تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

إن حيوية المجتمعات الحديثة وانفتاحها الإعلامي الإتصالي في إطار البيئة المُعَوْلَمَةِ، فرضت على النظم السياسية الحديثة شروطا أساسية لاستمرارية فعاليتها وارتقائها إلى مطامح الشعوب المعاصرة وآفاقها المستقبلية، في ظل تغير نمطية المجتمعات وأذواقها وسلوكاتها وتنامي مستوى الوعي بسرعة كبيرة، الأمر الذي يتطلب تغييرا في الذهنيات القيادية والأطر التقليدية المتقادمة للحكم التي أصبحت تشكل عَقَبَةً كَأْدَاءَ في طريق التنمية والتطوير والبناء، وقدرة النظام السياسي على الاستجابة لتطلعات الجماهير التَوَّاقَةِ إلى الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وارتقاء المستوى المعيشي وتحديث أساليب الحياة العصرية في الإدارة والاقتصاد والخدمات والتعليم وفق فلسفة الجودة الشاملة والتحسين المستمر.

فتطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية وتقدمها الباهر في مجال التعليم والتكنولوجيات والصناعة الرقمية، وهي معطيات ساهمت في تعزيز مستوى الوعي الجماهيري والتنشئة السياسية وتنمية الإدراك والذكاء الجمعي، وشكلت في حد ذاتها تحديات وجودية للأنظمة الجامدة أو التسلطية التي تفتقد لعامل الفعالية والكفاءة والشرعية، مما يجعلها متسببة في الاحتقان الاجتماعي والكبت النفسي للأفراد الذي سيتعاظم مع تراكم الإخفاقات والسياسات الفاشلة وعدم فعاليتها في حل مشاكل المواطنين اليومية، ناهيك عن تمكينهم من تحقيق طموحاتهم المستقبلية، مما سيؤدي إلى الانفجار المجتمعي ويؤسس لمسار الثورة بكافة تبعاتها ورهاناتها ومجاهيلها الغامضة.

عدم فعالية النظام السياسي ستؤدي حتما إلى توليده للأزمات دوريا، فكل ما نراه من مظاهر اللافعالية ما هي إلا منتجات رديئة وانعكاسات طبيعية لآلية عمل النظام المُهتَلِك بُنيويّا والمُفلِس وظيفيّا

إن النظام السياسي يرتبط أساسا بمفهوم "السلطة السياسية Political authority" التي يضمنها الدستور ويمارسها رئيس الدولة أو الوزراء عن طريقة مؤسسات قانونية وشرعية على أساس التوازن بين كافة السلطات الثلاث، وبناء على قول مونتيسكيو "السلطة توقف السلطة" فإن تجميع كافة السلطات في يد الحاكم يعتبر من أخص علل فساد النظم السياسية التي تؤدي إلى التسلط وعدم فعالية الأداء السياسي للنظام، لأن: "السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة"، والاستئثار بالسلطة مدعاة إلى الإنفراد بالقرار ونشوء فكرة "الزعماتية" و"الغرور السلطوي" الذي يدفع بالرئيس إلى تعديل الدستور لتأبيد حكمه وتعطيل مبدأ التداول السلمي على السلطة إما بتعطيل آلية الإنتخاب أو تمييع المنافسة السياسية. فمبدأ التداول على السلطة هو سبب حيوية النظام وتجدد دمائه، وهو أداة المحاسبة السياسية للمسؤولين الفاشلين ويُطْلِعُ المجتمع على أفكارٍ وسياسياتٍ جديدة ويسهم في تقييم السياسات السابقة ومدى نجاعتها، وعليه فإن توزيع السلطات بشكل عادل ومتوازن بين كافة المؤسسات كفيل بضمان بقاء الأجود واستمرارية النظام السياسي وتطوره طرديا مع الزمن.

أما النظام السياسي الذي لا يقبل الانتقاد ليصحح اختلالاته الوظيفية فسيصاب حتما بالغرور والاستبداد، وتضخم "الأنا السلطوي" وهي مقدمة مَرَضِيّة لحصول الانسداد السياسي وفَقْدِ الفعالية اللازمة للتجاوب مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، مما يفضي عاجلا أم آجلا إلى خسران النظام لشرعية وجوده وتعطل آلياته ومؤسساته بفعل العجز السياسي. ولو أردنا أن نفهم حقيقة العطب البنيوي والوظيفي للأنظمة السياسية الإستبدادية والتسلطية، وكلفتها الباهضة على مستقبل الشعوب والأجيال القادمة، خاصة في دولنا العربية التي رزحت -ولا يزال بعضها- تحت نَيْرِ الاستبداد، فيكفي فقط أن نعلم أننا في محيطنا العربي نقع ضمن أغنى رقعة جغرافية على ظهر الأرض، تَجَمّعَ فيها ما افترق عند غيرها من خيرات وثروات، إضافة إلى أننا نمتلك في مجتمعاتنا:

1- أطباء جيدين وحُذَّاقاً، لكننا نفتقد لمنظومة صحية سليمة، لذا فأطباؤنا يهاجرون.
2- نمتلك معلمين وأساتذة أكفاء ومهرة، لكننا نفتقد لمنظومة تربوية وجامعية ذات جودة عالية.
3- نمتلك مهندسين بارعين، لكننا نفتقد لمنظومة معمارية متميزة وراقية وذات أبعاد حضارية.
4- نمتلك قضاة ومحامين وفقهاء متميزين، لكننا نفتقد لمنظومة قضائية مستقلة وسيدة وعادلة ولسلطة قضائية مستقلة.
5- نمتلك أحزابا وانتخابات ومنظمات للمجتمع المدني، لكننا نفتقد لمنظومة سياسية تنافسية وآليات حقيقية للتداول على السلطة.
6- نمتلك أدوات وأشكالا ديمقراطية، لكننا نفتقد لمنظومة ديمقراطية تشاركية ومؤسسات فعالة وتنافسية سياسية وفَصْلًا حقيقيا بين السلطات.

7- نمتلك ثروات وأموال ومقومات اقتصادية عظيمة، لكننا نفتقد لاستراتيجية رشيدة وسياسات عبقرية تؤسس لمنظومة اقتصادية قوية ومنتجة للثروة خارج إطار الريع.
8- نمتلك قنوات إعلامية كثيرة وصحف ومجلات وجرائد، لكننا نفتقد للحرية الإعلامية والمصداقية والشفافية في كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤول.
9- نمتلك خصائص ومزايا سياحية متفردة، لكننا نفتقد لمنظومة سياحية قادرة على التنافس والاستقطاب ورِفَادَةِ الاقتصاد الوطني.
10- نمتلك قوة وغالبية شبابية حيوية وذكية، لكننا نفتقد لمنظومة مجتمعية هادفة ولمشاريع استثمارية لتحويل هذا الرأس المال الاستراتيجي إلى قوة اقتصادية واجتماعية.
11- نمتلك ذكاء وأفكارا وعبقرية، لكننا نفتقد لسياسات فعالة لاستثمار رأس المال المعرفي والفكري في التنمية المستدامة والنهضة الحضارية.
12- نمتلك عددا كبيرا من المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات والشركات والقنوات الإعلامية والمحاكم والأحزاب، ولكن: لدينا الانحراف والجرائم والأمراض والجهل والركود والاحتكار والظلم والتسلط والتزوير بأعداد أكبر!

ووسط هذه البيئة المتخمة بمناخ الرداءة واللافعالية تَفِرّ غالبية الكفاءات المتميزة للمجتمعات العربية نحو البلدان المتطورة الحريصة على تثمين المهارات وتنمية الموارد البشرية واستقطاب العبقريات الفذة من أصقاع المعمورة، لأن عدم فعالية النظام السياسي ستؤدي حتما إلى توليده للأزمات دوريا، فكل ما نراه من مظاهر اللافعالية ما هي إلا منتجات رديئة وانعكاسات طبيعية لآلية عمل النظام المُهتَلِك بُنيويّا والمُفلِس وظيفيّا، والمُوغِل في الشعبويات الجوفاء والوعود الرعناء التي لا تَنْكأُ جُرحا ولا ترفع ضُرا، وهذا ما نعاينه في مستوى المنظومة التعليمية والجامعية والصحية والثقافية والحزبية والسياسية والإعلامية للدول العربية، التي هي نتاج السياسات العامة للنظم السياسية العَصِيُّة على التطوير والإصلاح، فكفاءاتنا وشبابنا هم من يساهمون في البناء التنموي للأمم المتطورة التي هاجروا إليها فجعلت منهم رأس مالها الإستراتيجي، في حين اعتبرتهم نظمهم عبئا وحِمْلًا ثقيلا، لأن الإنسان لا يمثل بالنسبة لها أيُّ قيمة حضارية!

فالنظام السياسي الفاقد للشرعية والفعالية سيكون أداؤه ومنتوجُه مُشَوَّهًا ولو كان يمتلك ثروات وقيما فكرية وموارد بشرية ومعرفية، لأن عطبه بنيويٌّ وليس شكليّا، والعمل على تغييره بصفة سلمية يتطلب انتهاج مسلك الإصلاح المرحلي الذاتي (من داخل النظام) والإرادي (أي بالمبادرة دون ضغط خارجي أو ثورة داخلية) وهذا يستلزم تغيير أسس الحكم المتقادمة ومرجعياته وأدواته المتهالكة وشخصياته الوظيفية، والعمل على توطين دعائم وقيم الحكم الراشد، بعد الإقتناع الفعلي بأن تكلفة البقاء ضمن النظام التسلطي ستكون أشد وأخطر على النخب الحاكمة والشعوب من تكلفة التحول نحو نظام سياسي فعال ومرن، يتمتع بالجودة والكفاءة والتنافسية والمشروعية السياسية والشرعية القانونية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

غياب الوعي السياسي العميق لدى فئات كبيرة من الشعوب العربية وانخفاض نسب التعليم وهو عامل ساهم في تكلس العقول واستعداؤها للفكرة والمنطق والانكفاء على الذات وعجز الإرادة وإصابتها بالوهن النفسي.

الأكثر قراءة