أربعة أخطاء طريفة في كتابة التاريخ المصري الحديث

أول هذه الأخطاء يتعلق بذلك الرجل الذي عرف على أنه أشرس وأقسى ممثل للسياسة البريطانية في مصر في عهد الاحتلال سنة (1882) وهو لورد كرومر ١٨٤١- ١٩١٧، ونحن نعرف أنه لا يذكر في الغالب إلا بأنه اللورد كرومر، وهذا خطأ صعب، والسبب في هذا الخطأ هو تصوّر أن كرومر هو اسمه بينما هذا هو جزء من لقبه، أي أنه مثل لقب الأمير تشارلز ولي العهد: أمير ويلز، وكما أنه لا يجوز أن نقول عن الأمير تشارلز إنه الأمير ويلز ويُصبح هذا خطأ شنيعاً بينما أن أمير ويلز صواب فكذلك الحال مع لورد كرومر حيث يُصبح من الخطأ الشنيع أن يُسمّى باللورد كرومر، ومع هذا فإن هذا الخطأ هو الشائع في 95% من الحالات التي يأتي ذكر لورد كرومر فيها، ذلك أن أصحاب الخطأ يتصورون أن اللورد اسمه كرومر فيتعاملون مع الكلمتين على أنهما بدل ومبدل منه، أما أصحاب الصواب فيعرفون أن لورد مضاف وكرومر مضاف إليه، ونحن نعرف أن اللغة الإنجليزية تضع( (of بين المضاف والمضاف إليه. , من الطريف أن هذا الخطأ يأتي بصورة أقل في حالة السير مايلز لامبسون الذي هو لورد كيلرن ذلك أنه قضى فترة طويلة في مصر معروفا باسمه الأصلي مايلز لامبسون، وهكذا تأتي معظم الروايات عنه مقترنة باسمه عند حدوث الوقائع.

 

الخطأ الثاني هو كتابة لقب "الخديو" بالياء في نهاية الكلمة، وهو ما لا يجوز إلا في حالات النسبة إلى الخديو كأن نقول الأمر الخديوي أو التوجه الخديوي، أما أن نقول الخديو إسماعيل أو الخديو توفيق أو الخديو عباس حلمي فإنه هذا لا يجوز بالياء، ومع أن المُصححين القدامى كانوا جميعا يعرفون هذه القاعدة، والقاعدة السابقة، فإن كثيراً جدا من المصححين المعاصرين لا يعرفونها، بل إن كثيرا من المختصين يتعجبون إذا صححت لهم من مراجع أو أستاذ وظنوا أن هذا المُصحّح أخطأ.

  

باعتبار أن الوفد كان يخوض الانتخابات الحزبية ويفوز بالأغلبية، فإن الكتابة عنه تستسهل أن نقول: فاز حزب الوفد، أو اشترك فيها حزب الوفد، وهذا من باب الخطأ الظاهر لأن الوفد نفسه لم يكن يُسمي نفسه حزباً

الخطأ الثالث يتعلق بالحديث عن الوزارات المصرية، فكثير منا يلجأ إلى القول بوزارة عاطف صدقي ووزارة ممدوح سالم ووزارة مصطفى خليل نقصد بهذا تشكيل الوزارة نفسها بما فيها رئيس وزراء، وهذا صواب تماما، لكن الخطأ الذي يتبادل الوجود مع هذا الصواب هو الحديث عن الوزارة باسم الحكومة حيث يقول المخطئ: حكومة عاطف صدقي وحكومة ممدوح سالم وحكومة مصطفى خليل والسبب في القول الصريح بأن هذا خطأ رغم استسهاله (بل الحاجة إليه) في بعض الأحيان هو أن معنى ومدلول لفظ "الحكومة" أعم بكثير من لفظ الوزارة، إذ يشمل مع الوزارة كثيرا من مقومات الحياة السياسية والتنفيذية في الوطن، أي أن الوزارة بكامل تشكيلها ليست الحكومة، وإنما هي جزء من الحكومة فحسب. ومع هذا فإن للذين يُخطئون هذا الخطأ مبرر فهم يريدون أن يقولوا إن المشير طنطاوي تولى وزارة الدفاع في وزارة عاطف صدقي فيجدون كلمة الوزارة تكررت، ويظنون أن الأناقة التعبيرية أو الشياكة اللغوية تقتضي منهم أن يميزوا بين الكلمتين، ولهذا فإنهم يقولون من باب الخطأ تولى وزارة الدفاع في حكومة عاطف صدقي مع أن هذا خطأ على نحو ما ذكرنا.

   

الخطأ الرابع يأتي من الحديث عن الوفد المصري، فباعتبار أن الوفد كان يخوض الانتخابات الحزبية ويفوز بالأغلبية، فإن الكتابة عنه تستسهل أن نقول: فاز حزب الوفد، أو اشترك فيها حزب الوفد، وهذا من باب الخطأ الظاهر لأن الوفد نفسه لم يكن يُسمي نفسه حزباً، وإنما كان حريصاً على أن يكون اسمه "الوفد" بدون كلمة الحزب، ولهذا السبب الطريف فإنه عندما زُوٍرت بعض الوثائق عن العلاقة بين الاتحاد السوفييتي وبين الوفد ونظرت المحكمة تلك القضية فإن القاضي الذكي حكم بالتزوير من أول جلسة، لأنه رأى الوثائق مكتوبة على ورق يحمل اسم حزب الوفد، والوفد لا يُسمّي نفسه حزباً، وهكذا حكم القاضي بالتزوير، من أول وهلة ورفض القضية.

   

يرتبط بهذا ما يجد بعض الباحثين الحرج فيه وهم ينقلون نصوصا من المصدر المعروفة، حين يرون الحديث عن عضوية الوفد التي هي أعلى المراتب التنظيمية في هذا الكيان المصري الوطني العريق، فيُحسون بالاضطراب حين يجدون أسماء كبيرة من الوفديين لم تنل عضوية الوفد إلا بعد أن نالت الوزارة مثلاً، فيقفزون على ذكر التاريخ حتى لا يقعوا في الخطأ الذي يتصورونه موجوداً بسبب تأخر التاريخ، ويحدث هذا أيضاً عندما يجدون الإشارة إلى فصل النقراشي أو أحمد ماهر أو مكرم عبيد من عضوية الوفد فيتعجبون أن يقتضي هذا قراراً بينما كان المنشق قد خرج بالفعل عن الوفد لكن المقصود هو خروجه من الهيئة العليا التي يحمل أعضاؤها لقب عضو الوفد المصري.

 

ويرتبط بهذا ما حدث عند الانشقاق المسمى بانشقاق السبعة ونصف، فسبب الاهتمام بعدد هؤلاء المنشقين أنهم كانوا ثمانية من أعضاء تلك الهيئة العليا للوفد وهي المكانة المسماة كما قلنا بعضوية الوفد، والتي كان يحوزها 15 وفدياً فقط في ذلك الوقت.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة