رواية "يوم مشهود".. الكلمة والبندقية سواء

عِندما تمتَلِك الكلمة والحقّ، تكُن سيفًا قاطعًا لأوصال الباطل، حتى ولو خُيّل للعالم أنه في الأعلى؛ ستظلّ الكلمة غصّة يشعرون بمرارتها، ويرتعدون لسماعها، ويؤرّق نومهم ذكرها، وتحفر في مخيّلتهم لتُعرضَ عليهم بين الفينة والأخرى لتعاود الكرة في مرّها وألمها.

  

قبل انفكاك العضد عن الساعد، وخروج الروح من الجسد العربية، وبعثرة الشواهِد على الأمم المُتَطفِّلة، وضياع الهويّة وسط اللهاث خلف أذناب الحيوانات، وتربُّع الخنازير فوق عجلات القيادة، عِندما كانت الرحلة تمرّ على عواصّم العُرب، ويلتقي الأخوين بين الشام واليمن، ومن أقصى جنوب النهر إلى أقصى شمال البحر، عندما كانت الهويّة هي نقطة الالتقاء، والرّسالة هي مرجع الأحكام والقرارات، عندما كُنا مرابطين على ثغور الأحلام، تأكلنا الحمية على حفنة من ترابنا، وتراقُ دماؤنا وتغطّي أشلاؤنا قطعةَ أرضٍ صغيرة حاولوا أخذها عُنوة، عِندما كان لصوتِ السيفِ صدى، وللبُندقيّة بارودٍ حقيقيٍّ غير مزيَّفٍ.

    

"إن التاريخ يبقى شاهدًا على الذين أذنوا لكلمة التوحيد أن تنتشرَ في أصقاع الأرض"

  

يذهُب كلّ شيء، ويبقى التاريخُ شاهدًا على الأبطال، يدوّن أسماءهم بماء العين، ويرمي بالجبناء إلى مخلّفاته؛ فالجُبناء لا يسطَّرون، وإنما تسطَّرُ خيباتهم وخياناتهم، ويبقى شاهدًا على تلك الأوصال المبتورة، يكتُب قصّصهم كاملة، والخائنون لا يعيشون طويلًا، بل يمحى ذكرهم ويُنسَونَ إلى الأبد، وتبقى خياناتهم عبرَ الأزمان عِبَرًا لسيوف الحقّ، تسّل بها لتكون بالمرصادِ لكل محاولات الخيانة، "أين يعيش الموتى؟ في القبور. كلا العظام تعيش في القبور. في السّماء، كلا الأرواح تعيش  في السّماء. يتدلّون من تحت الأشجار؟ كلا: قطرات الندى هي التي تتدلّى. يذوبون في الهواء. كلا، السحاب يذوب هناك. فأين؟ في الكتب. الخالدون يستوطنون الكتب، الكتب التي لا تموت، أرأيت إلى هذا الكون الفسيح؛ كلّه في كتاب!!"

  

لقد كان شاهِدًا بالفعل على مئات المستوطنين، وعلى حافلاتهم، وعلى طرقِ الاغتصاب المتعددة التي مارسوها في حقّ أرضِ فلسطين الجميلة، لقد ركبَ ذات يومٍ حافلاتهم، ورأى أعينهم ترمقهُ وتتّسعُ دهشةً وخوفًا،
ما قبل البداية

بدأت القصّة عِندما كان "مشهور" طفلًا تشبّعت عيناه بمواقف البطولة، ورسمت الصحراء خرائط وجه، وشكّلت الحرب دواخله، وعزفت الشقراء سيمفونيتها على جدران قلبه، فأصبح الصبيّ المتعلّم، والشاعر المدجج، والجنديّ الباسِل، والمقاتل الشجاع، والقائد الفذّ. "بوصَلة لا تشير إلى فلسطين، ستكون بوصلة عميلة عمياء" هكذا عرَف البطل "مشهور" وهو يمتطي ظهر الشقراء، ويسابِق الريح على رمال الصحراء الشاهِقة، وهو يرسم النجمات في السماء، ويغني لها ألحانه الشجيّة، وهو ينظُر في أعين الراحلين، فيرى تراب الوطن يتشبّث بأوصالهم، ويغلي دم الحقّ في عروقهم، وتأبى دمعة الفراقِ أن تفرّ من أعينهم كي لا تمحي أثر الحرقة التي في نفوسهم، يتأمل عجبًا، ويتساءل ألمًا، وينتفض غيرةً، ويتسلل إلى القلوب العليلة بتفقدها ليلًا، ويرى ما أصابها من ضنٍّ يأكلها ويتشعَّب في أرواحها. يرى النفوس المهترئة، والأجساد البالية التي تركت أرواحها خلفها في أوطانها الممزّق.

  

"إنّ سرّ الصحراء يسري في دمي، وشغف الهُيام بها تحوّل وسواسًا منذ ذلك اليوم الذي سقط فيه رأسي على رمالها اللدنة، إنّ الصحراء ساحرة، لا يعرف سحرها إلا من أذن لها أن تنتزع قطعة من فؤاده، وعلى قدر ما تهب على قدر ما تأخذ"

  

هل لعبت الصحراء دورًا كبيرًا في تشكيل هيئة البطل، أم كانت سحرًا تشرّب طينته منذ أن وُلد على رمالها؟ وماذا عن غياهبها وكيف تاهت فيها قوافل وأبنية ومخلوقات عديدة، وحفظ هو جميع مخابئها وألغازها عن ظهر قلب! وهل أذن لها أن تنتزعه بالفعل لتأخذه إلى عالمها وتجعله ينتمي إليها إلى الحدّ الذي يفدي حبّة رملٍ منها بدمه وكلّه.

 

لماذا "يومٌ مشهودٌ" وليس شيئًا آخر؟

هل كان البطل شاهدًا على ما على ما جرى أمام عينيه، وما خطّه بيمينه، وما قطعه وراء الحقّ وأين يسير، أم كان شاهدًا على ما كان يُحاك خلف الأستار ويخفى عن الأعين، وتراه البصائر اليقِظة والضمائر الحيّة. إنّ أشرّ ما فعله الإنسان؛ أن يكون على مقربةٍ من الباطل، وأن يمتزج معه، وإن من أشدّ المصائب ألا يفرّق بينه وبين الحق، خاصّة إن كان هذا الحق برّاقًا يراه الداني والقاصي.

  

"إنّ معظمهم أطفال، كانوا يحلمون بفلسطين"

  

عِندما يجري الحقّ من المرء مجرى الدمّ، يجعله يمضي في طريق الصِعاب غير آبه لأخاديده المُخيفة، ولا أنيابه الحادّة

هل كان شاهِدًا على أولائك المهجّرون الذين كانوا في المنافي يعيشون في الخيام، يأكلون التّراب، ويشربون الطّين، ويقبضون بأصابعهم المرتجفة على مفاتيح بيوتهم، وينتظرون أن يعودوا إليها، الذين كانوا يومئذٍ أكثر شعوب الأرض رومانسية، ليس لشيء إلا لأنّهم كانوا يعتقدون أنّ الأنظمة ستُمرّغ أنفَ إسرائيل في التُراب، وكان أنفَ إسرائيل يكبر! هل لأنه كان شاهدًا على أنفَ إسرائيل قبل أن يكبُر؟

  

 

لقد كان شاهِدًا بالفعل على مئات المستوطنين، وعلى حافلاتهم، وعلى طرقِ الاغتصاب المتعددة التي مارسوها في حقّ أرضِ فلسطين الجميلة، لقد ركبَ ذات يومٍ حافلاتهم، ورأى أعينهم ترمقهُ وتتّسعُ دهشةً وخوفًا، وتنظُر إليه بعين الفزع تارة أخرى، وبعين الترقُّب أنه سيُصبح يومًا سيفًا يجول فوق رؤوسهم.

   

الحقّ والنِّباح!

في هذه الرواية، خرج العتوم عن النصّ المعهود عنه، وأخذنا إلى نقطةٍ فاصلة في تاريخنا الحديث. لقد وضع السفّود الملتهِبِ على الجرح الذي لم يلتئم، وحرّك دواخِلنا وأوقد فينا نار الحمية التي كانت على وشك أن تهمَد، وأخذنا إلى حيث يجب أن نكون واقفين هناك، ندافع ونقاتل وننتصِر، لقد قال أننا لابد أن ننتصر، ليس من وقتٍ لبديل آخر، وليس من بطل خارقٍ ينزل من السماء، ولن يكون ذلك.. لقد قال لنا أنّ الأبطال هم أناسًا مثلنا تمامًا، أو –ربما- هُم أقلّ منّا في العدة والعتاد، قد لا يمتلكون ما نمتلكه نحن، ولكن يمتلكون شيئًا أثمن وأوفى من كل ما نمتلكه نحن الآن؛ كانوا يمتلكون قوّة النفوس الطموحة، وسواعِد التغيير الأبيّة، التي كانت تحمل سيفَ الحقّ بتّارًا لكل عدوّ محتلّ أو متآمرٍ غاصِب.

  

عِندما يجري الحقّ من المرء مجرى الدمّ، يجعله يمضي في طريق الصِعاب غير آبه لأخاديده المُخيفة، ولا أنيابه الحادّة. "أنا هنا.. ما زلت واقفًا على حد السيف أقول للتاريخ كلمتي، وأنقل للأجيال هذه الروح النّضالية".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة