حضرة المحترم أبي

نوفمبر وديسمبر شهور الشتاء الأنيقة التي احببتها كثيراً واحتضنت ذكريات العمر وهي الشهور التي انتظرها كل عام لحضور الجلسات العائلة لم أتوقع أن تتحول هذا الشهور من شهور السعادة إلى شهور الحزن لكن الزمان قد يصبح قاسيا ويغير مواقفه هذا ما حدث!

   

كنت أنفذ تحقيقات صحفية لشبكة التليفزيونات الفرنسية بمدينة شرم الشيخ وقبلها بصعيد مصر جولة مليئة بالحكايات كنت احملها في قلبي وعقلي كي أعود إلى أبي لأتباهى أمامه إنني سأحكى له عن أناس وتجارب ونجاح كما يحكى لي دائما، دخلت إلى حديقة بيت كبير اعتاد لسنوات أن يستقبلني بترحاب شديد قد يصل إلى مشادات طريفة حول طريقة صف السيارة بمدخله لكن هذا البيت لأول مرة غير عادته وكأن الاسوار والجدران تقف أمامي شامخة غير مبتسمة وكأنها تنذرني بأن هناك موعد جولة قدرية صعبة.

   

لم يستقبلني أبي كعادته اضطربت كثيرا وانطلقت فورا لأتساءل لما لم يخرج الرجل العجوز الحكيم كي يؤنبني على وضع السيارة أخبرتني أمي ضمنياً أن "جملنا قد برك"، اندفعت مهرولة لأجده على سريره متبسما كعادته لا يستطيع الحركة ماذا ومتى وكيف واين؟ كل علامات الاستفهام سبقتني، لا أعلم قلبي كان مقبوضا رغم محاولات أبي طمأنتي كعادته إلا أن القدر بدأ سريعا في تسطير حكاية مؤلمة مغلفة برحمة إلهية مُشفقة على عقلي الذي لم يتصور يوما أن يرحل أغلى ما أملك.

 

القدر كان قاسيا وقويا كنت أشعر أنني اخاطبه أتوسل إليه لكنه كان يحدثني افعلي ما تشائي استخدمي كل الوسائل، لن يفيدك المال ولا السلطة ولا عاصم لك اليوم مني هي إرادة الله وستنفذ

بدأت رحلة استمرت ٢٨ يوما في غرف المستشفى، 28 يوما لم تفلت فيها يدي يد تمسكت أكثر من ثلاثين عاما بي، جلست إلى أبي في غرفة عناية مركزة كسرا لكل القواعد الطبية لم أفقد أملا لحظة بأننا سنخرج سويا سنخرج سويا كنت ارددها في كل لحظه أرجوك لا تستسلم، الرجل يبتسم ويخبرني بكلمة واحدة، خلاص خلاص ويقسم أن الحكاية تنتهي.

 

في عز الألم كان يبهرني باهتمامه بعملي بعمق أزمته باهتمامه بالأصول بإكرام الضيف جعلني اتعجب الرجل بين يدي الله وعندما يفيق من غيبوبته لدقائق ويسألني كيف تستقبلين ضيوفنا في هذا المستشفى هل أكرمتي ضيفك هل أكرمتى من يأتون للسؤال عني؟! أقسمت له أن كل شيء يسير وفق قواعده التي علمنا إياها، كنت أحاول أن سرق لحظات إفاقته من غيبوبته لأخذ المشورة التي بت مهددة بفقدانها، إلى من ألجأ أنا أحتاجك فأنت مشورتي ومرجعي لم يكن لديه سوى جواب واحد "اقصدي الله"

  

٢٨ يوما أدركت فيها ثمرة حب واحترام قدمتهم كسفير عن نفسي وعن بيت تربيت فيه فوجدت الكل يريدون مساعدتي من أصدقاء وأطباء وأجهزة أمنية الكل بلا استثناء يريدون أن يجدون حلا لمشكلتي لأول مرة أشعر بالعجز لأن كل المشكلات التي قابلتها بحياتي كان مفتاح الحل عند أبي هذا المرة ولأول مرة يكون هو صاحب المشكلة، كان سعيدا رغم ألمه سعيدا بحب الجميع سعيدا بي وبمحاولات الجميع مساعدتي.

 

لكن القدر كان قاسيا وقويا كنت أشعر أنني اخاطبه أتوسل إليه لكنه كان يحدثني افعلي ما تشائي استخدمي كل الوسائل، لن يفيدك المال ولا السلطة ولا عاصم لك اليوم مني هي إرادة الله وستنفذ رغم أنفك، كنت أبكي واقسم أن قلبي لم ييأس من رحمة الله يوما ولم يعترض لكنه القدر الصعب قد جاء لا أعلم هل كان هذا الشهر بمروره كأسا من الألم أتجرعه أم كان رحمة ليمهد لي استقبال موعد رحيل أغلى وأعز الناس.

 

حضرة المحترم أبي وعدتك أن أقف بين الرجال لأخذ عزاءك وعدتك ان أجعل وداعك في الدنيا يليق بوجاهة حياتك فيها وصدقت الوعد الذي لم أتمنى ان أصدقه وأعيشه أبدا، أبى العزيز رحلت ولم ترحل أقسم أنك لم تفارقني يوما لن أنساك ما حييت ولن أنسى ما درسته لي عبر رحلتنا سويا، إنني أقدر لك ثلاثين عاما من الطيبة والحنان والاحترام، وأشكر الله وأحمده على نعمة أعطانى إياها وأشكره على سكينة وصبر على ابتلاء لا أعرف حتى اللحظة كيف أتحمله.

 

أحبائي، إن الأب نعمة لا تقدر بثمن من لديه أب لديه الدنيا بأكملها فاكرموا من تحبون فالقدر يأتي بدون استئذان وإن الشوق لقاتل بعد الرحيل، رحم الله ضحكات وقلوب لا تُنسى وأثابها خير فيما قدمته لنا من رحمة وإنسانية لا تعوض، أبي محمد عبد الله سراج كان رجلا طيبا صالحا محبا للناس في ذكراه الأولى، أسألكم الدعاء وقراءة الفاتحة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

كانت الأم طيبة رحيمة سمحة وعلى الفطرة، حملت هم الأولاد -مع الأب -وبذلت ما في وسعها من جهد لأجل راحتهم وتعليمهم، وضغطت على نفسها وراحتها حتى أصابها المرض مبكرا.

الأكثر قراءة