صبري نخنوخ وشعبان عبد الرحيم دلالات في عصر القوة

في مشهد عبثي لا تراه الأعين إلا في دولة اللا شيء، ينتفض عدد من رموز الدولة وقامتها لاستقبال صبري نخنوخ المدان في قضايا بلطجة والمحكوم عليه بأحكام تصل إلى ثلاثة عقود، وذلك خلال تأديته واجب العزاء في المطرب الراحل شعبان عبد الرحيم، في حين هم أنفسهم يخرجون علينا عبر الفضائيات ليصفون باسم عودة وأمثاله بالإرهابيين.

 

وبعيدا عن آيات الشكر الممزوجة بالانبهار للرجل الذي ترك عزوته وقومه وذهب لتأدية العزاء، دخل "الزعيم" وسط جيش جرار من الحراس مفتولي العضلات، مصافحا أصحاب العزاء ليهب نقيب الموسيقيين هاني شاكر من مكانه ويمد يده لينال شرف مصافحة الرجل الذي صافحه بشيء من البرود.

 

دلالة تلك الواقعة تعبر عن مدى الأزمة التي تعيشها مصر عقب الإطاحة بالنظام الشرعي في 2013، ففي حكم الشعب كان صبري نخنوخ واقع تحت طائلة القانون، فقد كان مدان، فلا ننسى مداهمة قوات الأمن لفيلته في منطقة الكينج ماريوط في الإسكندرية في أغسطس 2012، وكان بصحبته عدد كبير من الخارجين عن القانون، وبحوزتهم كمية من الأسلحة تكفي لشن حرب كبرى، وتمكنت القوات من السيطرة عليه وعلى رجاله وقبضت عليهم جميعا وقدمته هو وعصابته للمحاكمة التي حكمت عليه بالسجن 25 عاما في اتهامات بحيازة أسلحة وحيوانات مفترسة، وذلك بعد مداولات ودرجات تقاضي شهدتها محكمة جنايات الإسكندرية، وكل ذلك مدفوعا بضغط شعبي لرجل مثل خطرا على شعب مصر.

 

وقضت المحكمة بعد ذلك بحبسه ثلاثة سنوات أخرى فى قضية تعاطي مخدرات، ففي العصر التي كانت فيه القوة للشعب كان ذلك الرجل مجرد خارج عن القانون ولم تحقق العدالة إلا في سنوات الثورة وما بعدها، وبعد أن ولت تلك الأيام على يد حفنة من العسكر، أصدر رئيس الجمهورية عفوا رئاسيا عن صبري نخنوخ، في يوم انتصر فيه هرم السلطة لسيادة البلطجة وقضى على دولة القانون، ففي الوقت الذي يقبع فيه آلاف الأبرياء داخل سجون مصر المنتشرة في ربوعها، وتزامنا مع آخرين يموتون داخل الزنازين بأمراض مستعصية بعد منعهم من العلاج، امتنع الرئيس أن يصدر عفوا على هؤلاء ومنح عفوه لمتهم مدان في قضايا بلطجة وترويع آمنين.

   

  

المستشار جميل سعيد، محامي صبري نخنوخ، أقر أن العفو الرئاسي الصادر في 16 مايو 2018 من الرئيس عبد الفتاح السيسي، شمل موكله من بين 331 من المحكوم عليهم، وبهذه يعلم الجميع أن صبري نخنوخ لم يكن وحده في العفو بل كان معه مئات لم يكن بينهم شخص رفع لافتة تقول "يسقط حكم العسكر"، فهذه الجرائم لا يتسامح فيها الرئيس بل الطريق ممهدا أمام صاحبها إلى حبل المشنقة.

 

مشهد "الزعيم" صبري نخنوخ وهو يقتحم العزاء برجاله وهيلامنه وقوته المرسومة على جسده مفتول العضلات، تذكرنا بمشاهد سينما الستينيات حيث يقتحم الفتوة المناسبات في الحارة القديمة وخلفه رجاله ليكسب نفسه زخما شعبيا، ويقول لأعدائه في الحارات الأخرى أنا هنا الجميع يحسب لي ألف الحساب، والملفت في ذلك المشهد البائس اهتمام رموز الدولة من نجوم الفن والغناء بذلك الرجل، لا سيما وأن وجوده تلازم مع وجود عمرو موسى وما أداراك ما عمرو موسى، فالرجلين قائدين كلا في مجاله، ولكن المساوة بينهم مجحفة، بالرغم من دعمهما دولة اللاشئ ،ولذلك كانت الأضواء جميعها على صبري نخنوخ وخفت بريق الدبلوماسي المخضرم أمام الحضور.

 

لم يعد بعيدا عنا أن نرى صبري نخنوخ مترشحا لانتخابات مجلس الشعب المقبلة، على رأس قائمة تضم "شرفاء المواطنين" الذين تستعين بهم الدولة في مواجهتنا

لن أتعرض في حديثي لشخص شعبان عبد الرحيم الذي أطرب ملايين من محبيه، ولن أذكر مواقفه من الثورة والثوار، ودعمه للنظام ورجاله، لأني أراه لم يكن مدركا لطبيعة الأمور، وعقله لم يعينه على فهم الحقيقة، وبهذا الوصف أنا لا أقلل من شأنه ومستواه التعليمي، بل هي مسألة قدرات منحها الله البعض دون البعض، وهناك من أساتذة وعلماء وأكاديميون لم تعينهم عقولهم على فهم الحقيقة وأيدوا النظام بجهل أو بكبر، شعبان عبد الرحيم كان نموذجا للرجل البسيط الذي دعا الله فاستجاب دعائه، وطلب الشهرة والمال فمنحه الله إياهما، إن كنت من محبيه أو من كارهيه، لن تستطيع أن تنفي أنه صنع نوعا جديدا من الغناء، انضم فيما بعد إلى الفن المصري، وسواء وافقت أو رفضت هو مطرب له شعبية، ولكنه لم يكن أبداً سياسيا أو يفقه في أمور العامة، إذ أن مواقفه السياسية كانت تيسيرا لطريقه في مجال الفن، لا سيما تصريحاته المتتالية عن المسؤولين التي تثبت وجهة النظر تلك.

 

وبالعودة إلى نخنوخ ودخوله الدراماتيكي إلى العزاء، نؤكد أن تلك الشخصية تمثل مصر في الوقت الراهن، تمثل جميع مناحي الحياة بدءا من قمة الهرم وحتى قاعدته، فبعد أن أطلقت عليه الصحافة سابقا "أسطورة البلطجة" لقبته حاليا برجل الأعمال، بل إن بعض جمعيات المجتمع المدني منحته درع الشرف، فهو ضمن متطلبات المرحلة وإلا لماذا خرج إلينا من جديد بعفو رئاسي؟ الرجل يعد واحد من رجال الدولة، واحدا من هؤلاء الأثرياء الذين امتدت ثروته وسطوته من الإسكندرية إلى القاهرة والجيزة، فمنذ ذاع سيطه في عام 2000، ومرورا باتهامه بالمشاركة في تخريب المنشآت واقتحام السجون خلال ثورة 25 يناير لنشر الذعر، ضمن محاولات ببقاء حسني مبارك ورجاله في السلطة، وهو يؤدي دورا مرسوما له، باستثناء محاكمته التي جاءت في غفلة من النظام سرعان ما استفاق منها.

 

نخنوخ جمع مبالغ طائلة عبر فرض الإتاوات على أصحاب المحلات وسائقي الميكروباص، فهو يحكم شبكة من الخارجين عن القانون تتوزع أعمالها على نشاطات عديدة، بخلاف حمايته مصالح النظام وقت الحاجة وهذا هو الأهم، هذا الذي أنقذه من الموت خلف جدران زنزانة باردة في أحد السجون، وهذا خطر الشرعية التي لا تستمد قوتها إلا من المواطنين ولم تكن في حاجة إلى مثل هذه النماذج لتثبيت أركانها، بل كانت ستخلص مصر من أمثاله، لم يعد بعيدا عنا أن نرى صبري نخنوخ مترشحا لانتخابات مجلس الشعب المقبلة، على رأس قائمة تضم "شرفاء المواطنين" الذين تستعين بهم الدولة في مواجهتنا، ولما لا فهو كبيرهم الذي يعلمهم الشرف، وربما يتم تغيير القانون لمحو سوابقه الإجرامية، ليتمكن من دخول البرلمان، فالرجل ذو نفوذ ومال يمكنه من فعل المستحيل، كما أن حضوره الجماهيري، وآخره في عزاء الراحل شعبان عبد الرحيم، ربما يدفع النظام للاستجابة، ولم لا؟



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة