هكذا انتقد ملك اليمن التجربة الناصرية مبكرا في أرجوزة متعقلة

هذه أرجوزة طريفة تلخص رؤية كلاسيكية لمقومات الفكر الناصري بطريقة عاقلة متعقلة تخلو من الحماسة المتوقعة كما تخلو من العداوة المتأججة أو الهجاء المقذع، ولهذا فإنها لم تحتل مكانا بارزا في الأدبيات السياسية رغم ما هي حافلة به من المعاني الإنسانية والفكرية. كتب هذه الأرجوزة الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين ١٨٩١- ١٩٦٢ ملك المملكة المتوكلية اليمنية (هكذا كان اسمها)، موجها كلماتها إلى الرئيس جمال عبد الناصر عقب الوحدة بين مصر وسوريا، وكان اليمن قد انضم بقيادته إلى هذه الوحدة لتصبح وحدة ثلاثية لايزال التاريخ المصري يتجاهلها عن قصد مقصود.

  

يبدأ الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين ملك اليمن أرجوزته بمديح العرب وذكر أمجادهم التاريخية مذكرا بما دعا إليه القرآن الكريم من وحدة الصف من أجل الحق:

   

نصيحة تهدى إلى كل العرب / ذوي البطولات العظام والحسب

نصيحة تحرك الضمائر[ا] / وتوقظ القلوب والمشاعر[ا]

وتستثير نخوة الأجداد / وشيم الأكارم الأمجاد

من شرفوا ألسنهم عن الخنا / وللحمى والعرض كانوا أصونا

نصيحة أزفها إليهم / عسى أرى قبولها لديهم

أن يذكروا ما جاء في (القران) / من حكم معجزة البيان

تدعوهم لألفة القلوب / ووحدة الصفوف في الخطوب

وأن يكونوا كالبنا المرصوص / فيسلموا مذمة النكوص

ويرفعوا في قمة المجد علم / وينصروا الحق إذا الخطب أدلَهم

وينشروا مبادئ الإسلام / والعدل والسلام في الأنام

**

 

ويحرص الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين على الإشارة إلى أن الوحدة ضرورية في مواجهة العدو، وانه لابد من الاعتصام بحبل الله على نحو ما أوصانا نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام:

  

فقد أتى في محكم التنزيل / ما لا مجال فيه للتأويل

كونوا على عدوكم أعوانا / ورحماء بينكم إخوانا

أعزة عند اشتداد البأس / لا يستلين عزمكم لليأس

واتبعوا ما انزل الله لكم / وأخلصوا لوجهه أعمالكم

واعتصموا بحبله جميعا / واجتنبوا الفرقة والتشيع[ا]

وكم أتى على لسان أحمد / من الهدى إلى السبيل الأرشد

كم حثنا لوحدة الصفوف / ونبذ كل مبدأٍ سخيف

وكم دعانا للاخا والحب / والبعد عن قول الخنا والعجب

هذي التعاليم التي علمنا / خير رسول جاء رحمة لنا

**

 

ثم يستنكر الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، في محور ثالث، على العرب وقوعهم في الخصام والفرقة والتشتت والعبث والبعد عن طريق الحب والإكثار من الحديث الجالب للبغضاء والكراهية:

  

فما دعاكم يا بني العرب إلى / هذا النزاع والخصام والقلى

ومالكم حدتم عن الطريق؟ / وعبثت فيكم يد التمزيق

وأصبحت قلوبكم أشتاتا / ليست تعير رشدها التفاتا

فأدرك العدو منكم أمله / وفتّ زندكم وحز مفصله

مالي أراكم تملئون الأرض[ا] / قولاً يفيض حسداً وبغضا

وتفعمون الجو بالشتائم / وتصفعون جبهة المكارم

وتصرخون من فم المذياع / بكل صوت ناشز الإيقاع

**

 

ثم نرى الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، من جهة رابعة يستنكر ويستكثر، ما وقع فيه العرب المعاصرين له من الانشغال بالخلاف فيما بينهم عن مواجهة العدو، مخالفين بهذا دينهم القويم، وهو هنا يجد الشجاعة في نفسه لكي يصف ما وصل إليه حال العرب بهذه الممارسات بأنهم أصبحوا عارا على آبائهم بل يصفهم بأنهم أصبحوا لعنة في جبهة السماء "

  

كم تشتمون بعضكم بعضا وكم / هتكتمُ يا قوم جانب الحرم

أقلقتم مضاجع الآباء / ولم تصونوا ذمة الوفاء

واستحيت الامجاد منكم والشرف / وسخرت منكم عناوين الصحف

وابتسم العدو بسمة الظفر / كأنما احتل حماكم وانتصر

نسيتم عدونا المشترك[ا] / وصرتم بعضا لبعض شركا

شننتم الحروب فيما بينكم / وخنتم العهد الذي يصونكم

ولم تراعوا حرمة الإسلام / ولا شعار القادة العظام

فصرتم عارا على الإباء / ولعنة في جبهة السماء

وصيرتكم شهوة الأطماع / سفينة تاهت بلا شراع

فهل تعودون إلى الرشاد / وتغسلون درن الأحقاد

وتقطعون ألسن السباب / وتغلقون عنه كل باب

وتنبذون الكيد والخداع [ا] / والعجب والغرور والأطماع [ا]

متى تكفرون عن أخطائكم / وتأخذون الدرس عن آبائكم

وتجمعون صفكم كي تضربوا / أعداءكم وتعمروا ما خربوا

هيا فقد آن الأوان وانتهت / عصور ذل سيطرت واستحكمت

خضعتم فيها لأمر الأجنبي / وذاب فيكم كل عرق عربي

هيا بنا نبني صروح الأمة / ونرتقي للمجد أعلى قمة

فينتشي تاريخنا افتخارا / وتركع الدنيا لنا إكبارا

**

 

ثم يصل الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين خامسا وأخيرا إلى المناداة بل والقبول بوحدة عربية تعتمد على شريعة الإسلام وتخلو من عيوب الاتجاه الاشتراكي والتأميم وسلب أموال الناس بدون مبرر.. وهو يجاهر بالقول بأن هذه التصرفات تفتقر إلى الدليل الشرعي أو العقلي، مشيدا في الوقت نفسه بما في الشريعة من مبادئ العدل الاجتماعي:

  

هيا بنا لوحدة مبنيّهْ / على أصول بيننا مرضيّهْ

قانونها شريعة الإسلام / قدسية الأوصاف والأحكام

ليس بها شائبة من البدع / تجيز ما الإسلام عنه قد منع

من اخذ مال للناس من أموال / وما تكسبوا من الحلال

بحجة التأميم والمعادلة / بين ذوي المال ومن لا مال له

لأن هذا مال له دليل / في الدين أو تجيزه العقول

فاخذ مال الناس بالإرغام / جريمة في شرعة الإسلام

ولا يجوز أخذ مال الغير / إلا بان يرضى بدون ضير

والدين قد سن الزكاة فينا / طهارة لما حوت أيدينا

يعيش منها العاجز المحروم / ويسعد الحاكم والمحكوم

وليس في مقدارها إجحاف / ولا خلا من أمرها الإنصاف

**

   

وعلى صعيد سادس يتحدث الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين عن إصلاح الأخطاء مذكرا الزعماء بأن الأخلاق الكريمة تحقق الاستقرار وتمحو الآثام:

   

وممكن إصلاح ما قد كانا / ومحو ما قد غيّر الأذهان[ا]

وعودة الماء إلى مجراه / فينعم الشعب بما يهواه

ويستتب الأمر في البلاد / وينزل الخصب بكل وادي

وليس في العود إلى الصواب / مذمة لدى أولي الألباب

فالحسنات تقتل الآثام[ا] / وتذهب الأحقاد والأوهام[ا]

والبغض قد يغدو إلى وئام / إذا محوت الذنب بالإكرام

فان وعيتم يا ولاة الأمر / نصحي أمنتم غائلات الدهر

وسدتم الدنيا بكل فخر / وجئتم الأخرى بكل اجر

والله يهديكم إلى الرشاد / ويبسط الخير على العباد



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة