نكران الناصريين لجميل الاتحاد السوفييتي في حرب الاستنزاف

كان كثير من القادة والمؤرخين العسكريين المصريين وفي مقدمتهم اللواء عبد المنعم خليل يعتقدون أن الرئيس عبد الناصر هو الذي نجح في توريط السوفييت في إرسال الخبراء لمصر، بما يعني (بصريح العبارة التي لا يذكرونها) أن السوفييت لم يسعوا إلى هذا الوجود العسكري في مصر، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد نجح اللواء عبد المنعم خليل (معبرا بهذا عن معظم إن لم يكن جميع جيله من القادة) في أن يثبت أيضا مدي العنت الذي لقيه الرئيس انور السادات والقادة المصريون من السوفييت، وأن يقدر أكثر من هذا حنكة الرئيس السادات في التعامل مع السوفييت، وللحقيقة ومن باب إحقاق الحق فان اللواء عبد المنعم خليل كان من اكثر الذين اهتموا بتحليل واستقصاء تفاصيل العلاقات المصرية مع الاتحاد السوفيتي في مجال التعاون العسكري والقوات المسلحة والتسليح والآثار المتبادلة لهذا التعاون على السياسة المصرية تجاه الاتحاد السوفيتي.

  

نعود إلى موضوعنا بعبارة أخرى، وبمقاربة ثانية، فقد روي اللواء عبد المنعم خليل حديثاً مهماً للرئيس عبد الناصر عن الخبراء السوفييت صرح فيه ذلك الرئيس المهيب بأنه هو نفسه كان صاحب الفكرة لأنه يريد أن يقاتل ولابد للقتال من التعلم، كما يثبت اللواء عبد المنعم خليل في كتابه من قلب المعركة أن الرئيس عبد الناصر كان واعياً للمحاذير التي سوف تثور بسبب وجود الخبراء السوفييت وأنه كان واثقاً من أنه لن يمكن للسوفييت السيطرة عليناً ولكن لابد لنا من تقديرهم، وتقدير موقفهم، وحل مشكلاتنا معهم أولاً بأول، وقد نقل اللواء عبد المنعم خليل عن الرئيس عبد الناصر قوله: "كان الواضح من زيارة الرئيس السوفييتي أن مشكلتنا الأساسية هي الدفاع الجوي والطيران، واستراتيجية إسرائيل مبنية على أساس الاحتفاظ بالتفوق الجوي لعدم إمكانها الدخول في سباق لباقي الأسلحة الأخرى"،  "ويجب أن يكون المستشارون السوفييت مسئولين مسئولية مباشرة لأجل السمعة العسكرية السوفيتية وطلب من المستشارين المشاركة في تقدير الموقف الحالي، وتوضيح نقط الضعف وكيفية التغلب عليها، وإمكانية الاستمرار في حرب الاستنزاف ضد العدو، وإجراءات تقليل خسائر الاستنزاف المضاد والخروج بخطة واضحة للاستنزاف".

 

وكذلك استشهد اللواء عبد المنعم خليل بكلام الرئيس عبد الناصر نفسه وهو يبلور رؤيته الرئاسية للعلاقة مع المستشارين السوفييت وتنبيهه للقوات المسلحة المصرية بضرورة السيطرة عليهم: "إنها مهمة جداً ويجب تعبئتهم معنا بأي ثمن ونحن في أمس الحاجة، لقد أرسلوا أولادهم إلينا هنا ليموتوا ويجب تقديرهم تماماً.. نريد أن تكون العسكرية السوفيتية معنا دائماً.. أي مشاكل معهم يجب حلها أولاً بأول، ونحن في يدنا كل شيء.. ولن يسيطروا علينا أبداً.. وفكرة الخبراء هي فكرتي، وأنا صممت على هذا لأننا نريد أن نتعلم وأمامنا معارك كبيرة جداً وليس أمامنا إلا طريقان: أن نستسلم أو نقاتل".

  

  

من ناحية مبدئية فقد حرص اللواء عبد المنعم خليل كثيرا وبوضوح على تأكيد وجهة نظره القائلة بحرص الرئيس جمال عبد الناصر الشديد علي توريط السوفييت في معاونة مصر، وأن عبدالناصر كان يصدر في هذا عن فهم استراتيجي صائب لتوريط البيت الأبيض الأمريكي في حل المشكلة. ومع أن هذا الرأي قد يبدو صوابا وقد يكون حقيقياً، فإن الرئيس عبد الناصر نفسه فيما كان يتحدث به علنا لم يكن يراه أو على الأقل لم يكن يصرح به، إنما كان الرئيس عبدالناصر في أقصى ما يصرح به يقول بأننا لابد أن نقاتل، ولهذا استعنا بالسوفييت وإلا سوف نستسلم".

 

ثم يقول اللواء عبد المنعم خليل: "ولهذا كان وقع خبر وصول قوات الدفاع الجوي السوفيتي لحماية سماء مصر من غارات العمق شديداً على كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، التي كان أشد ما يزعجها أن ينجح الكرملين في تثبيت قدمه في الشرق الأوسط نتيجة هذا التدخل العسكري الضخم في الصراع الدائر فيه، ولهذا بادرت إلي تعديل سياستها إزاء مصر، ثم راحت تطرح المبادرات التي تحمل حلولاً وسطاً للمشكلة". "وبمجرد أن درأت قوات الدفاع الجوي السوفيتي خطر غارات العمق الإسرائيلية عن مصر، انكمش تفوق إسرائيل الجوي وفقد عنفوانه في نفس الوقت الذي برزت فيه احتمالات وقوع المصادمة مع الاتحاد السوفيتي بما قد يؤدي إلي حرب عالمية"، "وكان هذا الاحتمال أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلي طرح مبادرتها، بعد أن ضعف الموقف السياسي والعسكري الإسرائيلي وسبّب لها بعض الحرج".

 

في مقابل هذه الآراء شبه المتوازنة لقائد عسكري محترف بعيد عن الأيدولوجيات نجد الأستاذ هيكل وقد وضع في كتابه الانفجار فقرة مذهلة حافلة بالنقائص المعتادة في أحاديثه عن الموتى (وكان الاتحاد السوفييتي نفسه قد مات) كذلك فإن فقرة الأستاذ هيكل تبدو بوضوح مفعمة بالاستعلاء ومعبرة عن نكران الجميل، وأغلب الظن أن واحدا من الكتاب البرجوازيين القدامى الذين كان الأستاذ هيكل يستعين بهم فيما ينسب إليه من نصوص هو الذي كتبها للأستاذ هيكل فيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وأن الأستاذ هيكل بذائقته المحبة للادعاء البرجوازي أعجب بالفقرة على نحو ما هي.

 

وهذه هي الفقرة التي نسف بها الأستاذ هيكل كل ما أمكنه من جذور العلاقات السوفيتية ـ المصرية التي كانت أحد أركان فلسفة الرئيس عبد الناصر في الحكم والتنمية والرخاء، ولست ادري كيف يمكن لأي إنسان تقدمي أو يساري التوجه أن يصافح أو يسامح من كتب هذه الفقرة التي لا يمكن وصفها رغم جاذبيتها إلا بأنها بغيضة كريهة حاقدة، يقول الأستاذ هيكل: «كانت العلاقة بين مصر والاتحاد السوفييتي منذ اليوم الأول علاقة اضطرار وليست علاقة اختيار. فإن مصر لم تتجه إلى الاتحاد السوفييتي إلا بعد أن أصابها اليأس من الولايات المتحدة. ولم يكن ذلك مستغربا، فإن الفكر السياسي لمصر وبقية العالم العربي ومعظم العالم الثالث ـ كان أقرب إلى الغرب ثقافيا واجتماعيا على الأقل بحكم اللغة، فقد كان عدد الذين يعرفون اللغة الروسية ـ فضلا عن الآداب والفنون ـ أقل من القليل في مصر وغيرها، ولم يكن هناك من يعرف ما فيه الكفاية عن التركيبة الاجتماعية أو السياسية لهذا البلد الضخم ـ إحدى القوتين الأعظم ـ الذي أقبل متردداً على التعامل مع العالم الثالث وفي مقدمته مصر.

 

وكانت المعرفة السائدة عن الاتحاد السوفييتي في كل هذه البلدان انطباعية في معظمها إن لم تكن مسطحة: بلد شيوعي. حزب مسيطر. زعيم واحد فوق البلد والحزب. «ستالين» أو «خروتشوف» أو «بريجنيف» فيما بعد. أما البلد نفسه فهو مجهول كبير. وأما الحزب فهو سر مغلق. وأما الرجل الواحد فهو ديكتاتور قادر على كل شيء».



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة