحر الأسود. وفي هذا الإطار استحوذت شركة كوسكو باسيفيك الصينية العملاقة لشحن الحاويات على مينا كوموبورت في بحر مرمرة، الذي يعد ثالث أكبر ميناء في تركيا مقابل مليار دولار، لتقديم خدمات ملاحية ولوجيستية للسفن المارة.

إسطنبول مركز عالميا للتجارة

بعد إفتتاح أردوغان لطريق الحرير الحديدي في عام 2017، والذي يربط الصين ودول بحر قزوين بشرق تركيا، تحاول الصين إستكمال المرحلة الثانية من المشروع، ودخلت في مفاوضات مع الحكومة التركية لتمويل إنشاء المرحلة الثانية من مدينة قارص شرق تركيا إلى مدينة أردنة على الحدود مع بلغاريا، والتي ستتقاطع مع مضيق البسفور وقناة إسطنبول المزمع إنشائها، مما سيجعل من تلك المنطقة مركزا لتقاطع خطوط التجارة البحرية والبرية بين الشرق والغرب، وبين الشمال حيث البحر الأسود مع الجنوب حيث البحر المتوسط وأفريقيا. وفي هذا الإطار أعلن وزير المالية التركي عن خطة الحكومة التركية لإعلان إسطنبول مركز ماليا عالميا قريبا، يقدم خدمات للمستثمرين العالمين بأسعار منافسة لمراكز سنغافورة وفرنكفورت ولندن ونيويورك، إلا أنه يتفوق عليهم في توسطه بين قارات العالم القديم.

يذكر أن جزيرة سنغافورة الصغيرة بعد إستقلالها عام 1965، تحولت لمركز مالي عالمي بسبب موقعها المتميز على أهم ممر تجارة في جنوب أسيا، على مضيق ملقا الذي تمر منه معظم صادرات وواردات الصين واليابان، وإستطاع تقديم خدمات مالية ولوجيستية ليصبح في المركز الرابع عالميا عام 2017، ووقوع إسطنبول على طريق الحرير الجديد يدفعها لتكون سنغافورة الجديدة. مما سبق يتضح لنا أن حزمة المشروعات الذي بدأها حزب العدالة والتنمية التركي منذ 2011 في بناء أكبر مطار في العالم وتشييد طريق الحرير الحديدي، ثم التخطيط لبدء حفر قناة إسطنبول، قد تم في إطار خطة إقتصادية متكاملة لإستثمار الموقع الجغرافي المتميز لتركيا وإسطنبول، تمهيدا لوضع إسطنبول على الخريطة العالمية للإستثمار وتحويلها لمركز مالي عالمي بحلول عام 2023، في إطار مخططات تركيا لدخول نادي العشرة الكبار في العالم.

السيسي مهووس بتقليد أردوغان

في المقابل قام الجنرال السيسي بعد توليه الحكم في مصرفي يونيو 2014، عقب الإطاحة بمرسي، بتدشين مشروع قناة السويس الجديدة في أغسطس (وبعد شهرين فقط من توليه الحكم) 2014، والذي يهدف لتسريع عبور السفن في قناة السويس وتقليل زمن العبور من 18 إلى 11 ساعة فقط بدون زيادة في رسوم العبور، وبدون دراسة جدوي للمشروع، مما أحجم الشركات العالمية عن تمويل المشروع، الأمر الذي دفع الحكومة المصرية لطرح المشروع للإكتتاب العام وتم جمع 64 مليار جنية مصر، وهو ما يوازي وقتها 8 مليار دولار.

كانت مدة المشروع 3 سنوات لكن رغبة السيسي كانت إنجازه في عام واحد وضغط مدة المشروع، فقام بإستدعاء عدد كبير من شركات الحفر لإنجاز المشروع في ثلث المدة المخطط لها، بعد دفع الشروط الجزائية لهم للإنسحاب من المشاريع التي يباشرونها، الأمر الذي رفع من تكلفة الحفر بشكل كبير، وأثر على السيولة الدولارية في البنوك المصرية، بحسب تصريحات رئيس البنك المركزي وقتها (هشام رامز) التي تمت إقالته بعد الكشف عن الأثر السلبي للمشروع، الذي أدي لسحب 8 مليار دولار في سنة واحدة.

النتيجة كارثية

بعد إفتتاح المشروع بشهور قليلة وتسببه في نقص حاد للدولار، إرتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه من 7 إلى 18 جنيه لكل دولار، والذي تسبب في زيادة الأسعار بشكل جنوني، بسبب زيادة تكاليف التصنيع نتيجة لإستيراد غالبية المواد الخام وقطع الغيار من الخارج، بالتوازي مع ضعف القوي الشرائية للجنيه، وأدي ذلك لحدوث ما يعرف بالركود التضخمي، حيث أدي التضخم في أسعار المنتجات إلى عزوف المصريين عن الشراء وتقلص الإستهلاك بشكل كبير.

إلغاء مشروع محور قناة السويس

كما قام السيسي بسحب الأراضي من الشركة الصينية المنفذة لمشروع محور قناة السويس الذي طرحه مرسي لتحويل قناة السويس لمركز لوجسيتي عالمي. يذكر أن مشروع محور قناة السويس قد تم طرحه إبان عهد مبارك، إلا أن الإعتراض الإماراتي عليه وخوفه من منافسه ميناء جبل علي قد وأد المشروع في مهده مقابل بعض المساعدات البترولية سنويا.

بين التخطيط الإقتصادي والتأمر السياسي

برغم طرح أردوغان لمشروع قناة إسطنبول في عام 2011، إلا أن التنفيذ لن يبدأ إلا في أواخر عام 2019، بعد إستكمال الدراسات البيئية والإقتصادية وإستكمال تخطيط مدينة إسطنبول الجديدة والتسويق لها وإفتتاح المطار الجديد، والذي تم في أكتوبر الماضي، لضمان نجاح المشروع بنسبة كبيرة.

بداية عهد إسطنبول الذهبي

على الجانب الأخر يري المحور المصري الإماراتي في مشاريع (قناة إسطنبول-طريق الحرير الحديدي) التي يجري تنفيذهم في تركيا حاليا، نقلا للتجارة بين الصين وأوروبا من المحور البحري الجنوبي حيث النفوذ الإماراتي على موانئ عدن وبربرة وعصب في باب المندب، إلى محور الشمال والبحر الأسود حيث تركيا، والذي يزيد من القوة الناعة لأردوغان ويجعل من إسطنبول مركز عالميا للتجارة، في مقابل خفوت نجم دبي كمركز مالي إقليمي، فضلا عن نهاية إنفراد قناة السويس بكونها أقصر طريق لنقل التجارة بين الشرق والغرب. تري هل تشتد حرب خطوط الملاحة العالمية بين تركيا من جهة وكل من الإمارات ومصر من جهة، أم ينتهي عهد موانئ دبي وقناة السويس ويبدأ عهد الذهبي لإسطنبول؟



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

يحاول أردوغان استثمار الثقل السياسي والاقتصادي لتركيا، في صناعة أوراق للضغط السياسي على صانعي القرار في الغرب، لمحاولة إنهاء الانقلاب العسكري بمصر، عن طريق إبطال التأثير السياسي للسيسي وحلفائه الخليجيين.

الأكثر قراءة