الأمن القومي.. بين حزم أردوغان وعجز السيسي

بينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشكو من وصول مفاوضات سد النهضة مع الجانب الأثيوبي إلى طريق مسدود مستجدياً وساطة دولية لحماية حقوق مصر المائية، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعطي إشارة البدء لجيشه "المحمدي" للقضاء على خطر التنظيمات الانفصالية في شمال شرق سوريا. أثار هذا التزامن بين موقفين متناقضين لدولتين إقليميتين كبيرتين و وازنتين الكثير من التساؤلات حول مفهوم الأمن القومي لدى كل من تركيا ومصر ومدى جدية كل منهما في التعامل مع مهدداته والمخاطر التي تحدق به.

وبشكل عام فإن مفهوم الأمن القومي ينطلق من فكرة تحصين البلد أو الدولة لأراضيها ومواردها ومصالحها من كافة التهديدات الداخلية منها والخارجية باستخدام كل الخيارات المتاحة ومن ضمنها القوة العسكرية التي تأتي كنتيجة حتمية بعد استنفاذ الخيارات الدبلوماسية والسياسية. وعليه فإن مصطلح "تهديد الأمن القومي" ينطوي على مخاطر جمة تطال ركائز الدولة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وقد تصل في حالات إلى حد تهديد وجود الدولة نفسها وقابلية استمرارها.

هبة النيل بلا نيل
قيل قديماً بأن المصائب تكشف عن معادن الرجال، وكذلك التهديدات فإنها تكشف عن قوة الدول ومنعتها ومدى إلتصاق قياداتها بشعوبها، وأمانتها في تحمل مسؤولياتها في الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها وأمنها القومي

يرى كثير من الباحثين والمختصين في مشروع سد النهضة خطراً كارثياً يهدد الأمن الغذائي والمائي لمصر في ظل دراسات تتنبؤ -في حال الإنتهاء من بناء السد- بانخفاض حاد بالإمدادات المائية وبوار آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية التي تروى بمياه النهر والتي يقتات المصريون من محاصيلها. وعليه فإن وصف سد النهضة بالسكين التي ستقطع شريان الحياة عن مصر التي ازدهرت حضارتها منذ الأزل على ضفاف النيل هو وصف يحاكي واقع الحال الذي لا يمكن تقييمه بأقل من كونه تهديد صريح للأمن القومي المصري وخطر وجودي يهدد المصريين في مائهم وغذائهم وأسباب معيشتهم.

أبو غزالة يتوعد والسيسي يستجدي

إذا كان وزير الدفاع المصري الأسبق المشير عبد الحليم أبو غزالة قد هدد أثيوبيا في أواخر الثمانينيات بحرب شاملة في حال إقدامها على المساس بحقوق مصر المائية، فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد لجأ إلى الأستجداء وطلب الوساطة الأمريكية في التعامل مع ذات الملف ونفس التهديد. صورة مأساوية لا يمكن وضعها إلا في إطار سلسلة من الإخفاقات المتتالية لحكومة الانقلاب التي أفقدت مصر هيبتها ووزنها الإقليمي والدولي ودورها الريادي في المنظومة العربية وصولاً إلى حالة من الضعف والهشاشة أصبحت فيها مصر "العظمى" عاجزة عن الحفاظ على حقوق أبنائها وحماية أمنها القومي الذي لم يهدده شيء في التاريخ الحديث كما فعل سد النهضة الأثيوبي.

متسلحاً بإسلوبه الشعبوي، ومكرراً وعوده التي لم تر يوماً النور، مضى السيسي في طمأنة المصريين بأن حقوق مصر المائية محفوظة ومؤمنة وأن أحداً لن يستطيع المس بمياه مصر "النيلية" وأن "الأشقاء" الأثيوبيين قد أكدوا له غير مرة أنهم لن يكونوا سبباً في أذية مصر وشعبها. لكن تالي الأيام أثبتت أن كل ما قاله السيسي كان هراءاً وسقطت آخر أوراق التوت عن أكاذيب الرجل ووعوده بعد أن أفضت الاجتماعات المتتالية للمسؤولين المصريين مع نظرائهم الأثيوبيين إلى فشل ذريع لم يكن أمام السيسي ونظامه سوى الإعتراف به وبمآلاته التي وضعت هبة النيل على حافة الفقر المائي.

وعلى الرغم من فداحة الحدث وخطورته على الأمن القومي المصري، فإن مواقف الرئيس المصري من الأزمة لم تتعد حدود التعبير عن القلق واستجداء الوساطة وطلب النجدة من الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي لإنقاذ المفاوضات المتعثرة بين مصر وأثيوبيا. في حين بدا جيش مصر "العظيم" المنشغل بتصنيع "صلصة المحاشي والمعكرونة" و"طناجر الضغط" وبيع "الفراخ" واللحمة والعصائر على الأرصفة، أبعد ما يكون عن الدخول على خط الأزمة وهو المنوط به افتراضاً حماية الأمن القومي والدفاع عن مصر وشعبها.

الأمن القومي التركي بين حزم القيادة ودعم الشعب

على النقيض من مواقف النظام المصري المتراخية، أظهرت الحكومة التركية الكثير من الحزم في التعامل مع التهديدات المتكررة لأمن بلادها القومي والمتمثلة بالمنظمات الكردية الإنفصالية في شمال وشمال شرق سوريا. فأطلق الرئيس التركي عملية نبع السلام التي جاءت استمراراً لسلسلة إجراءات اتخذتها تركيا لمنع تشكيل نواة لدولة كردية على حدودها الجنوبية. وبغض النظر عن كل الاختلافات القائمة حول شرعية التدخل التركي في الأراضي السورية ومدى تعارضه مع القوانين الدولية، وعن المواقف الأوروبية والأمريكية المنددة والمهددة بالعقوبات، وبغض النظر عن الموقف الروسي الملتبس والموقف الإيراني المستنكر، وبغض النظر عن موقف الجامعة العربية التي راعها إحتلال بني عثمان لأراض الجمهورية "العربية" السورية وأقلقها ضرب تركيا لمنظمات إنفصالية غير عربية تريد إنشاء كيان لها في أراض عربية، بغض النظر عن كل ما سبق، فقد تحرك الجيش التركي مدعوماً بقرار سياسي حازم ومدفوعاً بتوافق شعبي جامع قل نظيره وتمكن خلال فترة وجيزة من تحقيق ما نادى به الرئيس أردوغان طويلاً: منطقة آمنة بعمق ثلاثين كيلومتراً على طول الحدود السورية التركية أنهت أحلام الإنفصاليين بتأسيس دولتهم على الأراضي السورية وحمت الأمن القومي التركي الذي طالما أرقته تلك المنظمات الكردية المعادية على الحدود الجنوبية.

قيل قديماً بأن المصائب تكشف عن معادن الرجال، وكذلك التهديدات فإنها تكشف عن قوة الدول ومنعتها ومدى إلتصاق قياداتها بشعوبها، وأمانتها في تحمل مسؤولياتها في الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها وأمنها القومي. هي صورة بمتناقضين إذاً، نظام إنقلابي في مصر لم يتوان عن تحريك جيشه لا لأجل أمن مهدد ولا خطر محدق ولا حفاظاً على حق، بل لاغتصاب شرعية منتخبة ووأد تحركات شعبية مسالمة تنادي بالحرية. وحكومة منتخبة في تركيا سخرت كل طاقاتها وإمكانياتها لا لاغتصاب سلطة ولا لتنصيب رئيس، بل للحفاظ على الأرض والشعب وحماية الأمن القومي من أي خطر يتهدده.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة