"نكبة شاغوس".. حين قامت بريطانيا بسرقة جزيرة كاملة وخطف سكانها!

blogs جزيرة تشاغوس

هناك أوقات لا مفر فيها من وقوع المأساة لكي نعرف كيف يعمل نظام ما ككل خلف واجهته الديمقراطية. كما أنها تساعدنا على فهم الطريقة التي يدار بها هذا العالم بحيث يستفيد منه الأقوياء، وكيف تبرر الحكومات تصرفاتها عادة باللجوء للأكاذيب.

 

في أواخر الستينات وبداية السبعينات، أقدمت الحكومة البريطانية بقيادة هارولد ويلسون على طرد سكان جزر تشاغوس، وهي مستعمرة بريطانية في المحيط الهندي، لإفساح المجال لبناء قاعدة عسكرية أميركية في دييغو غارسيا، أكبر الجزر آنذاك. وبسرية تامة، عرض الأميركيون على البريطانيين دفعة مالية لقاء الجزر جاءت على شكل تخفيضات على نظام الغواصات النووية بولاريس.

 

لكن حقيقة هذه المؤامرة لم تظهر حتى بعد 20 عام، عندما قام المحامون الذين يمثلون السكان السابقين للأرخبيل المرجاني بالكشف عن ملفات رسمية سرية لدى مكتب السجلات العامة في لندن كما وصفها المؤرخ مارك كورتيس في حديثه عن الإخلاء القسري في "شبكة الخداع"، كتابه الصادر عام 2003 والذي يتناول سياسة بريطانيا الخارجية في حقبة ما بعد الحرب.  لم يتمكن الإعلام البريطاني من تجاهل ما أسمته صحيفة الواشنطن بوست عملية "الاختطاف الجماعي".

    

  

كنت قد سمعت عن محنة التشاغونيين أول مرة في عام 1982، خلال حرب جزر الفوكلاند. آنذاك، أرسلت بريطانيا أسطولا إلى الناحية الأخرى من العالم لنجدة 2000 من سكان تلك الجزر، في الوقت الذي كانت تقوم فيه بطرد 2000 مواطن بريطاني من جزر المحيط الهندي وسط تكتم هائل.  كان الفارق هو أن قاطني جزر الفوكلاند ينتمون للعرق الأبيض، في حين كان التشاغونيّون من السود، وبالطبع، فقد أرادت الولايات المتحدة جزر تشاغوس، سيما جزيرة دييغو غارسيا، لتكون قاعدة عسكرية ضخمة تتحكم من خلالها بالمحيط الهندي.

   

كانت جزر تشاغوس فردوسا طبيعيا. وكان لدى الـ 1500 مواطن على الجزيرة اكتفاء ذاتي، بفضل وفرة الموارد الطبيعية، بالإضافة إلى الطقس المعتدل. كانت هناك قرى مزدهرة، ومدرسة، ومستشفى وكنيسة، بالإضافة إلى طريق للسكك الحديدية، ونمط حياة هادئ. حتى أدى مسح سري أنجلو أمريكي لجزيرة دييغو غارسيا إلى ترحيل تام للسكان.

 

بد الترحيل في عام 1965، عندما تم تجميع الناس في سفينة متهالكة، وكان النساء والأطفال مرغمين على النوم على متن حمولة من أسمدة الطيور. ثم تم إلقاؤهم في جزيرة سيشل، حيث تم احتجازهم في الزنازين، ومن ثم شحنهم إلى موريشيوس، حيث تم نقلهم إلى عقار سكني متهالك بلا ماء أو كهرباء. هناك، ماتت ست وعشرون عائلة في فقر مدقع، وأقدم تسعة أفراد على الانتحار، في حين أرغمت الفتيات على امتهان الدعارة للنجاة.

 

أجريت المقابلات مع العديد منهم. وتتذكر إحدى النساء كيف قامت وزوجها بأخذ طفلهما إلى موريشيوس لتلقي العلاج الطبي وقيل لهما هناك أنه لن يكون بوسعهما العودة إلى جزيرتهم. كانت الصدمة كبيرة إلى درجة أن زوجها أصيب بسكتة قلبية قضت على حياته. بينما يصف آخرون كيف قام البريطانيون والأميركيون بإطلاق الغاز على كلابهم، وهي حيوانات عزيزة على سكان الجزر، لحثهم على حزم أمتعتهم والرحيل.  وأخبرتني ليزيت تاليت كيف أن أطفالها "ماتوا من فرط الحزن". وكيف ماتت هي نفسها مذاك.

 

في غضون عشر سنوات كان قد اكتمل إخلاء الأرخبيل من سكانه وأصبحت سان دييغو مقر إحدى أكبر القواعد العسكرية الأميركية، بأكثر من 2000 جندي من المشاة، و30 سفينة حربية، واثنين من مدرجات الطائرات الحربية، ومنشآت للغواصات المسلحة نوويا، ومحطة للتجسس بالأقمار الصناعية. من هذا الفردوس السابق كان يتم قصف العراق وأفغانستان، وبعد أحداث 11/ 9 تم "تسليم" الناس إلى هناك وتعذيبهم.

   

(مظاهرات سكان أرخبيل شاغوس في لندن للمطالبة بالعودة لوطنهم)

    

بعد المظاهرات في شوارع موريشيوس عام 1982، قامت الحكومة البريطانية بمنح المهجرين تعويضات مهينة تقدر بأقل من 3000 جنيه إسترليني للفرد الواحد. لكن بعد إسقاط السرية عن ملفات الخارجية البريطانية، اكتمل الكشف عن أركان الحقيقة البشعة.  أحد الملفات المعنونة بـ "إدامة الوهم" أوعز إلى المسؤولين البريطانيين الكذب والقول بأن سكان الجزر كانوا عمالا متنقلين وليسوا سكانا أصليين مستقرين في الجزيرة. وكما كشفت الملفات، فقد كان المسؤولون البريطانيون يدركون سرا إمكانية مواجهة "اتهامات بالتضليل" لأنهم كانوا يخططون "لقلب الحقائق" والكذب.

 

في عام 2000، أصدرت المحكمة العليا في لندن حكما يقضي بعدم قانونية الترحيل. ردا على القرار، لجأ رئيس حكومة العمال طوني بلير إلى "الامتياز الملكي"، وهي أداة قديمة للسلطة كانت تستخدم في "المجلس الخاص للملكة المتحدة" وتمكّن الحكومة من تجاوز البرلمان والمحاكم. وكانت الحكومة تأمل أنها بهذه الطريقة ستمنع سكّان الجزر من العودة بشكل نهائي.  في النهاية أصدرت المحكمة العليا حكما يمنح التشاغونيين حق العودة. لكن وزارة الخارجية استأنفت قرار المحكمة في عام 2008، وبرغم عدم جدّة أي من الأدلة، إلا أن الاستئناف كان ناجحًا.

 

كنت في بيت اللوردات، حين صدر الحكم آنذاك. ولم يسبق لي أن رأيت وجوه القضاة بهذا الخزي من قبل، فيما بدا أنه قرار سياسي واضح.  في عام 2010، سعت الحكومة البريطانية لتعزيز هذا القرار عبر تأسيس محمية طبيعية بحرية حول جزر تشاغوس. وهي حيلة كشفتها تسريبات ويكيليكس، التي نشرت برقية دبلوماسية للسفارة الأميركية تعود لعام 2009، وجاء فيها "إن التأسيس لمحمية بحرية قد يكون بالفعل، كما صرح وزير الخارجية [كولين] روبرتس، آنذاك، الطريقة الأنجع للحيلولة دون إعادة توطين أي من السكان السابقين لجزيرة تشاغوس أو أبنائهم".

 

وسواء كانت محكمة الجنايات الدولية ستحقق العدالة المنتظرة من عدمه، فإن الحملة العنيدة التي يقوم بها سكان الجزر ومناصريهم هي أشبه بإشارة لعدم الخنوع والاستسلام.

————————————————————————-

  

مترجم عن: aljazeera.com



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة