العبقرية الاقتصادية في السينما المصرية.. وكيف تنبأ بها مبكرا أستاذ للأدب العربي؟

استعرضنا في مقام سابق ملامح أسلوب متميز في النقد السينمائي المبكر ومقارباته النفسية في مقال كتبه أستاذ بارز للأدب العربي كان يجيد ممارسة النقد والاشتباك بقضايا الثقافة والفكر وهو الأستاذ عزيز أحمد فهمي، وقد استعرضنا آراءه النقدية في الحديث عن فيلم السيدة أم كلثوم «دنانير»، وقد بدا الأستاذ عزيز فهمي في مستهل نقده (وليس في نهايته) كما لو كان حريصا قاسيا إلى أبعد الحدود على نقد السيدة أم كلثوم وأداءها في فيلم دنانير الذي قامت بدور البطولة فيه، وكذلك كان الأستاذ عزيز فهمي قاسيا إلى حد كبير في نقد كثيرين ممن شاركوا في هذا الفيلم، وكان يبدو أقرب إلى التحامل فيما سجله من ملاحظاته على كلّ من شاركوا فيه بمن فيهم الأساتذة أحمد رامي وزكريا أحمد والقصبجي رياض السنباطي وسليمان نجيب وأحمد بدر خان، وقد قدم مُبررات موضوعية لهذا النقد القاسي، لكنه كان أيضا حريصا على أن يلحق هذا النقد القاسي بالاعتذار والتقدير.

 

التودد الصادق في تغليف النقد بعد تقديمه

لكن الأستاذ عزيز فهمي في نقده يصل إلى نهايته المعبرة عن الإعزاز والتقدير فيقول: "وأخيرا… لابد لي من أن أعتذر عن هذا النقد القاسي، فأنا أعلم أن الذي يقرأه من غير أن يشاهد الفيلم، ويكون ممن يصدقونني، سيحكم على الفلم – بحكمي… ولذلك أبادر فأقول: إن فلم دنانير لا يزال في طليعة أفلام الدرجة الأولى التي أخرجت في مصر، وإنه يستحق أن يشاهد مرتين وثلاثاً وأربعاً… وإن الذي يشاهده لا ريب سيخرج منه بمتعة ومتعة ومتعة. ولكنني إذ أقف أمامه هذه الوقفة المنكرة أرجو أن يصادف كلامي آذاناً مصغية، وقلوباً واعية، فإذا تحقق هذا انتفت من أعمالنا الفنية هذه العيوب التي أعيبها وأحب الخلاص منها".

السينما هي المعرض الحي الباقي المتنقل الحفيظ على إنتاج الروح من أدب، وتمثيل، وموسيقى، وغناء، وتصوير، وزخرفة، وهندسة، وتزيين، ورقص، وإخراج وغير ذلك.. وكلما راج هذا المعرض راجت بضائعه

"وقد كنت أستطيع أن آمالي هذا الفلم بكلام يرضى أصحابه ولكنني أعلم انهم في غير حاجة إلى الممالأة، فهم ليسوا صغاراً، وليسوا ضعافاً، وليسوا فقراء إلى مثلي… بل ربما كنت أنا الفقير إليهم، أغناني الله عنهم… وعلى هذا فإني أهدي إليهم تهنئتي القلبية الصادقة، كما أؤكد لهم أن [مجلة الرسالة] ليست مسئولة معي عن هذه القسوة، وكما أعيد عليهم قولا قالته [مجلة الرسالة] يوماً نقدت فيه (جندول) الأستاذ عبد الوهاب، وهو أنه في أغلب الظن ليس كثير من النقاد ينضم إلي في رأيي".

 

انتباه أستاذ الادب العربي إلى دور السينما كقاطرة للفنون

على أن ما هو من هذا وهو ما لابد لنا أن نشيد به من باب الإنصاف هو القول بأن للأستاذ عزيز فهمي أن يفخر بفقرة في غاية الأهمية والعبقرية استطرد فكتبها بحب وفهم وتعمق، وعبر فيها مبكرا جدا بكل وضوح عن فهم عميق للثقافة في مضمونها وحركتها في المجتمع، وذلك حيث قال: "فليقل من يريد ما يشاء أن يقول، فأنا مرتاح إلى حكمي هذا، كما أني أضمن مع صوتي فيه صوتين أثنين على الأقل، هما الصوتان الصارخان في انكتام، المنبعثان من صدري عبد الله أباظة بك والأستاذ عبد الحليم محمود المنفقين على الفيلم [والمغذين له] بالمال. فقد كانا من غير شك يؤملان في ربح كبير يدره عليهما هذا الفلم ليبعث في نفسيهما بعده التشجع على إخراج غيره وغيره، تحقيقاً لما ينزعان إليه من النهوض (بصناعة السينما)، على اعتبار أنها صناعة مصرية ناشئة، وعلى رجاء فيها لو نمت وترعرعت وازدهرت أن تنمو معها الفنون الجميلة جميعاً في مصر، وأن تترعرع وأن تزدهر.

السينما هي المعرض الحي الباقي المتنقل الحفيظ على إنتاج الروح من أدب، وتمثيل، وموسيقى، وغناء، وتصوير، وزخرفة، وهندسة، وتزيين، ورقص، وإخراج وغير ذلك.. وكلما راج هذا المعرض راجت بضائعه، وكلما راجت بضائعه انتعش تجارها من أصحاب الفنون المختلفة، وكلما انتعش هؤلاء سرى الانتعاش من أرواحهم إلى أرواح جماهيرهم، وكلما شعرت أرواح الجماهير بفرحة الفن ونشوته، انتفضت أعصابها وارتعشت فيها الحياة، وعندئذ يرجى من هذه الجماهير الخير، وعندئذ تراها الدنيا وهي شعوب مقبلة على حياة العمل والحركة والتوثب والسمو وعندنا المثل على هذا: أمريكا فأبرز ما في صناعاتها السينما، وأبرز ما في أخلاقها النشاط الذي يكاد يكون جنوناً.

 

"هذه من غير شك آمال كانت تخفق بها نفس [المنتجين للفيلم: عبد الله أباظة بك والأستاذ عبد الحليم محمود]، ونزوعاً إلى تحقيقها أنفقنا ما أنفقنا في إخراج هذا الفلم، والذي أنفقناه لابد أن يكون مبلغاً ضخماً جداً من المال، فمناظر الفلم وأثاثه ورياشه وملابسه كلها مما يقصم الظهر، وإعداده، وتجهيزه، وأجر المؤلف، وأجر المخرج، وأجور الممثلين وإن كانت تقل بكثير عن أمثالها مما يدفع لزملائهم في الخارج، فهي من غير شك كانت في مجموعها مبلغاً لا يستهان به، وأجور الملحنين هي وحدها لا أستطيع أن أقول إنها كانت شيئاً مذكوراً، فهؤلاء وحدهم هم المظلومون الذين يعطون مادة الغناء للأفلام الغنائية التي ترتكز على الغناء أول ما ترتكز. ويتحدث الأستاذ عزيز فهمي بإنصاف وتبكير عن دور راس المال أو دور المنتج الذكي المسؤول".

 

"ضحت شركة أفلام الشرق ما ضحت في سبيل دنانير، وجمعت لأم كلثوم كل القوى التي حسبتها كفيلة بإبلاغ الفلم إلى درجة الكمال التي تتوق إليها، فإلى أي حد أدت كل قوة من هذه القوى واجبها، وحملت أمانة القسط المعهود إليها به؟ "قبل أن أقول كلمتي الهزيلة في هذه القوى وفي أم كلثوم من فوقها، يجب أن أذكر لشركة أفلام الشرق تضحية أخرى غير التضحية المالية، [التي] بذلتها راضية عن حب وكرامة، لتوفر لأم كلثوم كل أسباب الراحة والاطمئنان في العمل، تلك التضحية هي أنها أخضعت إرادتها لإرادة أم كلثوم في اختيار هذه القوى التي ساندتها وعاونتها، اللهم إلا واحداً فقط تشبث به عبد الله اباظة بك، وهو زكريا أحمد، فقد كان على خلاف مع أم كلثوم، واباظة بك هو الذي ذلل هذا الخلاف وأزاله".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة