إرهاب الدولة ودولة الإرهاب

تعود جذور مصطلح "الإرهاب" إلى عمليات اغتيال «الملك» أو «الطاغية» بدواع مختلفة؛ الجور، الخيانة، الفساد، الكفر، وغيرها. لم تقتصر هذ العمليات على حضارة بعينها. وربما كان نابليون بونابرت من رواد استخدام مصطلح الإرهاب حين وصف به من زرعوا في طريقه (شارع سانت نيكيز بباريس)، في 24 ديسمبر 1800، عربة مفخخة أخطأت هدفها. وظهر المصطلح في معجم الأكاديمية الفرنسية واصفا نظاما سياسيا يستعمل الترهيب أداة لفرض سلطته.

 

منذ العام 1814 وعلى مدار قرن، اجتاحت اغتيالات «الملك» الغرب، ولم تعد واحدتها محاولة اغتيال معزولة، بل سلسلة عمليات تستهدف، مع «الملك»، رموز نظامه وزمرته. امتد العنف السياسي في فرنسا (1880-1890) ليطال الطبقات الاجتماعية المهيمنة (البرجوازية)، ومواقع السلطة، لتضاف إلى دوافع الإرهاب السياسية والاجتماعية، بعد العام 1914، دوافع قومية ودينية وطائفية.

 

مثّل استخدام الولايات المتحدة الأميركية القنبلة الذرية ضد اليابان العام 1945، إعلانا أميركيا بالعزم على التحكم في المستقبل الاستراتيجي، والسياسي، والعسكري، لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، واتُهمت أميركا بأنها تصوغ تاريخا جديدا لـ«إرهاب الدولة» إلا أن الحديث عن هذا النوع من الإرهاب تراجع مع هيمنة التوافق الدولي بتأسيس منظمة الأمم المتحدة، لتعتبر حادثة استخدام السلاح الذري أميركيا استثناء يصعب تكراره في ظل القوانين الدولية الجديدة. وقد صدر عن الأمم المتحدة عديد من القرارات أدانت كافة الأعمال الإرهابية، بما فيها الأعمال، التي تتورط الدول في ارتكابها، بشكل مباشر، أو غير مباشر، مشيّعة العنف، والإرهاب الذي يهدد السلم، والأمن الدوليين، ويعرضهما للخطر.

  

أصبحت ظاهرة الإرهاب بديلا للحروب التقليدية، استفادت من التقدم العلمي، وثورة الاتصال، والإعلام، لتنتقل من المحلية إلى العالمية، وتصبح قوة فعالة في الصراع السياسي

كان الإرهاب في كثير من الأحيان سلاحا بيد المستضعفين ضد الأقوياء، والمستعمَرين ضد المستعمِرين، وتم استثماره خلطا بينه وبين حق الشعوب المقهورة في المقاومة والتحرير، ليبقى مصطلحا فضفاضا يوظف تبعا للمصالح السياسية لا على أرضية حقوقية وأخلاقية. أما بالنسبة لإرهاب الدولة، ورغم الإقرار بعدم شرعيته، لا يزال المجتمع الدولي يتراخى حياله، فمعظم مرتكبي هذا النوع من الإرهاب من الدول النافذة، أو التي تقف وراءها دول نافذة، ذات الهيمنة والتأثير على المنظمات الإقليمية، والعالمية، مما يحول دون اتخاذ موقف دولي يجرّم الإرهاب المنظم التي تمارسه الدول، نظرا لأنه الأخطر بسبب الإمكانيات التي تتوفر للدول وتفوق بكثير إمكانيات الأفراد، والمنظمات الإرهابية. بل أصبحت محاربة الإرهاب ذريعة لممارسة إرهاب الدولة، لتحقيق أجندة سياسة خاصة، والتدخل في شؤون الدول التي تتهم بأنها ضالعة بشكل مباشر، أو غير مباشر، في نشأة الإرهاب وتوسّعه.

 

مع انطلاق القرن الحادي والعشرين، فقد العالم مزيدا من توازنه الاستراتيجي مع استمرار الولايات المتحدة الأميركية قطبا سياسيا اقتصاديا وحيدا، وأدت هجمات 11 سبتمبر الإرهابية إلى تزايد حدة النزعة الأحادية في العلاقات الدولية، وأثرت على طريقة معالجة المشكلات المطروحة نحو مزيد من خرق مبادئ القانون الدولي بما فيها: مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حق تقرير المصير، حق التنقل والسفر، وغيرها من المبادئ، والحقوق. التدخل والتأثير على قرارات هيئة الأمم المتحدة، وبقية المنظمات الدولية، إلى جانب انتهاك كافة المعاهدات، والاتفاقيات، التي تنادي بحقوق الإنسان، بقاء الإسلاموفوبيا طريقة عمل (ميكانيزما) للسياسة الدولية، والإرهاب الإسلامي نموذجا إدراكيا (باراديما) لقراءة الأحداث، جميعها، عطّلت معالجة مشكلة الإرهاب، وغضّت النظر عن إرهاب الدولة.

 

أصبحت ظاهرة الإرهاب بديلا للحروب التقليدية، استفادت من التقدم العلمي، وثورة الاتصال، والإعلام، لتنتقل من المحلية إلى العالمية، وتصبح قوة فعالة في الصراع السياسي، توظفها استراتيجيا دول في إدارة علاقاتها إما مع مواطنيها؛ عبر عنف منظم تقوم بها أجهزة الدولة وسلطاتها، يبرره القانون المحلي، وتشرّعه الحكومة، أو مع الدول الأخرى؛ إضعافا لها عبر تحريك الجماعات والميليشيات الإرهابية خارج حدودها. وعلى خلاف الإدارة الأميركية الحالية التي لا ترى في إرهاب الدولة، الذي تكرّس بعد انطلاق الانتفاضات العربية في دولة الإرهاب العربية، ما يتعارض ومصالحها، توجهت الإدارة السابقة للانسحاب من المنطقة العربية، وضمان الاستقرار فيها من خلال إحداث تعددية سياسية، يشارك فيها الإسلام السياسي بوصفه حائط صد في وجه التطرف السلفي.

 

الدول العربية الاستبدادية (بما فيها تلك التي جمعها مع الإسلاموين، تاريخيا، تحالف تقليدي، قبل الانقلاب عليهم) عارضت هذا التوجه، ورأت في الديمقراطية خطرا يهدد عروشها، بل دعمت التوجهات السلفية، والسلفية الجهادية، والثورة المضادة، على حساب حركات الإسلام السياسي، فوقعت المجتمعات بين مطرقة إرهاب الدولة وسندان الإرهاب السلفي الجهادي، أي بين القتل بغرض احتكار السلطة، والقتل بغرض احتكار المجتمع وتطويعه أيديولوجيا.

 

تستلزم أي حرب على الإرهاب، المنطلق من الشرق الأوسط، عدم مهادنة السلطة المستبدة، ودفع الدول الكبرى، والإقليمية، باتجاه التحول الديمقراطي

من جهة، جرى تواطؤ بين إرهاب الدولة ما بعد الاستعمارية (ما بعد الكولونيالية) مع دولة الإرهاب العربية. من جهة أخرى، استغلت دولة الإرهاب العربية عنف الجماعات الراديكالية، بتواطؤ مقصود وغير مقصود، لتدعيم قبضتها القمعية، وتبرير شرعيتها، وكانت هذه الإجراءات السلطوية بيئة مناسبة لتصاعد شعبية تلك الجماعات، بعد أن فرّغ قمع المعارضة المدنية عبر العنف، المجتمع من القيادات المدنية المؤمنة بالشرعية الدستورية، لتهدر على يد السلفية الجهادية. إنه استبداد/ إرهاب، يتغذى باستبداد/ إرهاب، ويغذّيه.

  

وقد برهنت أحداث الربيع العربي سقوط الرهان على سياسة غضّ النظر عن الممارسات القمعية للأنظمة العربية، أو التعايش معها مرحليا بحجة مواجهة خطر مؤقّت أكثر دموية يتمثل في السلفية الجهادية، التي روّجت له أجهزة الدولة العربية، الأمنية والإعلامية، وتساوقت معها أحزاب بتوجهات مختلفة، لاسيما يسارية، فقدت شعبيتها فتحصنت بالسلطة بدل معارضتها. تكشّف الوجه الحقيقي لهذه الأجهزة بوصفها تتبع دولة إرهاب، قتلت وشرّدت أكثر بكثير مما فعلت السلفية الجهادية، ففي سيناء (على سبيل المثال لا الحصر) تكشّفت ممارسات القوات المسلحة المصرية، وتأكدت صحة الروايات المتداولة عن قيامها بارتكاب تجاوزاتٍ فادحة، وانتقامية، في حربها على الإرهاب في سيناء، وصلت حدّ القتل العشوائي خارج إطار القانون.

 

تمارس دولة الإرهاب الاستعمال غير الشرعي للقوة عنفا منظما متصلا بقصد خلق حالة من الرعب، والتهديد العام، موجّها ضد مواطنيها، على أساس التمييز السياسي، أو الاجتماعي، أو العرقي، أو الديني، أو الثقافي، أو بحق المواطنين في أراضٍ قامت باحتلالها أو ضمّها، لتحقيق أهداف سياسية. ويتأكد أكثر أن دولة الإرهاب باتت سببا للإرهاب الدولي، يسقط معه وهم كون العنف المنظّم من قبل هذه الدولة إجراء ضروريا لمكافحته.

 

تستلزم أي حرب على الإرهاب، المنطلق من الشرق الأوسط، عدم مهادنة السلطة المستبدة، ودفع الدول الكبرى، والإقليمية، باتجاه التحول الديمقراطي. بغير ذلك، لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي، ولا عن أمن وسلم عالميين، ولا حتى عن ضمانات لمصالح تلك الدول. فأي حل لقضايا العنف في المنطقة لا يتّم دون منح الشعوب حق تقرير مصيرها، واختيار حكامها ديمقراطيا، في مسار انتقالي سلمي، وفق أجندة وطنية، بدل فرض أجندات انطلاقا من مصالح قابعة خلف حدودها الجيوسياسية، وعلى تخومها.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

رواية جهاد ناعم، أحد أهمّ السيالات السردية الضابطة في تسريد القضايا الاجتماعية الشائكة، كونها أفرزت واقعا روائيا تجاوز مداه الورقي وعرج نحو استهداف الإنسان في أبعاده المتعددة النفسية والوجدانية والروحية.

الأكثر قراءة