الامتحانات المبكرة التي صقلت شخصية أنور السادات

مع الاعتقال أو الحرمان من الحرية في الأربعينيات اضطر الرئيس أنور السادات إلى الهرب.. وكان هروبه تجربة إنسانية عميقة جدًّا لأنه عاش مشاعر عميقة ولأنه عمل في وظائف كثيرة.. وظائف بسيطة.. ووظائف جيدة.. ووظائف مربحة.. ووظائف غير مربحة.. وثالثة تمسك رمق الحياة بالكاد.. ووظائف مريحة.. وحرف شاقة.. لكنه في النهاية ومن خلال هذه المغامرات الرهيبة استطاع أن يصقل كثيرًا من جوانب شخصيته.. وأن يجيد قدرات كبيرة على الارتجال والتمثيل والتنكر والتمويه والخداع وإظهار مواقف غير الني كان ينتويها.. وتقمص شخصيات غير حقيقية، واستطاع الرئيس أنور السادات أن يموه على السلطات (ولا نقول استطاع أن «يدوخ البوليس» على حسب التعبير المحبب إلى الجماهير) واستطاع أن يقدم صورة من صور البطل الشعبي أو البطل الشبابي الذي يستطيع أن يخرج من مأزق إلى مأزق.. أي أنه عاش ما يمكن أن يكون نواة لسيرة شعبية في القرن العشرين.

  

ولا شك أن تجربة الرئيس أنور السادات في تلك الفترة تمثل نوعًا من أنواع السير الشعبية فضلًا عن أن تكون تجربة متفردة لضابط شاب في الجيش أتيح له فيما بعد أن يصبح زعيما من زعماء الثورة.. بل أن يصبح رئيسا للجمهورية.. بل أن يصبح رجلا من القلائل الذين غيروا مجرى التاريخ الإنساني كله، وبهذا تفوقت سيرة حياة الرئيس أنور السادات الحقيقية على كل السير الشعبية التي حفظها التاريخ من خلال الفولكلور، وإن لم تحظ بما حظيت به السير القديمة لسبب بسيط ومعروف وهو أن عصر السير الشعبية انتهى حتى من قبل طغيان عهد سيطرة الإعلام والتلفزيون، ولا يمكن لنا أن نفهم الرئيس أنور السادات بوصفه رئيسًا وبوصفه قائدًا وبوصفه سياسيًا من دون أن نفهم ونتعمق هذين الجانبين من تكوين الرئيس أنور السادات.. العمل السري الناجح.. والعمل الفدائي الناجح.. وفي كلا الجانبين نجح الرئيس أنور السادات أو أحرز نجاحات لا شك فيها.

   

مما لا شك فيه أن كل عمل من الأعمال الشاقة التي عمل فيها الرئيس أنور السادات قد أفاده في تكوينه الإنساني والشخصي على نحو ما تؤثر المهن في ممارسيها
تجربة الرئيس أنور السادات في المقاولات

في فترة هروب الرئيس أنور السادات أتيح له أن يمارس المقاولات مع صديقه حسن عزت.. عمل الرئيس أنور السادات في المقاولات العمومية على حد التعبير المهني.. ومارسها ونجح إلى حد كبير لكنه لم يكن معنيا بدقائق الأمور.. شأنه في ذلك كشأنه فيما بعد ذلك في رئاسته للجمهورية حين كان معنيا بالخطوط العريضة فقط.. وكان لهذا الخلق فائدته إذ جعله ينتبه إلى أنه لو مضى في هذا السبيل فإنه لن يحقق حلمه، وصل الرئيس أنور السادات إلى هذا القرار مبكرا وآثر أن يترك مجال المقاولات برغم الخبرات التي اكتسبها فيه.. وبرغم قدراته التي كانت تؤهله لنجاحات مماثلة.. ونحن نعرف أن أي ضابط عسكري ممارس يتمتع بقدرات على الضبط والربط والإنجاز.. وبالتالي فإنه في ظروف مثل ظروف الرئيس أنور السادات الذي اضطر إلى البحث عن رزق وهو شاب صغير كانت المقاولات كفيلة بأن تقدم له مجالا للنجاح والإشباع المادي.. لكنه بعد تفكير وتأمل وجد أنه برغم قدراته على النجاح فإن هذا النجاح لا يصب في مصلحة الصورة المستقبلية التي كونها لنفسه.. فهو لم يكن يريد لنفسه أن يكون رجل أعمال.. ولم يكن يريد هذا النجاح المادي.

  

ولذلك انتبه الرئيس أنور السادات بسرعة إلى أن هذا ليس قدره، وقد انعكس هذا التفكير التحرري (!!) فيما بعد على مناصب الرئيس أنور السادات في عهد الثورة.. فلم يتول أبدًا منصبا تنفيذيا.. ولا وزارة من الوزارات.. ولا شركة من الشركات.. ولا أي شيء من هذا القبيل، وفي المقابل فإنه مرّ بكل المناصب السياسية على نحو لم يتح لغيره.. فقد كان رئيس مجلس الأمة.. وكان أمين الاتحاد القومي.. وكان مسئول الملفات السياسية في اليمن ومع العرب والأفارقة.. وكان أمين المؤتمر الإسلامي.. وكان رئيس منظمة التضامن.. وقد ظلت كل مسئولياته في هذا الإطار.. إطار سياسي وليس إطارا تنفيذيا.. ولم يُذكر للرئيس أنور السادات أنه كان معنيا بإنشاء مؤسسة من المؤسسات.. ولا بإعادة تنظيم مؤسسة من المؤسسات.. ولا بإنشاء شارع.. ولا بإنشاء مدرسة.. ولا بإنشاء مستشفى.. إلا في إطار تحقيقه لرغبات الجماهير حين تناديه لتحقيق هذه الرغبة.. ذلك أنه لم يكن معنيا بالنظام البيروقراطي.. ولا بتراتبية الأعمال.. ولا بمجال الأعمال كله.

    

الابتعاد عن مجال الاعمال التجارية

ونستطيع أن نكرر القول بأن أصداء هذه التجربة قد تركت أثرها في نفسية الرئيس أنور السادات مبكرًا عندما ابتعد بإرادته عن مجال الأعمال، على الرغم من أنه كان يستطيع أن ينجح فيه كما نجح زميله.. أو كان يستطيع أن يشارك زميله في النجاح.. ونحن نرى أنه في تصويره لخلافه مع حسن عزت وابتعاده عنه وعن مجالات الأعمال.. تصور أنه كان يستحق أكثر مما ينبغي في هذا الربح من الشركة مع حسن عزت.. ولذلك انصرف عن أن يأخذ نصيبه الذي حدده شريكه نهائيا.. لأنه لم يكن يفكر في الأمر بعقلية الخسارة والمكسب على هذا المستوى.. والواقع أنه كان على الدوام يعطي دوره حقه وأكثر من حقه. وكان من الذين يصدق عليهم القول بأنهم يعلون Overestimating من تقديرهم لجهدهم.

    

طموحه السياسي تغلب على تأثيرات المهن التي مارسها

ومما لا شك فيه أن كل عمل من الأعمال الشاقة التي عمل فيها الرئيس أنور السادات قد أفاده في تكوينه الإنساني والشخصي على نحو ما تؤثر المهن في ممارسيها.. لكن طموح الرئيس أنور السادات وتوجهاته السياسية كانت مسيطرة على هذه الآثار بحيث استبقت منها ما يفيد طموحه.. وما يفيد ممارسته للسياسة.. كأنما صيغت هذه الخبرات بطريقة مخزون معرفي إنساني يمكن استدعاؤه لخدمة السياسة عند الحاجة، كان بعض هذه الخبرات لحسن الحظ كفيلا بأن يضيف إلى صورة الرئيس أنور السادات بوصفه سياسيًا وبوصفه رجل دولة.. ومما نقصده بهذا «البعض» خبرة الرئيس أنور السادات في العمل في الصحافة على سبيل المثال.. وقد أتيح للرئيس أنور السادات العمل الصحفي.. أو العمل بالكتابة.. أو العمل بالرأي فيما بعد خروجه من اتهامه أو بعد اعتقاله في قضية أمين عثمان.. ومثل هذه الفترة ليست قيمتها في تمكنه من الكتابة.. أو في تعويده عليها.. أو فهمه للصحافة.. فكل هذا يأتي في المحل الثاني أو الثالث أو الرابع من الأهمية.

 

لكن الأهم من ذلك أنه تمكن من أن يدخل بسلاسة إلى عرين المطبخ الصحفي.. وأن يعرف الصحفيين وقادة الرأي.. ومن خلال معرفته بهم استطاع أن يعرف كلًا منهم.. مَنْ هو الوطني.. مَنْ هو المخلص.. مَنْ هو المتاجر.. مَنْ هو النفعي.. مَنْ هو الذي يعمل لمصلحة حزب معين.. أو لمصلحة طائفة معينة دون أن يعلن هذا.. ومن باب أولى فإنه يعمل لمصلحة دولة أخرى ويتباهى بأن يخدع قراءه بالهجوم على سياسات هذه الدولة وسبها علنًا.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة