هل تلعب البوليساريو بالجزائر دور حزب الله بسوريا؟

أكدت الأنظمة العسكرية العربية ابتداء من أواسط القرن الماضي وصولا إلى لحظة الربيع العربي ومآلاته الكارثية أنها تصدر عن رؤية واحدة وتتبنى منطقا واحدا تجاه قضايا الإنسان والحرية والتنمية والسياسة والحكم إلى الدرجة التي تسعفنا على القول بأن النظام العسكري العربي عبارة عن بنية واحدة توزع تأثيرها على أكثر من قطر وبلد. وهذا راجع أساسا إلى جذور نشأة هذه الأنظمة وطبيعة العقيدة القتالية التي ورثتها جيوشها عن حقب الاستعمار، والأدوار التي اضطلعت بها في العقود التالية وهي تمسك بقبضة من حديد مفاصل الدولة والمجتمع.

كان النظام العسكري في الجزائر نموذجا صارخا لارتهان مصير الوطن بإرادة نخبة من الجنرالات الذين لم يترددوا في تحويل الوطن إلى بركة من الدماء عندما استشعروا أن امتيازات السلطة والنفوذ قد تُنتزع منهم. وبينما خرج الجزائريون من نفق العشرية السوداء، دخلت شعوب عربية أخرى ذات النفق، ومن نفس البوابة: اعتراض المسار الانتخابي الديمقراطي وإلغاء إرادة الشعوب ومحاربة الإرهاب، واستبداد نخبة عسكرية بالحكم والسلطة.

جبهة البوليساريو كما يعرف المهتمون كيان ميلشياوي صُنع على عين جنرالات الجزائر ليكون للمغرب عدوا وحزنا. وقد تم استثمار موارد هائلة في سبيل رعاية هذا الكيان وتسويقه في المحافل الإقليمية والدولية على أنه يمثل "دولة"

لا يبدو أن الحراك الشعبي في الجزائر -الذي نجح حتى الآن في الإطاحة بالرئيس بوتفليقة- مقتنعا بالخطاب الذي يروجه الجيش الجزائري على لسان قائد أركانه "قايد صالح"، فشعار المتظاهرين لا يزال مختزلا ومكثفا في عبارة موجزة "يتنحاو كاع" وتعني ببساطة اسقاط منظومة الحكم القائمة بكافة رموزها وأركانها وعلى رأسهم جنرالات العسكر المتنفذين. وإذا كان الشعب من جهة متشبثا بمطلبه هذا ومصرا على البقاء في الشوارع والساحات إلى أن تتحقق أهداف انتفاضته، ومن جهة أخرى لا يوجد ما يبعث على الاعتقاد بأن جنرالات الجزائر سيتخلون عن السلطة نزولا عند رغبة الجماهير، فإن السيناريو الأثير لدى الأنظمة العسكرية يبدو واردا جدا. إنه السيناريو الذي يُستباح فيه الوطن وتسير فيه الدماء مدرارا ويتم فيه الاستعانة بميلشيات الموت والظلام حتى يعود الشعب أو ما تبقى منه إلى حظيرة الطاعة من جديد.

غالبا ما تكون الأنظمة العسكرية عامل اضطراب وعدم استقرار لمحيطها، فهي بحاجة دائما إلى افتعال أزمات في الجوار لصرف الأنظار عن مشاكلها الداخلية، رأينا هذا في حروب ليبيا مع تشاد ومصر مع اليمن وسوريا مع لبنان والجزائر مع المغرب. وفي كثير من الأحيان تعمد هذه الأنظمة إلى خلق كيانات وهمية وتسمينها لتكون يدها العابثة بالدول والمجتمعات، تحت شعارات شتى مثل "المقاومة" و"الممانعة" أو "الاستقلال" و"تقرير المصير". وتكون لهذه الكيانات وظيفة مزدوجة فهي بمثابة حصان طروادة للاختراق والابتزاز وصناعة الأزمات وهي أيضا ميلشيات احتياطية يتم استدعائها عند الحاجة خصوصا عندما تنفلت الأوضاع في الداخل وتكون الحاجة ماسة إلى قوة خارج القانون لإعادة ضبطها من جديد.

لقد رأى الجميع كيف تحول حزب الله اللبناني إلى قوة لنشر الفوضى والخراب في كثير من البلدان، خصوصا في سوريا حيث ثم توظيفه من قبل بشار الأسد في معاركه ضد الشعب الثائر، وارتكب فعلا مجاز فضيعة في القصير وحمص وحلب ومناطق أخرى، وكانت لمشاركته في المعارك دور رئيسي في عودة قوات النظام إلى السيطرة مجددا على أهم معاقل الثورة، دون أن ننسى أن الحزب صار كيانا موازيا للدولة في لبنان، ويملك من الموارد والإمكانيات ما يجعل أصغر عنصر فيه فوق أي مسائلة قانونية. لقد كان استثمارا مربحا إذن بالنسبة للنظام السوري، جعله لا يندم على أي "مليم" أنفقه عليه على مدار العقود الماضية. وشكلت شعارات "المقاومة" و"الممانعة" و"القضية الفلسطينية" غطاء فعالا على الأجندة الحقيقة للحزب حتى استطاع بناء ذاته ومد أدرعه في مفاصل الدولة والمجتمع في لبنان.

تجربة النظام السوري مع حزب الله في لبنان تحيلنا على تجربة أخرى وإن تعذر حتى اللحظة الجزم بأنها ستأخذ ذات المسار، مع أن الظروف والسياقات المرتبطة بالتجربتين لا تستبعد ذلك مطلقا. إنها تجربة النظام العسكري في الجزائر مع ما يسمى بجبهة البوليساريو، وجبهة البوليساريو كما يعرف المهتمون كيان ميلشياوي صُنع على عين جنرالات الجزائر ليكون للمغرب عدوا وحزنا. وقد تم استثمار موارد هائلة في سبيل رعاية هذا الكيان وتسويقه في المحافل الإقليمية والدولية على أنه يمثل "دولة" تبحث لشعبها عن حق "تقرير المصير" و"الاستقلال" و"التحرر من الاحتلال"، وهي الشعارات نفسها التي توارى خلفها المشروع التخريبي لحزب الله بإيعاز من النظام العسكري الطائفي في دمشق حتى يتأتى له الاضطلاع بالمهمات القذرة التي أُنيطت به لاحقا.

لا يتمنى أحد أن يتكرر السيناريو السوري في الجزائر، لكن لو قرر جنرالات الجزائر المضي في مغامراتهم المجنونة في عرقلة طموحات الشعب الجزائري، وتحدي الإرادة الشعبية التي تحررت من هواجس العشرية السوداء فلن يجدوا من يسايرهم في مغامرتهم تلك سوى ذلك الكيان الذي استثمروا فيه مقدرات الجزائر حتى ارتبط –وجوديا- مصيره بمصيرهم. سيُلقي ذلك الكيان بكل ثقله في المواجهة ضد تطلعات الشعب الجزائري، وسيحول بكل ما أوتي من قوة وحيلة دون سقوط من كان سببا في وجوده وبقائه عقودا من الزمن.

لقد أفصحت انتفاضة الجزائريين عن وعي عميق بطبيعة النظام العسكري الجاثم على صدورهم، وأفصحت أيضا عن قدر كبير من الذكاء والفطنة إزاء ألاعيب الجنرالات. سترى على شاشات التلفزيون حشودا على مد البصر يرفعون شعارات وأعلاما تعبر عن القضايا التي تفاعل الشعب الجزائري معها وجدانيا وتبوأت مكانة مركزية في قناعاته السياسية والنضالية. ستجد طبعا علم الجزائر وعلم فلسطين وعلم الأمازيغ وعلم الثورة السورية ولن تجد مطلقا أي جزائري بحمل علم الكيان المزعوم المسمى "بالجمهورية الصحراوية" أو حتى شعارا مؤيدا لها، فلا أحد من الجزائريين سيقبل أن يكون منصة لترويج "الوهم" الذي وظفه الجنرالات لحرف الأنظار عن أزمات الداخل، وبددوا من أجل تسمينه ثروات البلد ومقدراته.

الشعب الجزائري لم يعد يستهلك الشعارات التي درج النظام على ترديدها عبر أدرعه ومؤسساته السياسية والإعلامية، والمعنى الكامن في الشعار الجامع المانع الذي رفعه الجزائريون "إتنحاو كاع" يعبر بوضوح تام عن انعدام الثقة بين الجماهير الغاضبة وبين النظام بكافة رموزه وأركانه، وفقدان الثقة في النظام يعني بالمحصلة التوقف عن تصديق السرديات التي اعتاد على ترويجها، وكانت في السابق تجد من السذاجة وحسن النية ما يكفي لتمريرها بل والتهليل لها أحيانا.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة